احتل الوطن العربي ، وما زال يحتل مركزاً مرموقاً في السياسة العالمية وفي صوغ موازين القوى الدولية ، وذلك بسبب موقعه الإستراتيجي وثرواته الاقتصادية الهائلة ، ونظراً إلى علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل كحليف شرق أوسطي إستراتيجي ،ووفق سياستها المعروفة القائمة على خلق الصراعات من أجل منع أي أمل لنشؤ قوى إقليمية تؤثر على مصالحها العليا في الوطن العربي ، فإن لعملية صنع القرارات في السياسة الخارجية الأمريكية أهمية بالغة في وضع المنطقة والأحداث التي تجري على ساحاتها.
ومن المنطلق نفسه توجب على الولايات المتحدة أن تحمي هذا الحليف القوى بأي شكل ، فقامت بدعمه بالعتاد والسلاح والمال في بعض الحروب وألقت بثقلها بكاملها في بعضها الآخر.
ولكن ما كان ملفتاً للنظر هي السياسة الأكثر ضباباً ، ألا وهي سياسة التسليح و وجود القواعد الأمريكية على الأراضي العربية ، وما تحويه من كواليس غامضة وطباع متقلبة سواء مع الحلفاء أو الأصدقاء بل ومع الأعداء.
كما وزادت في الآونة الأخيرة لدى العديد من دول المنطقة العربية حالة عدم الاتزان الأمني , وذلك إما نتيجة العدو التقليدي (إسرائيل) أو الحروب المفتعلة والموجهة من الأطراف الخارجية (حرب الخليج).
ومن هذا المنطلق فقد ارتأى الباحثون أن يقوموا بهذا البحث محاولاً كشف القليل عما يدور في كواليس وزارات الدفاع العربية والغربية ومطابخها السياسية وذلك بعدما تمت ملاحظة أن هناك من تقصير في الجانب الإعلامي المرئي والمقروء في سرد مثل هذه القضية، بل ووصل الأمر أحياناً إلى الترويج إلى السياسة الأمريكية ومحاولة إظهارها في عباءتها الإنسانية وهي تسوق للديمقراطية مستخدمين في ذلك المحطات المسيئة دولياً وكتاب المارينز الذين كثر ظلهم في هذه الفترة في الوطن العربي , ومن هنا سوف يتم التحدث عن ماهية القواعد الأمريكية وتأثيرها على الأمن القومي العربي .
الفصل الأول
المبحث الأول / المطامع الأمريكية بمنطقة الخليج العربي :
لا يمكن أن نخفي مطلقا حقيقة مفادها؛ أن عامل البترول يشكل المحور الأساس في إبقاء حركة الاضطهاد والاحتلال والقمع وديمومة الحروب الصغيرة والكبيرة في أي شكل من الأشكال التي عاهدناها. ولكون الوطن العربي يتمثل بضخامة مراميه وذخائره الغنية التي سيدها وسيد العالم البترول؛ نرى يستوجب علينا إذن أن لا ننظر ببعد ضيق لما يدور من أحداث؛ بل علينا أن نحدق في المسألة من خلال إطار يتخلله نوازع أساسية في مفهوم أطماع الدول الغربية لاحتلال أو السيطرة على المنطقة بأية طريقة مناسبة تحافظ على بقاء مصالحهم. تلك الدول التي بما لا يقبل الشك مطلقا تعتمد على منتجات المنطقة العربية النفطية دون منافس من جانب؛ وما يشكله النفط من عصب ذو أهمية في استمرار ديمومة الحياة من جانب أخر؛ لتلك الدول التي تفتقر إليه. وعليه ومن خلال قراءة أدبيات الصراع حول النفط؛ نرى أن تلك الدول ومنذ ارتباط بقائها وديمومتها بعامل البترول؛ بات مبدأ البقاء والسيطرة لديها على الدول المنتجة؛ هدفا أساسيا لاستمرار جريان تصدير البترول إليها من جهة؛ والسيطرة على الأموال التي تجنيها الدول المنتجة من جهة أخرى.
إن العامل الاقتصادي مربوط بصورة أو أخرى بزيادة الاستهلاك للبترول في الدول المستوردة؛ بعد أن انتهى وولى عصر استعمال الفحم الحجري المستخرج بكميات هائلة حينذاك؛ لتشغيل عجلة الصناعة والقوة الحربية. ولقد تضاعف استهلاك البترول عالميا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة مرة كل عشر سنوات حتى غاية عام 1971م .
وبالتالي أجلا أو عاجلا كانت تتمخض في أروقة السياسة الغربية بوادر بناء إستراتيجية نفطية مستقبلية؛ التي من خلالها توضع أسس التعامل السياسي مع تلك الدول المنتجة للبترول. وهو دون أي أدنى شكوك مرتبط ارتباطاً وثيقا بالحالة السياسية الصورية التي يمكن للغرب رسمها ووضعها في موضع التنفيذ. تلك السياسة التي تكمن في كيفية قيادة الدول المنتجة للبترول. ففي العقود الماضية من القرن العشرين كان يدار حكمهم إما عن طريق تقوية شوكة ملك؛ أو انقلاب عسكري أو تنشيط أحزاب سياسية وخلق تيارات جديدة. وكانت هذه الأهازيج السياسية المزيحة السابقة؛ تبيح للمخابرات الغربية فرصة اللعب كعنصر له دور كبير في تأجيج الصراعات الداخلية وترجيح كفة حزب أو فرد على أخر. لتنتهي بعدها بنا الحالة العصيبة إلى ما هو عليه الحال ألان. حيث كان يمكن إقالة حكومة وتعيين أخرى بمجرد الإشارة بإصبع بعد أن كانت أجهزة المخابرات الغربية تلوح بعصي.
