ببداية الشهر الماضي، شهر يوليوز من العام 2012، صرح رئيس تحرير جريدة "الأحداث اليومية" بما مفاده أنه ليس لديه مانع ولا تحفظ بالمرة، من أن تتمتع أمه أو زوجته أو أخته بأجسادهن، وأن لا وصاية لكائن ما يكن عليهن بالمطلق، مادام الأمر يدخل في خانة الحريات الفردية التي ضمنها لهن الدستور، واعترفت لهن بها المواثيق الدولية التي وقع عليها المغرب.
هو صرح بذلك علانية بإحدى الفضائيات العربية، لكنه لم يتردد في التأكيد عليه، بركنه اليومي بالصفحة الأخيرة من الجريدة التي يقوم على رئاسة تحريرها.
لم يمض وقت طويل على ذلك، حتى خرج بعض "الدعاة الجدد" بفتوى تصف رئيس التحرير إياه بالديوث، ويطالب من ثمة بواجب إقامة الحد في حقه، دونما ظرف في التخفيف، أو استحضار للسياق الذي قيل فيه الكلام.
لم يتوقف الأمر عند هذا المستوى، بل ركبت ناصيته منظمات حقوقية وأحزاب سياسية، وامتلأت شبكات الإنترنيت الاجتماعية عن آخرها، بردود فعل أوشكت أن تبلغ مبلغ الفتنة لولا تمكن القضاء من القضية، ولجوئه إلى فتح تحقيق في النازلة.
ولما كان كلام الشيخ المفتي قد تم تفسيره، إعلاميا بالأساس، على أنه دعوة صريحة للقتل، فقد تم الاستماع إليه من لدن النيابة العامة، وتم رفع القضية للمداولة في أمرها، والبث في شأنها.
كان كل ذلك في شهر شعبان، ومع حلول شهر رمضان طلعت علينا جمعيات، ومن بين ظهرانيها شبابا وشابات، يرفعون شعارات يطالبون فيها بحقهم في الإفطار العلني، وينددون بالفصل 222 من القانون الجنائي الذي يجرم ذلك، لا بل ويطالبون الدولة بإلغائه جملة وتفصيلا.
ودفوعاتهم في ذلك إنما القول بأن ممارسة الحرية الفردية لا يجب أن يعيقها عائق، وأن هذه الحرية حق مقدس في دولة علمانية ك"المغرب"، وأن فرض الصيام على كل المغاربة لا يقيم اعتبارا للأقليات أو للمعتقدات الخاصة، وهكذا.
بمقابل ذلك، طلعت علينا بالجهة الأخرى، آراء و"فتاوى" تندد بهذا السلوك، وتعتبره أمرا نشازا، لا بل وترى فيه استفزازا لشعور ملايين المغاربة، الذين يعتبرون شهر رمضان شهرا مقدسا، لا يسمح بالتجاوز على قدسيته أيا ما تكن المبررات والاعتبارات.
إننا عمدنا إلى سرد هاتين الحالتين ليس بغرض تبني طرح هذه الجهة أو تلك، أو التجريح في حرية هذا الفرد أو ذاك. إننا سردناهما للتذكير بثلاثة مسائل، تبدو لنا جوهرية لبلورة عناصر النقاش ووضعها في السياق العام السليم:
+ الأولى، أن مجال الحريات، الفردية كما الجماعية، منصوص عليه بالعديد من بنود الدستور والقوانين والتشريعات المتفرعة عنه. ولما كان الأمر كذلك، فإن الحد الأدنى إنما الالتزام بها ضمانا للعيش المشترك، ودرءا للفتنة التي قد تبدأ، وقد لا يعلم المرء متى وأين ستنتهي.
وعليه، فإذا كانت الحرية الجنسية واحترام طقوس رمضان محددة ومؤطرة بنص ومنطوق القانون، فلم المزايدة بشأنها إذن، اللهم إلا إذا ارتضى الناس نظاما غير الذي توافقوا عليه نصا وتشريعا؟
+ المسألة الثانية: ليس من حق كائن ما يكن أن يطعن في قيم ومعتقدات وتمثلات الأفراد، فما بالك بالجماعات، تحت مسوغ من المسوغات، حتى وإن كان مسوغ الحرية ذاته، لأن من شأن ذلك أن يصدم المجتمع، أو يثير نار التصادم والتحارب من بين ظهرانيه.
الأمر هنا لا يرتبط بإبداء رأي أو الادعاء بالحق فيه والجرأة في التعبير عنه. إنه مرتبط بمنظومة مجتمعية، المفروض تطويرها بالتدرج، لا الدفع بها على خلفية من استحضار أطروحة "العلاج بالصدمات".
+ أما المسألة الثالثة، فتتعلق بكيفية استنبات أدبيات الحوار والنقاش. ويبدو لنا، بهذه النقطة، أن الإبداء بآراء شاذة، تماما كالمطالبة بإنزال الحد في أصحابها تحت هذا المبرر أو ذاك، كلاهما أمران غير مقبولان.
إذا لم يكن الأمر غير ذلك، فمن أعطى الحق لهذا كما لذاك، بأن ينطق باسم المجتمع، أن يحلل له ويحرم، باسم الدين بالنسبة للبعض، باسم الحرية بالنسبة للبعض الآخر؟








