هيثم شلبي
حدود مسؤوليتنا عن الصورة المشوهة للرسول والرسالة في العالم الغربي
قد لا يختلف إثنان في عالمينا العربي والإسلامي، بل ومن الكثيرين من أصحاب الضمائر والأخلاق في خارج هذين العالمين، على بشاعة الفيلم الذي يتعمد الإساءة لرسولنا الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ومن قبله الرسوم الكاريكاتيرية في أوروبا. لكن ومع تجاوز ردود الفعل العاطفية للمسلمين، والباردة للغرب، في تكرار لردود أفعال الطرفين حيال أزمة الرسوم، يمكن أن نسجل بشكل لا تخطؤه العين، ولا يغفل عنه كل منصف، أن الغرب في أوروبا والولايات المتحدة (مع وجود الاستثناء الذي تحدثنا عنه لدى بعض أصحاب الضمائر والأخلاق) يؤكد لمن لا يزال بحاجة لتأكيد، على نفاقه وزيف منظومة قيمه وأخلاقه، وتشوه مفهومه للديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان، بطريقة تجعله أبعد ما يكون عن إعطائنا الدروس في جميع هذه المجالات (حتى لو لم يعجب ذلك معسكره المحلي من "ليبراليين" و "علمانيين" و "حداثيين" … إلى آخر هذه التوصيفات الفارغة من أي معنى). فقيامتهم التي تقوم لمجرد الاقتراب من الصهاينة والإسرائيليين، حتى من قبل أكاديميين يناقشون خرافة من خرافات الصهاينة، أو مفكرين ينتقدون ممارسة عنصرية صارخة لهذا الكيان الإرهابي، وامتشاقهملسيف "معاداة السامية" لإسكات كل صوت يزعج محتلي فلسطين، لا تستقيم مع تكرارهم المقيت لاسطوانة "حرية التعبير" عندما يتعلق الأمر بإهانة الإسلام ونبيه الكريم. كما أن سكوتهم عن الممارسات العنصرية المقننة تجاه كل ما ينتسب للإسلام حقا أو ادعاء، بل وسن القوانين لإعطاء طابع مؤسساتي لهذه الممارسات، يفضح زيف ادعائهم "بالاشمئزاز" من الفيلم والتبرؤ من صانعيه. لكنها في النهاية أزمة "أخلاقية" وقيمية، لمن لا زالوا من أبنائنا أسرى وهم ديمقراطية الغرب، وعلوّ منظومة قيمه الإنسانية والحقوقية.
وبالمقابل، وإذا انتقلنا من معسكر أعداء رسولنا الكريم (المعلن والمضمر) إلى معسكر أتباعه، ماذا نشاهد؟ هنا تطالعنا أقوام يكاد لا يربط بينها سوى جغرافيا الكعبة التي يتوجه لها الجميع في صلاتهم، والتي بدورها تتفاوت طقوسها بين قوم وآخر.. مذاهب وطوائف.. دول وجماعات.. ملل ونحل.. إثنيات ولغات، تتصارع فيما بينها حتى في موسم الحج وهم يطوفون بالبيت العتيق، لدرجة تجعل التساؤل حول ماهية المرجعية الشاملة التي تجمعهم مشروعا..