ولكن من غير الممكن بناء الصورة الحقيقة لما يدور وما دار منذ بداية منتصف القرن الماضي أو اقل منه بقليل إلى يومنا هذا؛ دون معرفة واقع الاحتياطي البترولي العالمي. والذي من خلاله يمكن حل لغز المعادلة الوهمية التي يعيش عناصرها القادة الغربيون وتمتثل إليها شعوب منطقة ما حتى ولو كان دون محض إرادتهم. وبهذا يمكننا دون تردد أن نسأل بعد عرضنا المبسط للحالة النفطية وملابساتها؛ ما هو موقع دول الخليج العربي في نظر هؤلاء وألاعيبهم؟؛ إذا ما عرفنا أن الاحتياطي البترولي العالمي مع بداية عام1950م كان حسب تقديرات الشركات المنتجة للبترول في المنطقة العربية يقدر بحوالي 48 مليار برميل. شغلت إيران منه 13 مليار برميل وبقية دول الخليج العربي بما فيها العراق 35 مليون برميل. في حين كان احتياطي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي حينذاك يشكلان 25.3 و 6.3 مليار برميل على التوالي. وهو ما يعني في تلك الحقبة التي تعتبر بدايات اكتشاف البترول نسبيا أن دول منطقة الخليج العربي ومن ضمنهم إيران كانت يشكل إنتاجها 22.2% من إجمالي الاحتياط العالمي. وهنا تجدر الإشارة بان الشركات البترولية لم تكن بعد قد تحرت عن البترول في الإمارات العربية وسلطنة عمان .
لقد استمرت الاكتشافات البترولية بصورة متزايدة في منطقة الخليج العربي منذ نهاية الستينات؛ بعد عن عجزت الشركات الأمريكية والبريطانية من إيجاد بديل عن النفط الخليجي في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وذلك وفق السياسات المرسومة بعد العدوان الثلاثي على مصر. كما عجزت المؤسسات العلمية من إيجاد بديل عن البترول في توفير الطاقة بسعر مناسب وحيوي؛ واضعين في نظر الاعتبار أن يصل قيمة البرميل كأعلى سقف له مستقبلا بما يضاهي حوالي 200 دولار أمريكي .
وبناءً على تلك الحقائق نشطت الاستكشافات البترولية في المنطقة بصورة غريبة جدا. وساعد عدم الاستقرار السياسي العالمي آنذاك نتيجة للحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وتسارعهما حول السيادة والبقاء؛ على التنقيب عن البترول وإيجاد منافذ سيطرة أكثر. وأصبح البترول واستثماره إبان تلك الفترة؛ الأولوية الأولى لكل دولة كبرى وباتت مسؤولياتها ومهامها تتلخص في كيفية السيطرة على المصادر في بواطن الأرض والتي سيدها النفط. ولعل نتيجة للتسارع حول السيطرة على منابع البترول إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي؛ أصبح لمنطقة الخليج أهمية تختلف عن غيرها إذا ما أعدنا قراءة نشرة الاوابيك لمارس 1988م؛ إذ جاء فيها:
"… كانت منطقة الخليج العربي (ونقصد من ضمنها العراق) لوحدها تشغل في عام 1965م ما نسبته 61% من إجمالي الاحتياط العالمي للبترول". أي بواقع 213.6 مليار برميل من الإجمالي العالمي البالغ 350 مليار برميل نفطي؛ بعد أن تم الإنتاج البترولي في كل من سلطنة عمان والإمارات" .
يبدو أن القفزة النوعية في الاحتياط البترولي العالمي وصراع الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية لإيجاد مناطق نفوذ للسيطرة على العالم وظهور الحرب الباردة بين القوتين الكبريين وولوج عظمتها في الستينيات؛ أدى إلى اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في معرفة المخزون العالمي البترولي ومعرفة العمر التقديري في كل بقعة من العالم. وبهذا الصدد نشطت مجلة (ميد) ومجلة (نفط العالم) البريطانيتين في وضع الدراسات النفطية والبحث في شؤونها ومعرفة الاحتياط العالمي البترولي أول بأول. في حين كان على الجانب الأخر تحرك أمريكي منذ منتصف الستينيات مختلف تماما؛ لا يؤمن بالسياسة والحوار؛ بل هدفه يتضمن كيفية تواجد القوات الأمريكية في المنطقة للمحافظة على أبار البترول. على أية حال مع حلول عام 1990م أصبح احتياط البترول العالمي 959 مليار برميل؛ حصة منطقة الخليج العربي منها 642.53 مليار برميل أي ما يعادل 67% من إجمال الاحتياط البترولي العالمي. وهنا لا بد أن نبين أن حصة العراق وصلت إلى حوالي ما يعادل 13% والكويت 10%. وتشير الدراسات الحالية الصادرة من مجلة (ميد) البريطانية في غضون فبراير 2002م إلى أن الاحتياط العالمي للبترول وصل إلى 1332 مليار برميل يشكل الخليج العربي منها ما يقارب 77% والولايات المتحدة الأمريكية 3% والاتحاد السوفيتي 7%. وللعراق فيها حصة قُدرت بحوالي 17.3% والكويت 12.4%؛ وتوقعت الدراسة أن يكون احتياط العراق العالمي من البترول حوالي 26.2% في غضون عام 2010؛ والكويت ما يقارب 13.1% والسعودية 19% والبحرين 0.8% وقطر 4.4% والإمارات 8.3% وسلطنة عمان 4.7% وإيران 8.4%. وبذلك يكون احتياطي البترول العالمي مع حلول عام 2010م لمنطقة الخليج العربي بواقع 84.9% .
