عبد الرازق أحمد الشاعر
رُشح لينكولن للكونجرس عام 1843 ممثلا لحزب الأحرار الاشتراكي ضد ممثل الطائفة الميثودية البروتستانتية بيتر كارترايت. وصادف أن حضر لينكولن ذات يوم لقاء دينيا موسعا دشن به كارترايت حملته الانتخابية. استهل بيتر خطابه بعبارات ترحيب حارة بالحضور، أعقبتها دعوة مفتوحة لكل من يرغب في دخول الجنة بالتخلي عن مقعده. وعلى الفور استجاب عدد غير قليل من المحتشدين، وتحركت مقاعدهم إلى الخلف قليلا لتتعامد أكتافهم فوق أحذيتهم اللامعة. فواصل صاحبنا قائلا: "ليقف الآن كل من لا يرغب في دخول النار." عندئذ تضاعفت الجلبة وصرّت الكراسي وتراصفت الأكتاف في مشهد قتالي رائع. لكن فجوة هامة بين الأكتاف المتلاحمة ظلت هناك. عندها وجد كارترايت ضالته، فانقض على فريسته شاهرا سيفه المقدس ليقول لغريم لم يجد لقدميه موقعا بين حشود الغائبين عن الوعي: "دعني أطرح عليك سؤالا، سيد لينكولن، إن كنت لا تريد الجنة ولا تخشى النار، فأي مكان تريد؟" عندها قال لينكولن وقد أدرك ما خبأ له غريمه في طيات كلمته من مطبات سياسية: "جئت إلى هذا الحشد سيدي لأستمع إلى كلمات الرب المقدسة شأني شأن الآخرين، ولم أكن أعلم أنك ستخصني من بين الحاضرين بأداة استفهام مقوسة. أقر أن الأسئلة التي طرحتها أخي كارترايت في غاية الأهمية، لكنني لم أشأ الإجابة عنها بنفس الطريقة التي أجابت بها الحشود. أما وأنك خصصتني بسؤالك عن وجهتي، يمكنني أن أقول بكل وضوح أنني ذاهب إلى الكونجرس." صحيح أن لنكولن لم يجد مجلسا شاغرا عامها هناك، إلا أن الناخبين الذين فروا من جنة كارترايت إليه بعد ثلاثة أعوام من العقم السياسي كفّروا عن ولاءاتهم غير المقدسة لرجل لم يجدوا في جيبة مفتاحا للجنة ولا مغلاقا للجحيم، فرفعوا الزعيم الملهم لنكولن فوق أكتافهم ووضعوه فوق كرسي ظل شاغرا رغم جلوس غريمه فوقه لسنوات عجاف. لم تفلح وعود كارترايت المغرية، ولا أسئلته الملغمة في تغييب العقول إلا قليلا. ولم يفلح سحر كلماته وذرابة لسانه في إبقاء مجلسه في الكونجرس دافئا. إذ سرعان ما تبين الواقفون أمام مهابة الأسئلة أن المتاجر بصكوك الوهم أفاق ومخاتل وإن ارتدى زي راهب أو تدثر بكهنوت كنسي. ولأن التجارة بالمقدسات تتحول إلى كساد سياسي وعقم فكري، سرعان ما يلمس السائرون نياما من التابعين المخلصين زيفه، فينفضون عن تُجاره بنفس القوة التي تجمعوا بها حولهم ذات خواء. ولعل زماننا هذا هو أصلح الأزمنة للتجارة بالمقدسات بعدما خلا فعليا أو يكاد من تجسد القيم السماوية في أخلاق الناس ومعاملاتهم. أعرف أن جملتي هذه لن تمر أمام أعين القراء الذين فتنتهم الحشود الظامئة لعودة الدين دون تمحيص. سيقول الناظرون إلى مليونياتنا المتقاربة أن الواقع يكذب الرأي وأن الرؤية تدحض الرواية. لكنني أؤكد هنا أن الظمأ والجوع موسم خصب لبيع كافة الأغذية الفاسدة، وأن الظمأ الروحي الشديد الذي استبد بنا عبر سنوات قحط ماحقة يدفعنا اليوم للشرب من أي ماء وإن كان كدرا. لهذا أحذر الحشود من تسليم الرؤوس لبديهيات الإجابات، والتفكر قليلا قبل النهوض استجابة لأي نفير. فالأسئلة التي يطرحها الساذجون على صفحات التواصل الاجتماعي اليوم تشبه إلى حد كبير أسئلة كارترايت لحشود فقدت بصائرها وأسلمت آذانها لنفخ الرجل ونفثه. نعم نحب رسول الله، ولأننا نحبه، لن نشارك في هدم ولا قتل ولا ترويع. نعم نحبه، لهذا لن نؤذي ذميا ولن نتعدى على حرمة ولن نقول في غضبتنا إلا ما يرضي ربنا. لن نساهم في نشر إهانة ولن نجتمع حول سباب أو نشارك في تجمعات تطرح الأسئلة الغبية لنجيب بكلمات أشد غباء وأكثر حمقا. لم يكن نبي الرحمة سبابا ولا لعانا، ولم يأت إلى هذا العالم إلا رحمة للناس، برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم. والمفتئتون على رسول الله، الذين تأخذهم الحمية اليوم، فنراهم يرفعون أسلحتهم على كل ساب، ويبسطون ألسنتهم فيلوكون بها أعراض اللاعنين، أولى باللوم وأحق بالتقريع، فما لهذا نزلت الرسالات ولا لهذا أرسل المرسلون. وإذا كنا نريد أن نحاكم الآخرين على الخروج المريع عن منظومة القيم، وهو خروج لا شك آثم، فأين نحن – أصحاب الرسالات – من تلك القيم؟ ليتنا نتريث قليلا قبل أن نغادر مقاعدنا لنصطف في حشود مليونية لنتساءل عن حقيقة الصكوك التي توزع هناك على أفئدة الحالمين، وعن غايات أصحاب الرسائل الملغمة والطرود الفكرية المشبوهة التي حتما ستحول مجتمعنا، المفتقر إلى القيم أصلا، إلى مسخ قيمي لا يغري بدين ولا بتدين. وكم هو حري بنا أن نراجع أفعالنا على سلم ثوابتنا قبل أن نقوم من مقامنا مؤَمِّنين على أسئلة بليدة بأقدام








