حكومات واشنطن وأوروبا ترحب بزيادة إنتاج النفط، لكن المجتمع السعودي يواجه تحديات تهدد استقرار الأسعار والاوضاع السياسية.
لندن – وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الولايات المتحدة بانها تجد نفسها في وضع يزداد هشاشة تجاه منطقة تعيش حالة من الفوضى، في اشارة الى المنطقة العربية وايران.
ولفتت إلى ان حكومات واشنطن وأوروبا رحبت بزيادة إنتاج النفط السعودي، لكن المجتمع السعودي يواجه تحدياته ما يجعل من استقرار سياسات الطاقة والسياسة في السعودية غير مؤكدة.
وذكرت الصحيفة بتقرير كتبه "كليفورد كراوس" ان الولايات المتحدة تزيد من اعتمادها على النفط السعودي، مشيرة الى ان وارداتها من المملكة هذه السنة ارتفعت بنسبة تزيد عن 20%، حتى في ظل تنامي المخاوف من نزاع عسكري في الخليج.
وسجلت الواردات النفطية الأميركية من السعودية ارتفاعاً تخطى الـ20% خلال العام 2012.
وبدأ ارتفاع صادرات النفط السعودي الى الولايات المتحدة ببطء في فصل الصيف الماضي وارتفع بشكل ملحوظ هذه السنة.
ولفتت إلى انه حتى هذه الفترة، كانت أميركا تخفض اعتمادها على النفط الخارجي وخصوصاً من الخليج.
واعتبرت الصحيفة ان هذا التغير ناجم إلى حد ما عن "المعركة" الدائرة حول البرنامج النووي الإيراني.
وأوضحت ان الولايات المتحدة شددت عقوباتها التي أعاقت قدرة إيران على بيع النفط الخام وأثرت على اقتصادها، فيما وافقت السعودية على زيادة إنتاجها للمساعدة في ضمان عدم ارتفاع أسعار النفط.
لكنها رأت انه بالرغم من ان الأسعار ما زالت مستقرة إلى حد ما، وبالرغم من الضغط على الخزانة الإيرانية، فإن أميركا تجد نفسها في وضع يزداد هشاشة تجاه منطقة تعيش حالة من الفوضى.
واعتبرت الصحيفة ان زيادة استيراد النفط من السعودية يظهر مدى صعوبة تخفيف أميركا من اعتمادها على النفط الأجنبي، وهو أمر يقلق خبراء السياسة الخارجية الليبراليين والمحافظين خصوصاً وان أسعار النفط والتوتر في الشرق الأوسط يتزايدان في الأسابيع الأخيرة.
وقال مايكل ماكوفسكي وهو مسؤول في وزارة الدفاع سبق أن انخرط في شؤون الشرق الأوسط خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن، انه "في وقت تتزايد فرصة قيام إيران نووية أو توجيه ضربة إسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية، لا بد من أن نحاول تخفيض اعتمادنا على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز وليس زيادته".
يشار إلى ان إيران هددت بإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره معظم شحنات النفط الخليجي، لكن غالبية المحللين يستبعدون أن تفعل ذلك لأن هذا قد يعيق صادرات حيوية لاقتصادها.
وقدرت وزارة الطاقة الأميركية ان أميركا استوردت أكثر من 1.45 مليون برميل نفط خام سعودي خلال الأشهر الـ5 الأولى من هذه السنة، مقارنة مع 1.15 مليون برميل خلال الفترة عينها من العام الماضي، وقد سجل ارتفاع أيضاً لوارداتها النفطية من الكويت والعراق.
وعلى الرغم من أن السعودية تملك أكثر من 400 مليار دولار في رصيدها من أموال النفط لحل المشاكل الاجتماعية فإن السعودية يجب أن تتعامل مع قضايا مثل الوظائف والاسكان ورغبة جيل على دراية بالانترنت في ان يسمع صوته.
ويواجه السعوديون فرصة تتلاشى بسرعة لإجراء التحول إلى اقتصاد أقل اعتمادا على النفط وأكثر قدرة على النمو والتنوع وتوليد الوظائف.