ودون الخوض في أصل هذه الخلافات وتجلياتها، سنكتفي هنا ببعض التساؤلات والملاحظات "الحارقة" ذات الصلة بصورة الإسلام في الغرب، علّها تنبه إلى بعض مواطن الخلل، وتمهد لمواجهتها بشجاعة، بدل الهروب منها لهذا السبب أو ذاك:
– نشكو من تشويه صورة الإسلام لدى اعدائنا، وتعمدهم الإساءة للنبي الكريم، لكن ألا يحق لنا التساؤل: ما هي الصورة التي قمنا برسمها لديننا ولرسولنا هناك، مؤسسات ودولا؟ وهل تختلف حقيقة عن الصورة التي لديهم عنا؟ نشتكي من أنهم لا يرون في الرسول الكريم إلا "شهوانيا" تزوج أحد عشرة امرأة، و"شاذا" تزوج من بنت تسع سنين، و"جزارا" فتح الأمصار هو وأتباعه بالسيف.. وأن ديننا يحتقر المرأة بحبسها وراء "نقاب" أو حجاب، وسمح للرجل أن يجمع بين أربع نساء، وأن يمتلك "يمينه" ما استطاع، وأن عقوباته "بشعة" تشتمل على الرجم حتى الموت للزانية مثلا.. لكن، هل تختلف هذه الصورة عما يرسمه ويروجه ويدافع عنه المتطرفون من سلفيينا، وعموم أتباع المذهب الوهابي؟؟؟
ألا يصل بهم الحد في مواجهتنا نحن أبناء دينهم إلى تكفير من يحلق لحيته وتزيل خمارها ويشكك في رواية زواج أم المؤمنين عائشة وهي في سن التاسعة ويرفض حد الرجم للزانية على اعتبار عدم وجود حكم قرآني بجوازه؟؟ هل يوجد عنف أو لا إنسانية يماثل كليبات الفيديو المتداولة لذبح البشر في العراق وسوريا وغيرهما كما تذبح الخراف، على خلفية التكبير؟؟
ألا ينسبون كل هذا للإسلام وتعاليمه؟ فكيف نسهم في تشكيل صورة مخالفة أكثر إنسانية وصدقا في أوساط الرأي العام الغربي؟؟
– ألا ينضح نموذج "الإسلام" السلفي الوهابي المتطرف، بالشهوانية والإهانة العميقة لكل ما له علاقة بالمرأة، لدرجة تجعلها مركز هذا النموذج وبوصلته؟ وإلا بماذا نسمي الهوس المرضي ب: ماذا تلبس؟ كيف تتحدث؟ كيف تخفي فتنتها؟ كيف تطيع مالكها –عفوا زوجها-؟ سبل عزلها عن المجتمع؟ سيدنا سليمان الذي كان يطوف على تسعة وتسعين امرأة كل ليلة.. الرسول الذي أعطي طاقة عشر رجال لمعاشرة زوجاته.. الاختلاط.. رضاع الكبير.. العورة.. الوطء.. النكاح.. زواج المتعة..زواج المسيار..زواج المسفار.. ملك اليمين.. التعدد..الخ.
حرمة تحديد حد أدنى لسن الفتاة عند الزواج.. إلى آخر هذه المنظومة المتكاملة من الشهوانية الفجة.. بل وحتى عندما نهرب بعيدا إلى الجنة، تطالعنا اول ما تطالعنا الحور العين، مع الاختلاف حول نصيب كل مؤمن منهن يومئذ. كل هذا طبعا مغلف بزيف الادعاء بالمحافظة على فضيلة المجتمع وطهارة أفراده، دون أن تنجح في إخفاء نظرتهم الدونية للمرأة، واعتبارها وعاء لملذات الرجل.. ونقطة.
– ألم يقدم متطرفونا على شتى انتماءاتهم المذهبية (التي للأسف تنسب نفسها للإسلام زورا وغصبا) مادة غنية للغرب والصهاينة من أجل استخدامها في استهداف ديننا ونبينا؟
وإلا ماذا نسمي حروب التفجيرات المتبادلة في الأسواق ودور العبادة السنية والشيعية، بين من يدعي نصرة لآل البيت أو دفاعا عن الصحابة الكرام، وكأن نصرتهم أو الدفاع عنهم أصلا هي مما يدخل الجنة أو النار، ناهيك عن أسلوب هذا الدفاع الدموي.