كما أن هناك مصادر أخرى تضاهي أهمية البترول في منطقة الخليج العربي تتصدر دولة قطر السيادة فيه؛ هو احتياط الغاز الطبيعي. حيث سوف يصل مع حلول عام 2010م إلى 45.6% من إجمالي الاحتياط العالمي. ولعل المهم الذي يمكن أن نستنتجه من خلال هذا الكم الهائل من الأرقام العلمية المتعلقة باقتصاديات البترول في منطقة الخليج؛ أن هناك بعض الدول بات احتياطيها البترولي العالمي في ازدياد مضطرد ويمكن حصرها من خلال الدراسات البترولية المهتمة بمثل تلك مواضيع؛ بالعراق والكويت فقط. في حين أن بقية دول المنطقة بدأ احتياطيها البترولي بالهبوط ولو في بعضها قد يبدو طفيفا دون الحقيقة إذن إن الهبوط كنسبة مئوية بمليارات البراميل. وهنا لا بد أن نشير إلى نقطة مهمة تتلخص بأن عموم المنطقة سيشكل بترولها لاحقا عصب الحياة العالمي. بعد أن بات احتياطيها البترولي في ازدياد مستمرا قياسا باحتياطي الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأخرى التي تشير الدلائل أن احتياطيها بدأ بالنزول منذ إنتاج أول برميل بترولي. فاحتياط البترول للولايات المتحدة الأمريكية عالميا قد وصل الى 3% مع اطلالة عام 1990م. ويعتقد انه سوف يبدأ بالنزول 0.3% كل سنة؛ إذ يعني رياضيا انه خلال العشر سنوات القادمة سوف يكون احتياطي الولايات المتحدة الأمريكية ما يقارب 0%؛ بعد أن عجزت الشركات البترولية في البحث عن وجود البترول في المناطق الأمريكية. وهو ما قد يسبب كارثة لها لاعتماد صناعاتها ومدنيتها اعتمادا كليا على البترول الذي قد يهدد نضوبه بانتهائها. وبالتالي فإننا نستنتج أهمية منطقة الخليج العربي وضرورة السيطرة عليها لحماية بقاء تدفق البترول للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها؛ إذا ما علمنا أن العمر التقريبي للبترول فيها قد يصل إلى ما يقارب 300 سنة ميلادية. وهذه حقيقة يمكن استنتاجها من اهتمامهم بالسيطرة على منطقة الخليج وبناء الاحتياط البترولي الاستراتيجي من جانب ووقف إنتاج البترول من الآبار الأمريكية تحت ذريعة أن استخراجه يكلفهم أكثر مما لو استورد من الخليج العربي في السعر الحالي وهو ما لا صحة لها تجاريا على اقل تقدير. وهكذا نرى أن الإستراتيجية العسكرية الأمريكية قد بدأت تأخذ دورا مهما في السيطرة على المنطقة العربية مع إطلالة السنة الأولى من ستينيات القرن العشرين. بعد أن اتضح لها ومنذ كانون الأول 1957م أن زعماء حلف الناتو الأوربيون في اجتماعهم هذا ربما يخرجونهم من الإستراتيجية الدولية رغما. كما أن المشروع الفرنسي الايطالي ضد بريطانية وأمريكا الداعي للسيطرة الأمريكية على حلف الناتو العسكري ما هو إلا دفع جديد للولايات المتحدة الأمريكية للتفكير في أهمية المنطقة وكيفية السيطرة عليها لضمان السيطرة على اقتصاديات العالم. وسوف نرى في الفصل القادم مغزى التطورات العسكرية الأمريكية في هذه المنطقة .
فالحقائق البترولية التي تم وضعها بصورة مختصرة سلفا؛ كانت الولايات المتحدة الأمريكية تترقبها عن كثب وتتخذ حلا لكل خطوة بعد خطوة وتحرص على انجازها بنجاح؛ كي لا تفاجـئ بما لا يحمد عقباه. ولعلها بدأت تفكر مليا مع عام 1965م عندما أقدمت على إنشاء قواعد عسكرية مصغرة لحماية منشأتها النفطية في المملكة العربية السعودية. إلا أن الصورة الجدية في العمل الأمريكي بدأ يأخذ صوره الحقيقة بعد حرب عام 1967م؛ عندما صرح رئيس الوزراء العراقي السابق طاهر يحيى بضرورة استعمال البترول كسلاح. وكان الغرض من هذا التصريح في حينه؛ إيقاف دعم الغرب للعدو الصهيوني وإجباره على الانسحاب من الأراضي المحتلة في هزيمة 1967م. وهو تصريح لاقى إعجاب الساسة العرب حينذاك؛ وأعطاه الرئيس الراحل جمال عبدا لناصر أهمية قصوى. ولكن تنصل بعض دول الخليج العربي من هذه المهمة من جهة؛ وعمل الولايات المتحدة الأمريكية من جهة اخرى على تفتيت هذا المبدأ من خلال تغيير بعض انظمة الحكم بانقلابات عسكرية؛ غَيّر المفهوم من طرح سياسي الى ضرورة لا بد من العمل على احتوائها. ولعل حرب اكتوبر وما انجزه الجيش العربي من انتصار على الجبهات القتالية ولو نسبيا؛ وتصاعد صحيات الشارع العربي بايقاف تدفق البترول العربي وضرورة سيطرة العرب على اسعار البترول سيطرة تامة؛ كان هو الاساس الذي غَيّر الاستراتيجية الغربية نحو منطقة الخليج العربي بصورة مذهلة. اذ عملت الولايات المتحدة الامريكية على تغيير سياستها الاستراتيجية تجاه منطقة الخليج العربي. واصبحت من خطة استتراتيجية لعملية احتواء التصدع وحماية الانظمة؛ الى خطة استراتيجة اكثر خطورة واهمية اذا ما علمنا انها تتلخص في ضرورة بناء الخطوط العسكرية المرنة لحماية البترول وتدفقه. وهذا المفهوم تخلله سياسات اخرى سوف نجيء على شرحها لاحقا.
