عبد الرازق أحمد الشاعر
تتعارض النظرة الحزبية الضيقة مع الهموم الكبرى للوطن، لا يكون أمام الوطني الحق إلا التخلي عن انتماءاته الفرعية والدخول طواعية في حظيرة المرابطين عن حقوق الوطن والذائدين عن حياضه. أما مدعو الوطنية، وكثير ما هم، فتراهم يبررون انشقاقهم عن الفكر الجمعي بمعاذير شتى، بل ويناهضونه بما أوتوا من منابر وما استنهضوا من همم، ويتخذون إله الحزب هواه وعصبية الجماعة حمية، فيتوزع دم الوطن بين قبائل كانت حتى أمس قريب عكازة يتكئ عليها الوطن حين تستبد به الأوجاع، وتتكاثر عليه الأمم. تلك بالضبط رسالة إميلي كيب بيكر في قصتها الرائعة: "ورقة في مهب الريح." ففي عناد، يرفض برنادو الانضمام إلى صفوف المدافعين عن فرنسا، ويبقى مع الخالفين لأنه لا يريد الدفاع عن أشياء لا يعرفها ولا يمت لها بانتماء. فلم تكن باريس يوما وطنا، ولا ساكنو الإليزيه أقارب، ولا ذوي الكروش المنتفخة والطاولات المستديرة ممثلين لأحلامه البسيطة أو لزغب أطفاله. لم يكن القروي البسيط راغبا في تلويث يديه بدماء الروس من أجل حفنة من المنتفعين أصحاب البنايات الشاهقة واللافتات الضخمة. لكنه كان في المقابل شديد الحمية فيما يتعلق ببيته الفقير وقريته المعدمة. كان برنادو يرى كوخه المتهالك رداءه الوحيد في هذا العراء الكوني، وكان مستعدا للذود عنه بكل ما أوتي من صلابة. خرج الرجال إلى ساحة القتال وبقي برنادو للذود عن النسوة اللواتي تفقدن أزواجهن تباعا، والصبية الذين لا يجدون ما يسد جوعتهم أو يغلق باب أحزانهم الصغيرة. ومع مطلع كل شمس، كان الرجل يجوب الحارات الضيقة والأزقة المتعرجة بحثا عن محتاج أو ضعيف، ولا يعود إلا بيته إلا حينما تصبح قدماه كقدمي فيل وتتلوى فقرات ظهره تحت وطئة ما يحمل من ألم. وفي البيت كانت تنتظره بلهفة شريكة حزنه لتربت على كتفيه وتحشر أصابعها بين أصابعه، وتهدهد آلامه وتذهب ما به من وهن. كان برنادو يحس وكأن بينه وبين الحرب أمدا بعيدا، وكأنها في سرداب مغلق أو نفق أرضي يعلوه موج من فوقه موج من فوقه سحاب. ولم يتأثر برنادو كثيرا حين أتاهم راعي أغنام يسعي في سراويل مضمخة بالدماء، ليخبرهم بما فعله الجنود الروس الذين أصبحوا على مقربة من أطراف القرية. اكتفى برنادو يومها بإغلاق بابه، ووضع رأسه فوق صدر رين ألكس التي شاطرته فكرته الصغيرة عن الوطن وتعصبه ضد غزاة البيوت. واستيقظت القرية على دبيب الأقدام الثقيلة، وأزيز الرصاص، فنهض القرويون من سباتهم ونظروا من شقوق نوافذهم المتهالكة، فرأوا مئات الجنود يسدون ضوء الشمس عن ستائرهم الممزقة ويسدون طرقهم نحو المستقبل. لكن برنادو الذي استبد به الغيظ حين سمع لكناتهم الغريبة تملأ فضاء بيته الصغير، كوم أصابعه في راحتيه وأطلق زفرة راعدة من صدره المحتقن. لم يكن الرجل ليسمح لأحد بالعبور فوق عتبة بابه إلا على أضلاعه البارزة وروحه الأبية. فالبيت هو الوطن الأكبر، وحرمة الوطن هي حرمة رين ألكس. ليذهب الجبناء إلى الجحيم إذن، ولتتوارى في خدورها النساء، أما برنادو الشهم، فلن يقبل أن تطأ قدم روسي عتبة بابه دون عقاب. توجه برنادو نحو الباب، وفتحه في حدة تتناسب وغضبته العارمة، فصر الباب عاليا، والتفت نحوه عصبة من الجنود الذين يرابطون أمام بيته، فصوبوا بنادقهم نحو صدره النحيل حتى يتثبتوا من نواياه. نظر الرجل يمنة، فرأى عشرات الأحذية الثقيلة، ونظر يسرة فلم ير من أبناء قريته رأسا واحدة. ظل برنادو ممسكا بمقبض بابه موزعا نظراته بالتساوي على طوال القامة الذين أتوا حتى عتبة وطنه ليسلبوه حنطته وبريق عيني رين ألكس. ظل الرجل محنطا عند باب وطنه الصغير قبل أن تعبره الخوذات العالية، لكنه كان وقوفا مخزيا رغم حرارة الأنفاس وصلابة المفاصل. لن يستطيع مناضل الدفاع عن حجره الصغير حين يسقط الوطن، ولن تستطيع قبضات ذوي الأحلام الفاسدة الانتصار لعتباتها حين يهدم. لكن المناضلين بالشعارات يعتقدون أنهم قادرون على حماية ممتلكاتهم الخاصة بعد السقوط، وأنهم قادرون على بعث الأوطان بعد الموت. يعتقد آل برنادو من السياسيين الفاسدين في بلادنا أنهم بمأمن من السقوط وأنهم قادرون على الصمود بعد انهيار حصون الوطن الأخيرة وسقوط آخر القلاع. لعلهم ينتظرون دبيب أقدام الطامعين فوق أزقتهم الضيقة حتى يفيقوا من سدرهم، ويعودوا إلى سابق وطنيتهم. ألا فليعلم المغامرون بتاريخ الوطن أنهم الساقطون، وأن الوطن الذي يتخلون عن نصرته اليوم طواعية، سينفض يديه منهم غدا حين تمتلئ الساحات بالمرابطين المؤمنين بأن الوطن أكبر من أحزابهم الكرتونية وجماعاتهم المتفرقة. عبد الرازق أحمد الشاعر أديب مصري مقيم بالإمارات Shaer129@hotmail.com