– ألم يشكل سلوك أغلبيتنا المجتمعية، إثنية كانت أو مذهبية أو طائفية أو دينية، تجاه أقلياتنا في مختلف المجتمعات مبررا كافيا لإحساس هذه الأقليات بالظلم والاضطهاد، وأوصل بعضها إلى التحالف مع أعداء هذه الأغلبية من أجل كسر شوكتها والانتقام من سجل العذابات هذا؟
ثم نأتي ونلقي تبعات هذه الفتن على "المؤامرات الغربية الاستعمارية الصليبية الصهيونية"، وهو ما لا ننفي وجود أعداء يمكنهم أن يغذوا هكذا نزعات وخلافات ويستغلوها ضدنا.. "إن وجدت".. بل ألا يضطهد أبناء المذهب الواحد بعضهم بعضا، كما يضطهد متطرفو السلفيين والوهابيين أبناء مذهبهم الذين يخالفونهم الرأي، ويضطهد العلمانيون عندما يتحكمون أبناء دينهم ومذهبهم الذين يصرون على ممارسة شعائرهم الدينية بشكل أبشع مما يحدث في أوروبا؟
– أليس متاحا لكل أنصاف الجهلة من "الدعاة" والشيوخ من متطرفي السلفية والوهابية والشيعة أن يصدر "فتوى" تهدر دم هذا أو ذاك، بأسانيد لا تصمد في محاججة مع طالب ابتدائي، ولا تستقيم مع منطق أو فطرة، ناهيك عن رسالة عظيمة خاتمة للبشرية جمعاء؟ طبعا "جهلاء" ومتطرفي العلمانية والليبرالية والحداثة لا يقلون شططا ودموية وبعدا عن كل ما هو فطرة إنسانية سليمة، لكن هذا ليس مقام مناقشتهم.
وحتى لا نسترسل أكثر، مع وجود العديد من الملاحظات والأسئلة على هذه الشاكلة، نحاول أن نخلص لما يمكن أن يولد ضوءا في نهاية هذا النفق الذي نعيشه، بالتركيز على ترتيب بيتنا الداخلي، قبل مواجهة نفاق ولا إنسانية الغرب الصهيوني، وهذا يقتضي تسليط الضوء على أكثر من مساحة خلل عندنا، تشترك في حاجتها إلى عملية إصلاح شاملة لما أفسده متطرفونا دينا ودنيا:
ضرورة إعادة النظر في طريقة نظرتنا وتعاملنا مع ديننا الإسلامي كمجموعة من النصوص (أيات مختلف في دلالتها، وأحاديث مختلف في صحتها) نزلت ونوقشت وحسمت قبل أربعة عشر قرنا، ولم يُبق لنا السابقون شيئا نفعله حيالها.. وحتى محاولة تنزيلها على الواقع فهيتحتاج إلى "فتوى" من "فقيه" يقطع بقوله قول كل خطيب، وما علينا سوى السمع والطاعة، وعدم تحكيم "الهوى" –الذي هو العقل حقيقة- في التعامل مع هذه الفتاوى وهذا الفهم، كل ذلك لصالح دين يوافق فطرتنا حقا لا إدعاء، ونستطيع أن نتبعه ونقوم بما يمليه علينا راضين مطمئنين دون إحساس أزلي بالقصور والذنب وانفصام الشخصية.
– ضرورة أن يقدَّم الدين الإسلامي لأتباعه قبل أعدائه من بوابة منظومة قيمه الإنسانية الشاملة، لا عبر بوابة الشرع والحدود والحلال والحرام، التي ومع وجود خزنة شداد غلاظ على بوابتها، تخرج من الدين أكثر مما تدخل فيه. البشر هنا وهناك يحتاجون لتمثل فهم الدين لطبيعة العلاقة مع المال، البيئة، الآخر (دينا وعرقا)، الجنس، السن، الرزق والكسب، العمل، الأهل والجار، الكبير والصغير،,, ألخ، أكثر من حاجتهم لمعرفة رأي الشرع في هذه المخالفة أو تلك. إن إلقاء تبعة التفكير، وبالتالي المسؤولية عن سلوكنا كبشر، علينا نحن كأفراد، على الرغم من احتمال الخطأ الوارد في الاستدلال أو الأحكام، أفضل بما لا يقاس من الكسل والبلادة الذي ينبني على سؤال "الفقيه" عن "الفتوى" في كل حركة أو سكنة، دون تحكيم لعقل أو عرض على فطرة. وحتى عندما يتطلب التفكير في كل ما يهم الناس نقاشا واستشارة من ذوي الرأي والراسخين في العلم، ييجب أن يكون الموضوع مما يهم حاضر ومستقبل حياة الناس ويمس مباشرة مصالح غالبيتهم، وتعود "للفتوى" طبيعتها الاسترشادية غير الملزمة، والمجردة من كل هالة قداسة أو عصمة، وأمتلك مطلق الحرية في قبولها أو رفضها، العمل بها أو مخالفتها، وهو ما ليس قائما الآن.