ولعلنا هنا نرى ان الجانب الاقتصادي قد لعب دورا جبارا في تجنيد السياسة العسكرية الامريكية لصالح السيطرة على البترول في المنطقة. ولا بد من ان يكون للسلاح النووي وتطوره الدور الجبار في اثبات التفوق الامريكي والسيادة الامريكية. مما ادى ذلك الى رسم خطوط ذات اهمية بمستقبل المنطقة ليتم تنفيذها على مراحل دون ترك ايا منها. لتتمكن الولايات المتحدة الامريكية من ديمومة حضارتها وسيطرتها على العالم من خلال استمرار تدفق عصب الحياة الرئيسي. هذه المامة سوف تدخلنا في الفصول القادمة لمعترك كبير ادى الى ضياع بلدننا وثرواتنا لسوء الفهم السياسي الذي يمتلكه من يقود دولنا.
المبحث الثاني / تنفيذ الاستراتيجة الأمريكية لاحتلال الخليج العربي :
لعل من اهم التصريحات التي اعتمدتها السياسة الامريكية الخارجية هي تصريحات الصحفي جاك اندرسون المتخصص بالشؤون الاستخباراتية الشرق الاوسطية بصحيفة الواشنتطن بوست حيث قال :
" ليس هناك صعوبة في الاستيلاء على منابع البترول في الدول العربية وليس هناك حاجة لاستعمال نووياتنا والدخول بشائكة مع الاتحاد السوفيتي؛ فعلى سبيل المثال لاحتلال ابار ليبيا القريبة منا (يقصد القريبة من معسكرات حلف شمال الاطلسي في اوربا) لا نحتاج اكثر من فرقتين من مشاة البحرية" .
استمر اندرسون في ربط الكيان الصهيون باستراتيجية الولايات المتحدة الامريكية بنفس مقاله. حيث اعطى الكيان الصهيوني اهمية ودوراً للاستيلاء على ابار البترول الكويتية. مما جعل مناحيم بيكن رئيس الوزاراء الاسرائيلي انذاك يذكر في مناسبات عديدة ان الجيش الاسرائيلي على استعداد لتلبية ما تأمره الولايات المتحدة الامريكية. واضاف ان كيانه قادر على احتلال ابار البترول دون اشغال الولايات المتحدة الامريكية بنقل قواتها لمنطقة الخليج العربي او الشرق الاوسط عموما. ولعلنا هنا نتوقف عند المقولة التي ادلى بها وزير الدفاع الاسرائيلي اريل شارون في حينها اذ صرح لجريدة يديعوت أحرونوت بقوله:
" لكي ننهي ما يسمى بالقضية الفلسطينية تماما ونسقط اطروحة الضغط النفطي بيد العرب فأن جيشنا الاسرائيلي على استعداد ان يحتل الكويت مرورا بالاردن؛ فالرحلة الى الكويت لا تستغرق اكثر من يويمن. كما يمكنني ان أُكد لكم ان اختيارنا لهذا الطريق هو نابع من معرفتنا الجيدة بأنه ما من قوة يمكنها ان توقف زحف دباباتنا. انني انبه الولايات المتحدة الامريكية لاهمية الموضوع؛ فأن اصبح نفط الكويت بيدنا سوف لن يعود النفط سلاحا بيد العرب وسيصبح النفط عالميا عندما يكون يهوديا" .
التصريح الوارد اعلاه لاريل شارون يبين دون اي تعليق عمق العلاقة بين ما يحدث الان في المنطقة العربية وبين وجوده واعتبار نفسه اساسا ولاعبا رئيسيا لمعاونة الولايات المتحدة الامريكية. فالولايات المتحدة الامريكية يمكنها ان توعز الى الكيان الصهيوني للقيام بالمهمة؛ الا انها استراتيجيا لا تعتمد في تحقيق مصالحها على حلفائها واصدقائها بقدر ما تحاول ان تقودهم هي لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الامريكية لاضفاء الطابع الشرعي الدولي عليها. وهو ما حدث بالفعل منذ بداية العقد الاخير للقرن العشرين وليومنا هذا.
لهذا السبب؛ لم تمر الا اشهر معدودة على التصريحات الامريكية الهادفة لاحتلال منابع البترول؛ حتى تدفقت على المملكة العربية السعودية؛ الوفود الحكومية وممثلو المؤسسات البحثية المهتمة بواقع الشرق الاوسط والخليج العربي. وكانت بعض تلك المؤسسات رسمية وبعضها الاخر استطلاعية قيل ان اهدافها كانت تنصب في دراسة كيفية حماية المملكة العربية السعودية من عدوان محتمل دون ان تحدد هوية العدو. وكلفت الحكومة الامريكية عام 1976م مؤسسة أمريكان انتربرايز بدراسة الاخطار التي تهدد منطقة الخليج العربي والمملكة العربية السعودية" .
وبعد ان عكف الباحثون على دراسة طبيعة المملكة والخليج من النواحي الاجتماعية والاقتصادي؛ ارسلت مؤسسة امريكان انتربرايز اسنتاجاتها الى الادارة الامريكية التي اشعرتهم فيها بالمخاوف التي تراها تهدد امن الخليج اذا لم تتخذ الولايات المتحدة الامريكية موقفا سريعا. وحدد مؤسسة امريكان انتربرايز مخاوفها بالاحتمالات الاتية :
. يتواجد في منطقة الخليج العربي نتيجة للنهضة الاقتصادية اعداد كبيرة من العرب المثقفين والمتفتحة افكارهم نحو الديمقراطية ومحاربة الاستعمار. وهو ما يخيف تأثيرهم على ابناء المجتمع الخليجي بصورة واخرى؛ و ما سوف يعيد حالة عبدالناصر واثره في المنطقة في العقدين المنصرمين. لذا ارتأت مؤسسة امريكانا انتربرايز ضرورة استعمال الضغط العسكري بصورة سريعة لغرض ابدال هؤلاء العرب باجانب من الدول الاسيوية. وبالتالي سوف نمنع ظهور العرب ومؤثراتهم على ابناء الخليج كقوة حقيقة ضد الغرب في الشارع الخليجي .
