غداة مواجهات شرسة بين القوات السوري والمقاتلين المعارضين طردت القوات النظامية قبل نحو اسبوعين المناهضين للنظام من حي الجديدة المسيحي الواقع عند طرف هذه المنطقة ليتحول إثر ذلك الى خط للتماس يرزح تحت رحمة القناصة.
ويفصل اقل من 50 مترًا بين طرفي النزاع اللذين لا تلتقي اعين عناصرهما، انما تتقاطع اصواتهم ونداءاتهم وشتائمهم الساخرة في اغلب الاحيان. ويقول المجند احمد (22 عامًا) "يتعاملون معنا على اساس أننا كفار ونستحق الموت، ونحن نسخر منهم ونقول لهم إنهم لن يجدوا عذراء تقبل بأي منهم في الجنة".
ويؤكد عسكريون أنهم القوا القبض في السابق على مقاتلين كانوا يحملون في جيوبهم ملابس داخلية نسائية ظنًا منهم أنهم سيتمكنون من اهدائها الى "العذارى الحور العين اللواتي وعدوا بهن في الجنة بعد أن يستشهدوا".
ويشير جنود آخرون الى أن بعض المقاتلين في الجانب الآخر يدخلون المعركة وهم يحملون "جواز سفر للجنة" منحهم اياه شيخ سلفي، ويقول أحد الجنود "نستطيع برصاصاتنا أن نساعدهم على الوصول الى باب السماء". وغالبًا ما يرد المقاتلون وخصوصًا الاسلاميين على جنود القوات النظامية متوعدين اياهم بـ "نار جهنم".
ويسخر بدوره الجنرال في الحرس الجمهوري الذي يقود العمليات العسكرية في غرب حلب من المعارضين المسلحين، قائلاً "هم يدعون أنهم يقاتلوننا حتى يتناولوا طعام الغداء على طاولة الرسول، لكن هل تظنون فعلاً أن النبي قد يفكر في مشاركتهم الطعام؟".
ومنذ بداية النزاع الذي قتل فيه اكثر من 26 الف شخص بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان، يؤكد النظام أنه يخوض مواجهة مع متطرفين تمولهم دول عربية، وذلك بهدف القضاء على التعايش بين الطوائف في سوريا.
ويشكل السنة غالبية سكان سوريا (80 في المئة) علمًا أن الاقلية العلوية (10 في المئة) التي يتنمي اليها الرئيس بشار الاسد تسيطر على مقاليد الحكم منذ عقود. وظلت حلب بعيدة عن النزاع المسلح المستمر منذ منتصف اذار/مارس 2011، الا أن لغة السلاح فيها اليوم هي الاكثر شيوعًا.
ويبدو حي الجديدة المسيحي الذي تنتشر فيه الابنية الحجرية والمطاعم والمتاجر التي تبيع التذكارات والاغراض القديمة، مهجورًا من سكانه الذين كانت تكتظ بهم طرقاته، وفارغًا من السياح الذين بدأوا يبتعدون عن سوريا منذ اكثر من عام ونصف العام.
وتقول ام عبدو (52 عامًا) التي تغطي رأسها بمنديل ملون، وهي تنظر من بعيد الى شقتها التي غادرتها قبل نحو اسبوعين وتحاول تفقدها "أراها، لكنني لا استطيع الوصول اليها. إنه امر محبط".
وفي مكان قريب، يستريح جنود بعد تبادل شرس لاطلاق النار، ويقول عصام الذي وضع قطعة قماش على رأسه تحميه من الشمس: "الرجال المسلحون (المعارضون) متوترون اليوم بالاخص بعدما حصلوا على ذخيرة تتيح لهم اطلاق النار كما يشاؤون".
وفيما تتنقل الاهانات بسهولة ذهابًا وايابًا، فإن ايًا من الطرفين لا يجرؤ على التقدم باتجاه الطرف الآخر في منطقة يحمل زجاج وجدران منازلها ندبات وآثار النزاع. واغلق مطعم "سيسي" الاكثر شهرة في حلب ابوابه منذ شهرين، فيما يبقى محمد صبار (37 عامًا) وحده في متجره يحاول بيع الملابس الداخلية وثياب النوم النسائية.
ويقول "لم أبع قطعة واحدة منذ شهر لأن الطريق خطيرة والزبون المعتوه هو الوحيد الذي قد يقصدني. آتي الى هنا فقط لأنني اشعر بالملل في منزلي". جوزف (46 عامًا)، الذي يصنع حقائب نسائية ويرسلها الى ليبيا، هو الوحيد الذي لا يشتكي من الوضع الحالي. ويقول "أبيعها لليبيات اللواتي يرسل بلدهن الينا العاطلين عن العمل لمقاتلة جنودنا".








