سجل تاريخ المسلمين باعتزاز معاصرة القائد صلاح الدين الأيوبي (ت 1193م) في المشرق، لقائد آخر في المغرب هو أبو يعقوب المنصور الموحدي (ت 1184م)، وكلاهما قدم خدمات عظيمة لتثبيت رسالة الإسلام وصد العدوان الصليبي، خاض صلاح الدين معارك ضد الصليبيين، وأعاد القدس السليب إلى حضن الإسلام بالكثير من التضحيات، ومثله دخل أبو يعقوب المنصور في حروب مستمرة مع صليبيي الأندلس، وكلا الرجلين يشهد له التاريخ بالعفة والاستقامة وعلو الهمة، ومثل بحق روح الثبات والجهاد المستميت، يقول المؤرخ الإنجليزي أميروتو عن صلاح الدين الأيوبي: «.. كان أعظم شخصية سياسية وعسكرية عرفها عصر الحروب الصليبية، ليس فقط في بطولته الحربية، بل في صفاته الشخصية التي تضعه في القمة بين العظماء والمصلحين في تاريخ العالم.. لقد كان صلاح الدين يعرف أهدافه الحربية، ويجيد التخطيط لها، وكان من رُعاة العلوم والمعارف، وكان مثالا طيبا في الوفاء بالوعد والشهامة والكرم، وعلى النقيض من كفاءته ومن صفاته كان يتسم معاصروه من الحكام الصليبيين للولايات اللاتينية، الذين كانوا همجا وبرابرة». بينما وصفت أحد المراجع شخصية أبو يعقوب بما يلي: «.. اتسم بالحزم، وتحري العدل، وقمع الظلم والبغي، يدفعه إلى ذلك تقواه وورعه وتبحره في علوم الشريعة، وله في ذلك رسالة بديعة كتبها إلى أخيه وإلى قرطبة وإلى سائر الولاة بالأندلس بشأن تحري الدقة والأمانة في عقد الأحكام وتوقيع العقوبات، وكان الخليفة شغوفا بالعلم يجلّ أهله ويقربهم إلى مجلسه، وكان عالما بارعا في الفقه، وكان الخليفة محبا للعمران، كلفا بإقامة العمائر، فشيد طائفة منها، رفعت اسمه بين ملوك المغرب قاطبة، وحسبك ما قام به في أثناء إقامته بأشبيلية حاضرة الأندلس من المنشآت العظيمة، مثل: مسجد أشبيلية الجامع، وصومعته العظيمة، ومشروع إمداد أشبيلية بالماء وتجديد أسوارها التي خربتها السيل، وإنشاء القصور والبساتين في أشبيلية.. وقد أحاط المؤرخون موت يعقوب المنصور ببعض القصص التي هي أقرب إلى الخيال. فقال بعض إنه بايع ابنه الناصر بعد عودته من وقعة الأرك، ثم زهد في الدنيا وساح في الأرض حتى وافته منيته. وقال بعض آخر إنه ذهب للحج وعاد منه زاهدا فمات في الطريق ودفن في الشام».ومن الحقائق التاريخية الدالة أن صلاح الدين الأيوبي لم يعاصر فقط أبو يعقوب المنصور الموحدي، بل تبادلا معا الرسائل المصيرية التي حددت مصير أمة بعد رحيلهما، وأهمها على الإطلاق ثلاث رسائل أرسلها صلاح الدين إلى أبو يعقوب المنصور، استنجد فيها بأسطوله ضد الصليبيين، الرسالة الأولى كانت عام (1191 م)، ثم أرسل الثانية في نفس العام، ليعقبها بالثالثة.في الرسالة الأولى يبدأ صلاح الدين بالدعاء للخليفة الموحدي، وينعته بسيدنا أمير المؤمنين وسيد العالمين، وقسيم الدنيا والدين، ثم يبين غرضه منها، وهو أن يشترك الخليفة الموحدي معه في الجهاد، ومما جاء فيها: «لا يؤمن على ثغور المسلمين أن يتطرق العدو إليهم وإليها، ويفرغ لها ويتسلط عليها والله من ورائهم محيط. وإذا قسمت القوة على تلقى القادم وتوقى المقيم، فربما أضر بالإسلام انقسامها، وثلمه والعياذ بالله انثلامها»، ويمجد قوة المغرب البحرية، فمن ذلك قوله: «فلو بزقت فيهم بازقة غربية لأغرقهم طوفانها، ولو طلعت عليهم جارية بحرية، لنعقت فيهم بالشتات غربانها»، وفي نهاية هذه الرسالة يمجد السلطان صلاح الدين الخليفة المغربي، ويستثير العاطفة الدينية فيه، ويعقد مقارنة بين أسطول المسلمين وأسطول الصليبيين، وهو يخشى أن ينتصر الكفر على الإسلام، ويدعو الله أن ينصر المسلمين بما يمدهم الخليفة المغربي من أسطوله البحري، ومدده العسكري.