2. لقد تزايدت قوة الشاه بصورة ملفتة للنظر وصارت تهديداته تخيف دول المنطقة وعليه لا بد من العمل على عدم اعطائه فرصة لابتلاع تلك الدول وخاصة الصغيرة منها. وارتأت مؤسسة امريكان انتربرايز بشدة ضرورة تغيير الشاه مع نهاية العقد كي لا يؤثر على تلك الدول ويربطها بمواثيق واحلاف لا يمكن للغرب ان يقاومها .
3. تعتبر اليمن منطقة قد تسبب مشاكل مستقبلية للعربية السعودية؛ وبالتالي فيستوجب عدم اعطائها فرصة لبناء هيكلها الداخلي والعيش باستقرار. وعلى الولايات المتحدة الامريكية مراعاة شيئين مهمين في ذلك؛ الاول اشغال اليمن بحروب والثاني عدم اعطائها فرصة لاستعادة منطقة عسير الغنية بالبترول. كي لا تتمتع باستقرار اقتصادي واجتماعي بما يؤثر سلبا على العربية السعودية .
4. على الرغم من تمتع الولايات المتحدة الامريكية بعلاقة جيدة مع النظام العراقي الحاكم؛ الا اننا لا يمكن ان نضمن الشارع العراقي. وبالتالي فالعراق يشكل خطرا اساسيا في منطقة الخليج العربي لا يمكن تجاوزه ابدا. فلذا من الضروري العمل على ابطاء التطور فيه من كافة النواحي وخاصة التعليمية .
يبدو ان الادارة الامريكية كانت قد راجعت دراسة مؤسسة امريكان انتربرايز بصورة دقيقة واخذت بالاستنتاجات وكيفية معالجة الامور الخطيرة التي توقعتها والمذكورة سلفا. اذ على اثرها اقدم الرئيس الامريكي فورد على تطوير القاعدة الامريكية في دييغو غارسيا الواقعة في المحيط الهندي. اعقبها وضع برنامج لانشاء قواعد امريكية على غرارها تكون ثابتة في المحيط الهندي وضمن مدى 48 ساعة كحد ادنى للوصول الى ابعد نقطة في مياه الخليج العربي. ولعل الرئيس الامريكي المنتخب جيمي كارتر الذي تسلم ادارته عام 1977م لم يغفل مشاريع فورد التي لم تتجاوز فترتها الثلاث سنوات. فقد كانت اهم مهام كارتر هي اعادة لملمة الدراسات التي قدمتها الوفود والمؤسسات حول العربية السعودية ودول منطقة الخليج العربي. وعمل من خلالها على تطوير مشروع فورد الخاص بضرورة تطوير القواعد العسكرية الامريكية القريبة من المنطقة الغنية في البترول؛ الغرض منها التدخل السريع في اي عملية تراها الولايات المتحدة الامريكية ضرورية لحماية مصالحها.
لقد كان كارتر اكثر واقعية ممن سبقه في اتخاذ القرار؛ لذا لم تمر اشهر قليلة على ادارته للولايات المتحدة الامريكية حتى قرر تشكيل ما يسمى قوة التدخل السريع. وقد جاء في قرار تشكيلها
"…. وهي قوة عسكرية الغرض من تشكيلها؛ استخدام تلك القوات كمظلة امنية فوق الخليج العربي" ..
ولكن قرار التشكيل المعلن في اذار/مارس عام 1977م لم يكن كافيا للتطبيق دون اعداد دراسة بذلك؛ وعليه فقد كلفت ادارة كارتر مباشرة بعد صدور قرار تشكيل قوة التدخل السريع؛ مؤسسة راندا الامريكية بوضع دراسة خاصة تتضمن كيفية معالجة الثورات المضادة في الخليج العربي. ويبدو من قرار التكليف ان هناك اعتبارات مستقبلية عديدة لدى الادارة الامريكية؛ قد تكون اهمها العمل على تقوية شوكة العدو الصهيوني وبالتالي لا بد ان تكون هناك اساليب لردع الشارع العربي من النهوض كما كان في العقدين السابقين. وقد نجحت نوعا ما في تحقيق ذلك خصوصا عند غياب عبدالناصر عن الساحة حسبما صرح كارتر بنفسه لصحيفة الواشنطن بوست في خريف عام 1977م حين قال :
" تبدو مهمتنا اسهل للسيطرة على الشارع العربي الان؛ لان غياب عبدالناصر يسهل علينا العمل على انقسامه ليس لنصفين بل الى انصاف عديدة" .
على اية حال؛ فقد عكف غي بوكر بعد تكليف مؤسسة راندا على وضع تلك الدراسة ضمن ما يسمى حلول السيطرة على الثورات المضادة لمنطقة الخليج العربي. وقد انتهى من اتمامها في نوفمبر عام 1977م وكانت ذات اهمية خاصة لكارتر على وجه الخصوص والادارة الامريكية عموما. اذ تطرقت الى الترتيبات العسكرية التي من الضروري اتباعها فورا وتعزيز القطعات الامريكية في القواعد القريبة من الخليج العربي؛ وذلك لاحتمال وقوع ازمة في النظام العالمي الجديد مع مطلع الثمانينيات. الا ان الغريب في الموضوع لم تبين دراسة بوكر ماهية الاسباب التي سوف تؤدي الى حدوث ازمة عند مطلع الثمانينيات ويبدو لي انها معلومات استخباراتية وخطط مخابراتية اكثر من ان تكون استنتاجات بحث اكاديمي. لان الاحداث تؤكد ضلوع الولايات المتحدة الامريكية في تغيير اي نظام عالمي جديد. ويبدو لي ايضا انهم قد نوهوا عن ماهية اتخاذ التدابير الموجبة اذا ما ارادوا رسم خريطة العالم الجديد. فجاءت نتائجه وفق ما كانت توده ادارة الرئيس الامريكي جيمي كارتر.
