محمد السادس 13 عاما من الحكم ما الذي تغير؟

ajialpress2 أغسطس 2012
محمد السادس 13 عاما من الحكم ما الذي تغير؟

ادريس الكنبوري/ ديوان أصدقاء المغرب

قطع المغرب ثلاثة عشر عاما منذ تولي الملك محمد السادس الحكم خلفا لوالده الحسن الثاني سنة 1999، وهي فترة بدأت من الانتقال السلس للحكم في مغرب جديد ذي قاعدة شبابية متطلعة إلى التغيير والديمقراطية والعدالة في توزيع الثروة، وانتهت بتراكم سياسي تمثل في عبور مرحلة الربيع العربي بطريقة سلسلة أيضا، من خلال وضع دستور جديد واستيعاب التحولات المستجدة على الساحة العربية، وهي تحولات لعبت فيها أيضا الملكية الدور المركزي، عبر مبادرة الملك إلى إطلاق ورش التغيير الدستوري وطرح الوثيقة الدستورية الجديدة للاستفتاء الشعبي. 

إرث الأب
ورث الملك الحالي إرثا ثقيلا من عهد والده، تمثل في حجم التحديات الكبرى التي بقيت مطروحة من مرحلة الانفتاح الديمقراطي المحدود الذي دشنه الملك الراحل عبر التناوب التوافقي الذي وضع حدا لصراع مديد بين القصر والمعارضة التقليدية السابقة، وهي تحديات ذات طبيعة سياسية، من حيث تكريس المزيد من الانفتاح الديمقراطي والشفافية والمصالحة بين الشعب والدولة، بعد المصالحة بين الدولة والمعارضة القديمة، كما هي تحديات ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية، من حيث تكريس المزيد من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، والعدالة في تقسيم الثروة وضمان الحياة الكريمة للمواطن، كما هي تحديات أيضا ذات طبيعة ثقافية، من حيث تكريس التعددية الثقافية والاعتراف بالمكون الأمازيغي، الذي ظل الجدل حوله واحدا من سمات العهد السابق.

وتشكل كلمة المصالحة المفتاح الرئيسي في قراءة العهد الجديد للملكية المغربية منذ العام 1999، فقد مثلت المصالحة المدخل الرئيسي في صوغ مشروعية الملكية لما بعد تلك المرحلة مباشرة، وشكل ذلك نوعا من التقويم للعهد السابق وإطارا جديدا لإعادة تركيب معادلة العرش والشعب التي كانت قائمة في السابق على مشروعية النضال المشترك ضد الاستعمار، وأصبحت قائمة في العهد الجديد على السير المشترك نحو إصلاح الأعطاب السابقة للدولة ومد جسور الثقة بين الدولة والمواطن.

تحدي المصالحة
ظهر هذا التوجه بداية في الاهتمام الملكي بالمنطقة الشمالية منذ الأشهر الأولى، وتمثل في الجولات والزيارات التي قام بها الملك محمد السادس للمناطق والأقاليم التي كان الملك الراحل يضعها ضمن المربع المغضوب عليه في مملكته، بسبب تركة الماضي السياسي اللاحق على مرحلة الانعتاق من الاحتلال الفرنسي وسنوات المواجهة بين القصر والمعارضة. كما تمثلت تلك المصالحة أيضا في مسعى الملك الجديد إلى طي صفحة الماضي والتصالح مع الذاكرة الوطنية، من خلال تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة وتعويض ضحايا ما سمي بسنوات الرصاص على عهد الملك الراحل، ثم في خطاب أجدير الشهير عام 2001 الذي أطلق فيه الملك المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وكان في اختيار المكان لتوجيه الخطاب دلالة سياسية كبرى تسير في منحى مصالحة المغرب مع ماضيه وذاكرته التاريخية.

وقد أطلقت هذه المصالحة دينامية سياسية وثقافية جديدة في المغرب، إلى درجة أن مرحلة ما بعد تولي الملك محمد السادس الحكم أصبحت تنعت بالعهد الجديد، كناية على الانتقال الشامل والقطيعة مع العهد السابق وأسلوبه في الحكم والتسيير، وهو ما كان وراء ميلاد"المفهوم الجديد للسلطة" أيضا في تلك المرحلة، إذ بدا المغرب وكأنه عاش ربيعه قبل أزيد من عشر سنوات من ظهور الربيع العربي عام 2011.