وسبق وان وضعت مؤسسة "مابلكروفت" الاستشارية البريطانية لتقييم المخاطر السياسية، السعودية في المرتبة 15 بين اقتصادات الدول الناشئة.
وقالت المؤسسة إن الهدف من هذه القائمة هو تحذير المستثمرين من الدول المعرضة للخطر، أي دون مرتبة كل من نيجريا وإيران. يستدعي ذلك تعاطيا أكثر دقة وفهما من الحكومة السعودية لتوازن بين الإصلاحات وقوى المصالح الدينية، إن أرادت السعودية التأقلم مع حقائق الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الربيع العربي.
وقال التقرير الذي كتبه "روبرت لوني" ان الفرصة تكاد تضيع لإجراء إصلاحات اقتصادية فعالة، مشيرة إلى أن النفط لن يدوم للأبد وعلى الحكومة السعودية إجراء إصلاحات لاقتصادها إذا أرادت أن تصمد.
واشار إلى أن تفادي السعودية للاضطربات التي جلبها الربيع العربي في بعض الدول المجاورة من خلال الإنفاق الحكومي الضخم على برامج مؤقتة للشباب يظهر هدوء خادعا على السطح، ويخفي ذلك مجتمعا يعاني من مشاكل جمة ستكون إدارتها أمرا مستحيلا مع مرور الوقت.
ويعزو الكاتب "روبرت لوني" مشاكل السعودية الداخلية إلى جوانب ديمغرافية، ويشير إلى أن زيادة عدد السكان السعوديين من 15 مليون عام 1990 إلى 28 مليون عام 2011 أي بمتوسط زيادة سنوية من 3%.
وقال "يمكن إدارة هذا النمو السكاني في اقتصاد يعتمد مسار الدول النامية الذي يتضمن تحديث الزراعة ونمو التصنيع الذي يعتمد على العمالة الكثيفة، لكن النمو السكاني أثبت أنه مشكلة عويصة في اقتصاد يهيمن عليه النفط".
وتحظى السعودية بالقوة المالية التي تجعلها تتجاوز المراحل المتوسطة لتصبح بمكانة البلد صناعي، لكن يعتمد ذلك على التراكم السريع لرأس المال البشري مع نمو كبير للقطاع الخاص المنتج. ولا يزال النظام التعليمي في السعودية عصيا على التحديث ليتخرج منه شبان وشابات تنقصهن المهارات مما يجبر الشركات على توظيف العمالة الوافدة.
ودعمت الحكومة التعليم العالي، حيث ينضم قرابة 800 ألف سعودي وسعودية في الجامعات، مقابل قرابة 110 ألف في جامعات أجنبية في الخارج. لكن النظام يتهاوى مع المصاعب التي يواجهها هؤلاء في العثور على وظيفة لأنهم غير قادرين على تأدية مهامهم وفقا للمعايير الدولية. لا غرابة في كون 90% من السعوديين في السجون، هم من حملة الشهادات الجامعية.
وتضع تقديرات غير الرسمية معدل البطالة بين الشباب السعودي بمستوى مرتفع جدا من حوالي 40%.
وتطبق برامج السعودية منذ سنين طويلة لكن يبدو أنها لا تقدم النتائج المرجوة. فالهدف الأساسي هو استبدال 320 ألف وظيفة يشغلها الأجانب بين 1995 و2000 بمواطنين سعوديين. لكن أرقام العمالة الأجنبية زادت بحدود 58 ألف خلال تلك الفترة.
وفي سنوات العقد الماضي أقر مجلس الشورى السعودي أن تكون نسبة السعوديين 70% من مجمل القوى العاملة بحلول 2007. لكن أصحاب العمل تحايلوا على ذلك القرار واليوم لا تتجاوز نسبة السعوديين في القطاع الخاص أكثر من 10%.
ومنذ توليه السلطة عام 2005 لم يتخذ العاهل السعودي أي إجراء لتعديل النظام السياسي القائم على الملكية المطلقة ولم يفعل الكثير لتغيير القواعد الاجتماعية التي تفرض واحدة من أكثر القيود صرامة في العالم على السلوك الشخصي.