لقد باتت توجهات الادارة الامريكية الجديدة بقيادة كارتر اكثر وضوحا بعد ما صرح وزير دفاعه انذاك هارولد براون في الثاني من كانون الثاني عام 1978م؛ حين قال .
“ان على رؤساء الاركان في القوات المسلحة الامريكية الاستعداد لخوض اكثر من حرب في الخليج العربي وحرب في اوربا .
اي ان الولايات المتحدة الامريكية كانت تخطط وتنوي القيام باكثر من حرب في الخليج العربي وحرب في اوربا. واتوقع ان حرب اوربا كان المقصود منها حرب البوسنة؛ والتي شاركت فيها قوات التدخل السريع بكثافة متناهية؛ بعد ان نجح ادائها في حرب الخليج الثانية.
لقد صاحب هذا العقد الكثير من الاحداث التي جعلت من الولايات المتحدة الامريكية لا تغمض لها عين؛ ولعل اهم تلك الاحداث هي اما القريبة من المنطقة العربية او في عمقها ولعلنا ندرج هنا اهمها:
1. نجاح الثورة الشعبية في اثيوبيا عام 1974م واعلانها قيام علاقات تحالفية مع الاتحاد السوفيتي. واثيوبيا تعتبر منطقة حساسة لقربها من محيط مصالح الولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط .
2. ظهور جبهة الصمود والتحدي التي ضمت كل من سوريا واليمن (الديمقراطية) وليبيا والجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية. مما عزز عقد مؤتمر للشعب العربي ضم معظم الاحزاب والتنظيمات الوطنية واليسارية والقومية للوقوف بوجه كامب ديفيد .
3. الانقلاب الشيوعي في افغانسنان في ابريل عام 1978م وارسال قوات عسكرية سوفيتية لحماية الانقلاب الافغاني .
4. الثورة الايرانية عام 1979م وظهورها في منطقة متقاربة مع تواجد الاتحاد السوفيتي من جهة وقربها من منطقة حوض الخليج العربي من جهة اخرى. والتي بما لا يقبل الشك سوف تؤدي الى تغيرات حساسة في المنطقة لا يمكن حساب عواقبها اذا لم يخطط لتقويضها وتوجيهها نحو هدف غير الهدف الذي انبثقت من اجله .
كل هذه الاحداث وغيرها خارج منطقة المنطقة العربية عجلت من اتخاذ الولايات المتحدة الامريكية الوسائل اللازمة لمنع انتشار التغيرات من جهة ومنع تغلغل الاتحاد السوفيتي من جهة اخرى. وبالاستناد الى تلك الاحداث سوف يتطرق البحث في عقد الثمانينات تغيرات الملحوظة للسياسة الخارجية الامريكية بما يتناسب وخوفها على حفظ مصالحها في المنطقة.
مع كل هذه التغيرات لا بد ان نشير الى المنطقة العربية والخليجية بالذات هي الخاسر الاوحد والمستهدف من قبل الغرب والشرق. ولعل الصراع على تلك البقعة قد جعل من شعوب هذه المنطقة تدفع ثمن ذلك. لا لشيئ سوى لتعزيز التحليلات التي ادرجها الباحثون الغربيون لحماية المصالح الامريكية والتي اهمها احداث حروب ومشاغبات لاعطائهم ذريعة التدخل في شؤون المنطقة واحتلالها تدريجيا دون اللجوء لمواجهة حربية كبيرة.
المبحث الثالث / مراحل التواجد العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي :
لم يكن قرار تعزيز قوات الانتشار السريع بادرة جديدة للتواجد العسكري الامريكي في منطقة الشرق الاوسط وبالتحديد الخليج العربي؛ فالقوات الامريكية موجودة فعلا منذ منتصف الستينات على الاراضي السعودية ولكن بقوات رمزية او ائتلافية مع القوات العسكرية السعودية. ولكن مع بداية عام 1970م شهدت المناطق السعودية انفاقا عسكريا كبيرا قدر بحوالي 44 مليار لعقدٍ من الزمان .
يبدو ان سبب الانتشار العسكري الامريكي في العربية السعودية كان يعود لتصريح رئيس الوزراء العراقي طاهر يحيى ابان هزيمة عام 1967م المنكرة؛ التي اصر فيها على استعمال البترول كسلاح. فلذا اتخذت الولايات المتحدة الامريكية التدابير اللازمة لذلك خوفا من تطور الاحداث خصوصا وان التوتر العربي – الصهيوني مازال شاخصا والحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي المنهار في اعلى مراحلها.
