من أجمل ما أنشد الفنان عبد الوهاب الدكالي أغنية " سوق البشرية " التي يقول مطلعها :
Ala uno ala due ala tre
ألا أونو ألا دو وي ألا تري
مين يفتح المزاد مين يشري
الفرح والألام
اليأس والأحلام
الصمت والكلام
الحرب والسلام
ونظرة أمل في عيون منسية
كل شئ يتباع
في سوق البشرية
حقا ، كنا نسمع عن الاستثمار في العقار أو البورصة أو النفط والشركات المتعددة الجنسيات وغيرها من المجالات التجارية لكننا لم نعرف أن الاستثمار سيكون في يوم من الأيام في معاناة البشر في سوق البشرية …
سبب هذه المقدمة الزيارة التي قامت بها كيري كينيدي رئيسة مركز روبيرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان بوفد هام لها إلى عيون الساقية الحمراء ومخيمات تندوف والجزائر ما بين 27 غشت و31 منه 2012 بدريعة الاطلاع على حقوق الإنسان في تلك الربوع الملتهبة من شمال إفريقيا ..
الأمريكيون لا يتركون الأمور للصدفة فالتوقيت والظرف السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء هذه الزيارة لها أهداف انتخابوية أمريكية مفضوحة في أفق الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية القريبة جدا ، في نوفمبر 2012 ، ففي الوقت الذي أُعْـلـِنَ فيه عن مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية ميت روميني لمواجهة باراك أوباما عن الحزب الديموقراطي ، في هذا الوقت تبيت كيري كينيدي رئيسة مؤسسة روبيرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان في بيت إحدى أشهر الانفصاليات الصحراويات المدعوة أمينتو حيضر في مدينة العيون كبرى مدن الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب والبوليزاريو المدعومة من طرف النظام العسكري الجزائري . وبطريقة فجة ومثيرة تتعمد كيري كينيدي الانحياز للبوليزاريو بل والترويج إعلاميا لهذا الانحياز ، والدفاع عن هذا الانحياز حيث لم يكن ذلك اعتباطيا بل هو استثمار إعلامي بالواضح من أجل تلميع صورة الحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية استعدادا للانتخابات الرئاسية المقبلة …
فأن تَـتعَـمُّد كيري كينيدي التهرب من كل ما يُغْضِبُ البوليزاريو ، بإصرارها على تجنب اللقاء مع الجمعيات الحقوقية المغربية والتي يبلغ عددها أكثر من 800 جمعية ، وإصرارها على اللقاء المباشر- ومنذ سنين – بالبوليزاريو الرسمي ، وتتعمد اليوم زيارته في الميدان والتقاط صور معه بالإضافة إلى الاتصال بالانفصاليين داخل الصحراء ، كل هذا كان الهدف منه ترسيخ صورة المؤسسة الحقوقية للحزب الديموقراطي الأمريكي والتصاقها التصاقا متينا بالحركة الانفصالية بحجة الدفاع عن حقوقها الإنسانية ، هذا ما يُعرف بالعمل الاحترافي عند الأمريكيين لكسب أكبر الأصوات في الانتخابات ، ومعلوم أن الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت صناعة وكما في أي صناعة هناك استثمار مالي ضخم في انتظار جني الربح الأكبر ، والسلطة في أمريكا للمال و لاشئ غير المال ، ومخطئ من يعتقد أن الحزب الديموقراطي ينفق أمواله في مؤسسات المجتمع المدني من أجل سواد عيون الإنسان في الكون …
السؤال هو : كيف تجتمع كيري كيندي مع تشافيز الشيوعي حاكم فينزويلا مع بشار الأسد في سوريا ، كيف يجتمع كل هؤلاء في العطف على الصحراويين في مخيمات تندوف ؟
قبح الله السياسة التي تجمع الانتهازيين المتاجرين بمعاناة البشر في سوق البشرية وفي قضية واحدة !!!