وفي الرسالة الثانية يكرر صلاح الدين القول عن أمجاده السالفة، ثم يصف خروج النجدات الصليبية في كثرتها وقوتها ومنعتها، ويشير إلى أنهم حفروا خندقا حول معسكرهم من البحر إلى البحر، وأداروا حولهم ومن وراء الخندق سورا مستورا بالستائر، ورتبوا على أبواب هذا السور جماعات مزودة بأدوات الحصار التي أخرجوها من مراكبهم، ثم يحكي للخليفة الموحدي أن أمر العدو قد تطاول، وبعدها يبين له حاجته إليه في تطويق العدو والقضاء عليه فيقول: «إن هذا العدو لو أرسل الله عليه أسطولا قويا مستعدا يقطع بحره، ويمنع ملكه لأخذنا العدو إما بالجوع والحصر، أو برز فأخذناه بيد الله تعالي التي بها النصر»، ثم يطلب منه المساعدة إما بالرجال أو بالمال إذا تعذرت المساعدة بالأسطول فيقول: «وإن كانت دون الأسطول موانع: إما من قلة عدة، أو من شغل هناك بمهمة، أو بمباشرة عدو، ما تحصن منه العورة أو قد لاحت منه الفرصة، فالمعونة ما طريقها واحدة، ولا سبيلها مسدودة، ولا أنواعها، محصورة تكون تارة بالرجال وتارة بالمال». أما الرسالة الثالثة فقد بين فيها صلاح الدين ما فتحه من بلاد الشام، كما حدد الباقي منها في يد الصليبيين وهى: ثغر طرابلس، وصور، ومدينة أنطاكية، وهو يرجو الله أن يفك أسرها. ثم يشير إلى النجدات التي لبت صرخة الصليبيين في الشام، فأخرت فتح بقية البلاد التي في أيديهم، ويذكر مجيء ملك الألمان إليهم في البر والبحر بأعداد مهولة. ويقول: «إن عدة الأعداء مئة ألف أو يزيدون، وأنه حاربهم بأصدق عزيمة، حتى أصبحوا لا يستطيعون قتال الثغر، لأنهم محصورون أشد الحصر، غير أنهم خندقوا أو سوروا». وقبل أن ينهى صلاح الدين رسالته يقول: «كان المتوقع من تلك الدولة العالمية، والعزمة الفادية، مع القدرة الوافية، والهمة المهدية الهادية، أن يمد غرب الإسلام المسلمين بأكثر مما أمد به غرب الكفار الكافرين فيملأها عليهم جواري كالأعلام، ومدنا في اللجج سوائر كأنها الليالي مقلعة بالأيام، تطلع علينا معشر الإسلام آمالا، وتطبع على الكفار آجالا».أثير حول هذه الرسائل نقاش مستفيض بين المؤرخين والباحثين، منهم من قال برسالة واحدة وليس ثلاثة، ومنهم من أكد استجابة السلطان الموحدي لنداء صلاح الدين، ومنهم من نفى ذلك، وذهب إلى أبعد من ذلك من الافتراضات التي ناقشها الأستاذ علي الصلابي في كتابه عن صلاح الدين الأيوبي، نذكر بعضها هنا مختصرة: «.. ذكر بعض المؤرخين أن يعقوب المنصور الموحدي لم يقابل كتاب صلاح الدين بالارتياح، لأنه لم يلقبه بلقب أمير المؤمنين لا ينهض دليلا على عدم استجابة يعقوب المنصور لنداء صلاح الدين، وإنما كان ذلك راجعا إلى أن يعقوب المنصور كان دائما على أهبة الاستعداد لحرب النصارى في الأندلس، وذكر بعض المؤرخين سببا آخر منع أبو يوسف المنصور من دعم صلاح الدين وذلك لأن توسع صلاح الدين في غرب مصر، بحروب قام بها بعض أتباعه وخصوصا قراقوش التقوي الذي حالف بعض أعداء الموحدين كعرب بني هلال، وابن غانيه الذي كان يدعو إلى المرابطين، وهذا سبب وجيه..».إلا أن الحقيقة التاريخية تثبت استنجاد القائد الغيور صلاح الدين بأبي يعقوب الذي عرف هو الآخر بمواجهة الصليبيين وحماية دار الإسلام، والأكثر من ذلك أن الواقع الأثري في القدس يشهد إلى اليوم ببصمات المغاربة الذين هبوا في فترات متتالية من أجل إنقاذ فلسطين والدفاع عنها، حتى سجل الرحالة ابن جبير الذي كان معاصرا لصلاح الدين الأيوبي تلك الضريبة الإضافية التي فرضها الإفرنج في الشام على التجار المغاربة، دونا عن سائر تجار المسلمين «لأن طائفة من أنجاد المغاربة غزت مع السلطان نور الدين محمود زنكي أحد الحصون فكان لهم في أخذه غنى ظهر واشتهر، فجازاهم الإفرنج بهذه الضريبة المكسية ألزموها رؤوسهم، فكل مغربي يزن على رأسه الدينار المذكور في اختلافهم على بلادهم..» ثم يشير ابن جبير في مكان آخر من كتابه إلى اهتمام الملوك وأهل اليسار في الشرق العربي بفداء الأسرى من المغاربة: «فكل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية وسواها إنما يعينها في افتكاك المغاربة خاصة لبعدهم عن بلادهم».
رشيد يلوح
العرب القطرية