كان الهدف من العلاقات العسكرية الامريكية – السعودية هو بناء قواعد ومطارات عسكرية عديدة تكون مشتركة ما بين الولايات المتحدة الامريكية والمملكة العربية السعودية. ولكن حين تم الانتهاء من بناء تلك المشاريع في غضون صيف عام 1977م شغلتها القوات الامريكية بالكامل. ويبدو ان الترتيبات العسكرية الامريكية قد سارت على عجل وبتركيز بعد اعلان الدعم المالي لقوات الانتشار السريع؛ وبعد استكمال الترتيبات البسيطة للقرار سعت الولايات المتحدة الامريكية الى ايجاد قواعد في المنطقة لاستيعاب هذا الكم الهائل من الجيش الكبير برجاله ومعداته. وبالفعل فقد اجبرت الادارة الامريكية ثلاث دول في المنطقة على توقيع عقود عسكرية؛ وقد لعب الرئيس المصري انور السادات في حينها دوراً كبيراً في ذلك. اذ اعطى القوات الامريكية منذ تأسيس قوات الانتشار السريع كافة التسهيلات داخل الاراضي المصرية. ووضع قاعدة قنا الجوية قرب الاقصر تحت تصرفهم بالكامل. ولهذه القاعدة ميزة استراتيجية مهمة لم يكن حتى الامريكان يعرفونها لولا ابلاغ السادات لهم بمزاياها؛ وهو ما نبه اليه كيسنجر حين قال في مذكراته(10-السياسةالامريكية) :
" لم اكن افهم غباء السادات الا حين طرد الخبراء السوفيت من مصر دون مقابل قد يطلب من الولايات المتحدة الامريكية؛ وحين وهب لنا قاعدة قنا الجوية عرفت ان العرب في طورهم للانهيار وقبول اسرائيل كدولة بينهم دون اعتراض. فمازلت اقول انها مسألة وقت لا غير فلننتظر ونرى سقوط البلدان العربية راكعة تحت ارجل اسرائيل" .
من خلال السيطرة على تلك القاعدة الجوية المهمة اصبح الامريكيون يراقبون الخليج العربي والشرق الاوسط بطائراتهم والرجوع الى القاعدة دون الحاجة للتزود بالوقود. وهذه مهمة بالنسبة الى اية استراتيجية عسكرية؛ حتى ولو كانت اسلحة الجيش وتجهيزاته متقدمة. لكون مواقع القيادة لادارة اية معركة اذا كانت قريبة ومحصنه تؤدي نتائج جمة. خصوصا في ايصال اللوازم اللوجستية؛ وهو ما تتصف به قاعدة قنا وتم تجربتها في المناورات بصورة حققت نجاحا ملموسا بنسبة عالية.
لم يكن انور السادات قد منح قاعدة قنا للولايات المتحدة الامريكية فقط؛ بل اعطى قوات الانتشار السريع الامريكية هبة اخرى مهمة ايضا وهي قاعدة رأس بناس الحربية التي استعملتها القوات الحربية الامريكية بكثافة في حروب الخليج لحماية اسرائيل من خلال استعمالها لطائرات الاواكس .
وباعتقادنا ان ما اقدم عليه الرئيس انور السادات من عمل لا يمكن وضعه في اية خانة سياسية؛ الا كونه اراد ان يلعب دور شاه ايران لا غير. وليحافظ على بقائه؛ فلذا ما قدمه لاسرائيل من لقمة سائغة نعاني منها اليوم وسوف نبقى نعاني منها طويلا كانت ضمن مفهومه الضيق الذي اراد به ان يكون في المنطقة حليفا اوحدا للولايات المتحدة الامريكية بعد اسرئيل بالطبع. فالرئيس السادات حاول تعميق صلاته العسكرية بلولايات المتحدة الامريكية مع بوادر بدأ الاضطرابات في ايران الشاه؛ فاصدر على حين غفلة قرار يسمح فيه للقوات الامريكية استعمال اي مطار عسكري ترغب فيه. وعليه فان بدايات التواجد الامريكي والتسهيلات الممنوحة في المنطقة العربية كانت على يد انور السادات؛ اذ مع تلك الفترة ايضا وفي صيف عام 1979م بالتحديد بدأت القطعات الامريكية البحرية تصل منطقة الخليج العربي بعد ان امنت حمايتها جويا من المطارات الحربية المصرية. فوصل ما يقرب 19 قطعة بحرية تمركزت في باديء الامر في موانيء بعض الدول الخليجية المتعاقد معها توا. ولكن حين دخل السوفيت افغانستان كان للولايات المتحدة الامريكية مبررا شديدا لتعزيز قواتها بالمنطقة؛ فلذا فقد شهدت منطقة الشرق الاوسط عامة والخليج العربية خاصة دخول اول اعداد للقوات البحرية البرمائية الامريكية اذ كان تعدادهم حينذاك 1800 عسكري مقاتل مع 19 طائرة مقاتلة من نوع فانتوم اربعة و123 دبابة .
عندما إعتلى ريجن سدة الحكم في الولايات المتحدة الامريكية اتبع نفس مبدأ الذين سبقوه؛ والمتضمن ضرورة تعزيز التواجد الامريكي في منطقة الخليج العربي والتلويح بالقوة النووية للسيطرة على منابع البترول. وبمجرد ان باشر مهامه بدأ العمل بجدية لاتمام مشروع قوات الانتشار السريع وتواجدهم في منطقة الخليج حتى وصلت عملية الانفاق الكلية على هذا الجيش خلال فترته الرئاسية ما يقارب 185 مليار دولار. تم خلاله بناء حاملتي طائرات هجومية و14 غواصة و143 سفينة و900 طائرة مقاتلة و208 طائرة عمودية الحقت جميعها بالقيادة المركزية لقوات الانتشار السريع التي تضاعفت قوتها من ثلاث فرق الى خمس فرق. وقد تم خلال مدة وجيزة التدريب على كيفية نشر 180 الف عسكري بكامل تجهيزاتهم القتالية وامداداتهم العسكرية في خلال 21 يوم في اي معركة قد تكون مفاجئة في منطقة الخليج العربي .
عملية التدريب والانتشار السريع هذه لم تكن بتلك المصادفة التي نتوقعها؛ فوزير الدفاع الامريكي في حكومة ريجان مثلا قد مهد لفضح الامر وبيان حقائق مهمة عندما قال مصرحا بمؤتمر صحفي:
" لا بد ان نسدل جزيل الشكر لصديقنا انور السادات الذي اشار علينا بضرورة تدريب قواتنا على القتال الصحراوي في صحراء مصر" .