تحدي الإصلاح
وقد تكثفت الإشارات الملكية القوية اتجاه الإصلاح والتغيير منذ السنوات القليلة الأولى لحكم محمد السادس، فبعد هيئة الإنصاف والمصالحة وإنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية تم وضع مدونة جديدة للأسرة بهدف الانتصار أكثر لفائدة القضية النسائية، في مرحلة كانت تشهد تراشقا واستقطابا حادين داخل المغرب بين توجهين متضاربين، سرعان ما تدخل التحكيم الملكي لفضه بعد المعركة الشهيرة التي قسمت المشهد السياسي والمعروفة بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية.
أظهرت تلك الإصلاحات ـ على الرغم من بعض الانتقادات التي صاحبتها ـ عزم المغرب على وضع آليات الانتقال نحو الديمقراطية، بيد أنها كشفت بالتالي أن المغرب أدرك مبكرا أهمية الانخراط في مسلسل الإصلاح باعتبار الظرفية الإقليمية والدولية التي لم تعد تستدعي المزيد من الصمت اتجاه ضرورة الإصلاح ونبض الشارع. وهكذا لوحظ أن الملك سارع ـ بعد اندلاع أحداث تونس فاتحة ما سمي بالربيع العربي ـ إلى إلقاء خطاب قوي يوم 9 أبريل من السنة الماضية أطلق فيه مسلسل المشاورات حول صياغة دستور جديد، وتم تشكيل لجنة خاصة كلفت بإجراء مشاورات ومفاوضات مع الأحزاب السياسية والهيئات النقابية والمدنية، قاد في نهايته إلى وضع نص دستوري جديد، ثم إجراء انتخابات يوم 25 نونبر من العام الماضي.
تحدي التغيير
أهمية ما حصل منذ بداية حراك الشارع المغربي تكمن في أن الملكية كانت الأسرع إلى التقاط إشارات التغيير ورمي الكرة في الساحة السياسية والمبادرة إلى طرح مشروع للإصلاح، من أجل تنفيس الاحتقان الداخلي. ذلك أنه في ظل الجمود الذي يطبع المشهد السياسي بالمغرب وعجز النخب الحزبية عن صياغة أفكار جديدة للإصلاح يبقى الفراغ أخطر ما يهدد استقرار الملكية في البلاد، وقد أظهرت أحداث الربيع العربي بطء هذه النخب في التجاوب مع الرياح الجديدة التي هبت على المنطقة والمغرب، مما جعل المؤسسة الملكية تظهر في صورة المبادر إلى هذا التجاوب، من خلال الخطاب الملكي المشار إليه، والذي أصبح بالنسبة للفاعلين اليوم في المغرب يؤرخ لنهاية مرحلة وبداية أخرى، في اعتراف واضح بأن المبادرة جاءت من الملك وليس من النخب الحزبية والسياسية.
تردد
غير أن حصيلة 13 سنة التي راكمها المغرب حتى اليوم ما زالت في حاجة إلى تصليب وتعزيز من خلال مجموعة من الإجراءات القوية التي تصب في جوهر التغيير وليس في مجرد الاكتفاء بإرسال الإشارات السياسية، إذ بالرغم من كل ما تحقق من إنجاز فإن البلاد ما زالت تشكو من عدة اختلالات، ربما يتمثل أبرزها في التردد الذي يطبع سياسات الإصلاح التي تريد أن تنهجها الدولة، بسبب التخوف من التضحية ببعض التوازنات على سبيل المثال أو عدم المساس ببعض المصالح.

ولعل سياسة التردد هذه ما تزال واحدة من المميزات التي تميز السياسة العامة للدولة اتجاه مجموعة من الملفات، كملف التعليم على سبيل المثال، والذي لا يزال إلى اليوم موضع اختبار وتجريب مستمرين، بل تحول إلى مختبر لتجريب مجموعة من المناهج والنظريات وليس إلى مختبر لإنتاج شعب متعلم، ويظهر هذا الخلل في إصلاح التعليم أن المشكلة لدى الدولة المغربية توجد في الاختيارات.

 

مستجدات