عادل فتحي
فالبنسة للجريمة فإن القانون الجنائي المغربي يأخذ بالتصنيف الثلاثي، مخالفة ، وجنحة وجناية.والذي لم يعد له جدوى في ظل تشابك وتوتر العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والسياسية..،و يبقى معيار الخطورة مُحَددا أساسيا
إن تفريد العقاب عند ارتكاب جريمة معينة تتداخل بشأنه عدة عناصر من قبيل طبيعة ونوعية وخطورة الجريمة، ودور القاضي ومساعديه المباشرين وغير المباشرين وخصوصية المتهم وظروفه.
فقبل الخوض في تفاصيل هذه الإشكالية لابد من الإشارة إلى أن مسألة تفريد العقاب بالنسبة للجرائم المتداولة والمستهلكة والمعممة، لا تطرح صعوبات إلا في حالات قليلة واستثنائية أي عندما ترتبط مثلا بظروف أخرى. وبالتالي فإن هذا النوع من الجرائم تعتبر حسب رأيي مجرد انحراف.
فالبنسة للجريمة فإن القانون الجنائي المغربي يأخذ بالتصنيف الثلاثي، مخالفة ، وجنحة وجناية.والذي لم يعد له جدوى في ظل تشابك وتوتر العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والسياسية، المتمثلة في مجموعة من السلوكات المخالفة للقانون الجنائي.
فمن الناحية العملية يبقى معيار الخطورة مُحَددا أساسيا وجوهريا، سيما وأن حالات كثيرة تكون فيها الجنحة اخطر من الجناية كما تدل على ذلك الاحصائيات، التي تنجزها مؤسسة النيابة العامة بخصوص جميع الجرائم المحالة عليها سواء على مستوى المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، فخطورة الجريمة من عدمها تظل رهينة فهم واستيعاب وقائعها وملابساتها، خاصة إذا لم تفتقر هذه الأخيرة إلى المصداقية.
وبخصوص دور القاضي ومُساعديه، فمن نافلة القول، التأكيد بأن التكوين القانوني للقاضي غير كاف لتحديد العقوبة المناسبة والملائمة، بل أضحى ( أي القاضي) في إطار التحولات الوطنية والدولية مدعوا إلى الإلمام بمجموعة من العلوم لوضع يده على أسرار الجريمة والنبش في تفاصيلها وجزئياتها، خاصة وأن المراجعة الدستورية لسنة2011، تم فيها التنصيص على استقلال القضاء الجالس خلافا للقضاء الواقف.
وغني عن البيان أن القاضي لايشتغل لوحده ولمفرده بل يعتمد جزئيا -وأقول جزئيا- على مهن قضائية مساعدة، كالضابطة القضائية التي تضع يدها عل الجريمة في البداية، ولها دور كبير ولو بشكل غير مباشر في تفريد العقاب. فهل المحاضر تكتسي مصداقية وتتميز بالجودة اللازمة، سيما عندما يتعلق الأمر بمتورطين محظوظين ؟ وهل المحاضر يتم إنجازها وفق السرعة المطلوبة، فكلما مر الوقت كلما غابت الخطورة، باستثناء حالات قليلة؟ فهل فعلا الضابطة القضائية تمتثل لتعليمات النيابة العامة أو انها تروم استغلال بعض الحالات للجانب السلبي لوحدة النيابة العامة؟
وبالنسبة لموظفي كتابة الضبط، فهل فعلا يتقنون تضمين ماراج بالجلسات ؟ بمعنى هل يتوفرون على المهارات والكفاءات اللازمة لذلك، كما هو الشأن أيضا بالنسبة للضابطة القضائية؟ خاصة وأن محاضر الجلسات تحتوي في أغلب الحالات وسائل إثبات أونفي، خاصة في المراحل اللاحقة، فهل هذه المحاضر تحتفظ على المعاني والحقائق التي وردت في الجلسات.
وبالنسبة للدفاع، فهل فعلا يساعد القضاء، وأن دورهم يكمن في عدم تضليل العدالة وبعبارة أخرى، هل مرافعتهم يكون الهدف منها التأثير الإيجابي على القاضي أو غرض آخر يرتبط بمساع أخرى.
وقبل الانتقال إلى حجر الزاوية في منظومة تفريد العقاب، أي المتهم بارتكاب الجريمة، لابد من الإشارة إلى الدور غير المباشر لمهن قضائية أخرى في هذه المنظومة، ويتعلق الأمر بالمفوضين القضائيين عند القيام بمهام التبليغ، والمعاينات، وكذا التراجمة والعدول والخبراء، كل في نطاق مهامه ووظيفته، ناهيك عن الشهود الذين يعتبرون مساعدين حقيقيين في إظهار الحقيقة في بعض الجرائم، حيث تقوم هذه الفئة بدور مهم في زمن تهاوت فيه القيم إلى الحضيض.
وبخصوص المتهم وفق المار ذكره، فإن الميكانيزمات المعتمدة من طرف القاضي يغيب عنها للأسف الشديد العمق النظري خلال توظيف معطيات خاصة بشخصية المتهم وظروفه العائلية والاجتماعية والمادية والتربوية، علاوة على مكان وزمان ارتكاب الجريمة وسن المتهم وجنسه، أي هويته الكاملة السابقة واللاحقة، وغيرها من العناصر الأخرى.
وختاما، فإن السياسة الجنائية التي تعتمد وتنفذ تظل وسيلة ناجعة وفعالة في هذا المجال، إذا ما اطلعنا على الثدي المغذي لها، خاصة أنها أولا وأخيرا ليست قرآنا منزلا، لكونها تحدد في إطار القانون أو روحه، كما هو الأمر بالنسبة لبعض الأقاليم أو الجهات، حيث تظل السياسة الجنائية المصرح بها في بعض الأحيان مختلفة عن ما هو معمول به، إلا أن ذلك لا يؤثر سلبا على تفريد العقوبة، طالما يتم احترام الخطوط العريضة التي تظل واحدة وموحدة.
فمتى سيتحرر القاضي من أصفاده ؟ إن تم ذلك سنكون ساعتها إزاء تطبيق سليم للنص القانوني ولروحه، وفي هذا حلول كثيرة من ضمنها الحد من اكتظاظ المؤسسات السجنية، ومكافحة التفاوت في العقوبات، والإفلات من العقاب، وغيرها من الأعطاب.
فمتى سيتحرر من جديد قاضي النيابة العامة خلال للقاضي الجالس من أغلاله، ولو نظريا ؟ وإن ذلك لن يتم إلا في سياق التنزيل الديموقراطي للدستور الجديد، علما أن الخيار الديموقراطي أضحى ثابثا رابعا إلى جانب ثوابث الإسلام والملكية والوحدة الترابية.
ولله در أحد حكماء الصين الذي قال :" من أراد سنة من الربح، عليه زرع القمح، ومن اراد عشر سنوات من الربح عليه زرع الأشجار، ومن أراد سنوات وقرون من الربح عليه زرع الإنسان".
*نائب وكيل الملك بابتدائية تازة-عضو ناشط في الجمعيات المهنية القضائية