–لقد قيض لمتطرفي المذهبين السني والشيعي، موارد مالية جعلتهم الأقدر على افتتاح "وإدارة" مراكز "إسلامية" في الغرب، إنشاء محطات فضائية "دينية"، والصرف على تكوين "مليشيات" فكرية وعسكرية، بدرجة أكبر بما لا يقاس مع الإمكانيات المتاحة أمام المنفتحين من مفكري الإسلام وعلمائه، الذين بدورهم اضطر معظمهم لسبب أو لآخر إلى خفض الصوت في مواجهة الغلو والتطرف خوفا أو طمعا، بشكل جعل الرواية السلفية الوهابية تكاد تكون المرجعية الوحيدة لنمط التدين لدى عامة السنة، وأصبحوا الأمناء على وضع مواصفات "الإنسان المسلم" وهو لعمري تعريف لا يستقيم، لأن على المرء أن يختار بالتعريف السلفي الوهابي أن يكون إنسانا أو مسلما.. لأن "إسلامهم" يخالف الفطرة الإنسانية، و "إنساننا" لا يمكن أن يكون مسلما بالتعريف والضرورة. لقد آن الأوان اليوم لأن نسترجع الإسلام المختطف من أيدي غلاته من شتى المذاهب، ليعود إلى أصله دينا للرحمة والتسامح ونبذ العنف، وبناء النفس وتهذيبها فنا وجمالا وقيما، والتعامل مع الدنيا وساكنيها بمفهوم العمارة والمسؤولية، لنقدم نقيضا لمنظومة القيم الحضارية الغربية المدمرة للأرض والإنسان.
–أن تقام المصالحة بين كل صاحب أخلاق وضمير وعقل وفطرة إنسانية سليمة من أبناء جلدتنا: مسلمين ومسيحيين ويهود.. سنة وشيعة وأباضيين.. عربا وأكرادا وأمازيغ.. رجالا ونساء وشبابا.. بيضا وسمرا وسودا.. مؤمنين وعصاة وملحدين.. على أساس أنه لا فرق بيننا ولا تفاضل إلا بالتقوى التي يقدرها ويقيسها ويحاسب عليها رب العالمين حصريا، وأن فطرتنا الإنسانية تتطلب التسامح مع الآخر والحرية في الاختيار والمسؤولية في السلوك، والاحتكام إلى ما يتفق عليه أغلبيتنا، ويحقق ما يرونه مصلحة عليا لمجتمعاتنا، مع حق الجميع في التعبير عن اتفاقهم أو اختلافهم مع هذه الأغلبية، وقبولهم أو رفضهم لمقتضياتها على المستوى الفردي. يجب أن نخرج من عبث التكفير والتخوين والتفسيق والتبديع والتجهيل، وأن نساهم بشكل جماعي في إجلاء منظومة القيم الإنسانية الحقيقية للإسلام، عبر نقاش حر غني يشارك فيه متعلمونا وعلماؤنا، رجالنا ونساؤنا، بشكل يؤسس لمجتمعات سوية منيعة، تستطيع أن تقدم للإنسانية ما تنتظره منها منذ قرون عديدة، من إسلام يشكل نموذجا للتدين يوافق الفطرة الإنسانية، ويجيب على أسئلة حاضر تشوشت قيمه وتفاقمت مشاكله.
أخيرا، ورغم احترامنا للغضب الذي يحسه كل مسلم منا تجاه ما لحق بنبينا الكريم من تشويه وإهانة، فإن الرد لا يمكن أن يكون حرقا واختطافا وقتلا، بل انسجام مع مقتضيات الرسالة الإنسانية الخالدة التي أتى بها الرسول الكريم، وتخليصها مما لحق بها من شوائب مجتمعية مختلطة على مدى القرون الماضية، ومصارحة مع النفس حول تقصيرنا في إجلاء الوجه الحضاري لإسلامنا، ومسؤولية بعضنا عن الكثير من التشوهات التي ألصقت بديننا، مفضلين الانتصار لتراث هذا الفقيه أو ذاك، حتى لو ضحينا بصورة نبي التسامح والمغفرة، المبعوث رحمة للعالمين.