نعرف عطف تشافيز على البوليزاريو ، لكن الموقف الفج للنظام السوري من شعب المغرب وملك المغرب وقضية الصحراء الذي عبر عنه الجعفري في مجلس الأمن بطريقة صبيانية تدل على أن النظام السوري قد بلغ مرحلة الخرف وهو اليوم ينتفض انتفاضة المحتضر في تضامنه مع رئيسة مركز روبيرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان في موقفها المنحاز للبوليزاريو ، إنه العبث بحقوق الإنسان والمتاجرة بمعاناة الشعوب في سوق البشرية … لا فرق بين الحزب الديموقراطي الحاكم في أمريكا و حزب البعث الحاكم في سوريا ، إلا أن حزب البعث يقتل شعبه أما الأمريكيون فيقتلون الشعوب الأخرى من أجل شعبهم !!!!
إن الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية صناعة تُحْسَمُ في العمق الأمريكي أي في المدن الصغيرة والقرى عند بسطاء الأمريكيين الذين تتحكم فيهم وسائل الإعلام الجهنمية الاختصاصية في صناعة الرأي هناك حيث يساق محدودو التفكير من الشعب الأمريكي المنمط وهم الأغلبية الساحقة ، يُساقون كالبهائم لصناديق الاقتراع بعد أن يتم حشو رؤوسهم بمغالطات السياسة السياسوية ، هناك حيث تُسْتَثْمر مثل تلك البهرجة الفولكلورية تحت يافطة الدفاع عن المستضعفين في العالم ، هناك حيث اشتهر الإنسان الأمريكي بجهله بأبسط المعارف ، حيث لا يفرق بين صحراء أوستراليا والربع الخالي ، ولا يفرق بين إفريقيا والقطب الجنوبي ، هناك حيث ستوزع على الشعب الأمريكي صور الشعوب المستضعفة التي تُنَاصِرُها الجمعيات أمثال جمعية كيري كينيدي ، لكن هل سترفع تلك الشطحات الانتخابوية المعاناة عن الصحراويين في مخيمات تندوف ؟ أم سيبقى الحال على ما هو عليه ويكون الرابح الوحيد فقط هو الحزب الديموقراطي الأمريكي في صراعه مع الحزب الجمهوري وسينسى الجميع معاناة شعوب الكون وليس فقط معاناة الصحراويين ؟ ثم أليس في الصحراء الغربية صحراويون لا يؤمنون بالانفصال ويشتركون مع البشر في حقوقهم الكونية ؟ فأين العدالة عند مركز روبرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان ؟ ، ليس هناك لا عدالة ولا حقوق الإنسان كل ما في الأمر أنها سوق للمتاجرة في معاناة البشر والاستخفاف بإنسانيتهم …
على سبيل الختم : أين كان مركز روبيرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان حينما ذبح الحركي الحاكم في الجزائر ربع مليون جزائري ؟ ولماذا لا يضع هذا المركز ضمن جدول أعماله قضية الاختفاء القسري لعشرات الآلاف من الجزائريين أيام العشرية السوداء خاصة وأن الأمهات الجزائريات المكلومات نَظَّمْنَ وقفة لعرض لوائح أولادهن المختطفين في نفس الوقت الذي كانت فيه كيري كينيدي في تندوف والجزائر ، أم إن عين الرضا عن عيوب الحبيب كليلة ؟
طبعا الحبيب هنا هو الحركي الحاكم في الجزائر ، وعيون مركز كيري كينيدي عن عيوب الحركي كليلة أي لا تراها …
السؤال : ماذا يجمع بين مركز روبيرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان وحزب البعث الحاكم في سوريا والحزب الوحيد للحركي الحاكم في الجزائر ؟ يجمعهم سوق البشرية للمتاجرة في معاناة الشعوب ….
مين يفتح المزاد مين يشري
الفرح والألام
اليأس والأحلام
الصمت والكلام
الحرب والسلام ونظرة أمل في عيون منسية
كل شئ يتباع في سوق البشرية
يا شاري خذ ما يحلى لك
مادام القيم انهارت
والنفس الحرة تهانت
والناس عبيد أموالك
ملاحظة أخيرة : بعد زيارة كيري كينيدي لمخيمات تندوف ستبقى نظرة الأمل في عيون الصحراويين المحتجزين هناك منسية منسية منسية منسية منسية منسية منسية منسية منس …ية .
سمير كرم
للجزائر تايمز
6-9-2012