من خلال هذا التصريح وبالمقارنة مع الاحداث التي تزامنت معه نرى انه ومنذ عام 1980م شهدت مصر تواجد امريكي للتدريب ومن ثم مناورات سنوية تحت ما يسمى بمناورات النجم الساطع. وكانت مصر خلال تلك المناورات والتدريبات تقدم كل الدعم اللوجستي للقوات الامريكية المتدربة؛ حتى ان ريجان قال ما معناه سوف نستغني عن قواعدنا في المحيط الهندي ما دمنا في وسط العرب. ويعني بذلك اننا دخلنا في عمقهم دون ان يشعرون ودون اي مقابل تجاه الخدمات التي تسديها حكومة مصر لهم.
يبدو ان قناعة ريجان في ديمومة العلاقة مع مصر واستمرار المعاهدة مع الكيان الصهيوني شجعت ريجان في التحرش بالاتحاد السوفيتي دون ان يأبه من امتلاك الاخير للسلاح النووي. والواقع كان ريجان او ادارته قد اختارت الوقت المناسب للتصريح على ادق تعبير؛ خصوصا بعد ان بدا الاتحاد السوفيتي يضعف سياسيا في الداخل وتستشري الازمة الاقتصادية فيه. فمع هذا الضعف وقف ريجان متحديا وهاجما على الاتحاد السوفيتي بوصفه اكبر شرير في العالم وقائلا في التاسع من مارس عام 1981م :
" لا نخدع انفسنا مطلقا؛ فالاتحاد السوفيتي هو السبب الرئيسي لكل اضطراب في هذا العالم؛ ولو لم يكن السوفيت متورطين في لعبة الدمينو هذه ( ويقصد افغانستان) لما كانت هناك نقاط ساخنة في العالم" .
ان تصريح ريجان بصورة واخرى كان دعما لتصريح وزير خارجيته انذاك الكسندر هيغ الذي صرح للصحفيين بتاريخ 28 كانون الثاني عام 1981م بقوله :
" ليعلم الجميع ان الارهاب الدولي سيحل محل اهتماماتنا في حقوق الانسان الذي كنا نتحدث عنه في الثمانين سنة السابقة" .
تكمن أهمية هذا التصريح في أن الولايات المتحدة الامريكية منذ ذلك الوقت كانت تعد العدة للترويج ونشر ما يسمى بالارهاب الدولي وتبحث في كيفية تصديره دوليا. خصوصا اذا ما اعرفنا ان وزير الخارجية الامريكي الذي حدد الملامح المستقبلية للسياسة الامريكية من خلال هذا التصريح من المسيحيين المتصهينين والداعين لسيادة اسرائيل على العالم وقد تمكن من الصعود سياسيا في عهد ريكان الابلد. ويبدو من هذا التصريح ان الولايات المتحدة الامريكية منذ ذلك الوقت تمكنت من رسم صورة لقمع قوة التحرر ونبذ الاستبداد والداعين الى الحرية والسلام بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بتشبيههم بالارهابيين ودعم الارهاب الدولي. وهذا التصريح الذي جاء على لسان وزير الخارجية الامريكي لا يقل هدفا او شناعة مما ورد على لسان وزير الدفاع الامريكي في 16 مارس 1981م لمجلة التايمز اذ قال :
" ان الاضطرابات الدولية في العالم الثالث بلا شك تهدد وبخطورة قصوى امن الولايات المتحدة الامريكية وهذه في الواقع لا تقل خطرا عن تهديدات الاتحاد السوفيتي. فحالات الخروج على القانون التي سنته الولايات المتحدة الامريكية لتلك الدول متزايدة في العالم الثالث. وهو ما يهدد منافذ الولايات المتحدة الامريكية الاستراتيجية في السنوات المقبلة" .
ولعل مفهوم الارهاب وكيفية فلسفته كان اكثر عمقا في تصريح رئيس الاركان الامريكي الجنرال ديفيد جونز عندما قدم ميزانيته امام الكزنكرس الامريكي. وقبل ان نخوض غمار تصريحه لا بد ان نعرف انه ايضا من المتشددين المسيحين المتصهينين الذين وصلوا دفة الحكم مع ريجان؛ اذ قال عند تقديمه عرضا للميزانية العسكرية الامريكية في3 كانون الثاني 1981 :
" ليعلم الكونكرس باعضائه المحترمين ان كل مناطق العالم تعتبر مناطق حيوية بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية. فنحن الان نعيش في عصر يمكن لاي انقلاب عسكري اوا اضراب كبير او هجوم ارهابي او حرب بعيدة ان تؤدي الى نتائج عالمية تؤثر على ازدهار الولايات المتحدة الامريكية وامنها. وبالتالي حتى السلاح النووي الذي ننفرد بقوته الجبارة مع امتلاك البعض له لم يكن فعالا" .
ما جاء على لسان الجنرال ديفيد لم يكن محظ صدفة بل هو تأسيس فكري لشبح الارهاب الذي استعملته الولايات المتحدة الامريكية في السنوات العشر الاخيرة. وكأن الولايات المتحدة الامريكية بذلك كانت تتوقع انهيار الاتحاد السوفيتي ولا بد من تأسيس فكري لمن سوف يكون مرشحا بدلا من الحرب الباردة. ويبدو انها نجحت في استغفال العالم من جهة؛ و من جهة اخرى عملت على ايجاد الارضية المناسبة لذلك؛ فجندت مليشيات اسلامية كثيرة لتحارب بها الاتحاد السوفيتي في افغانستان. وكنت تنوي في بطانة فكرها اعتبار تلك المليشيات بؤرة لما يسمى بشبح الارهاب حين تريد التعامل مع هذا المبدأ. فعلى سبيل المثال وفي نفس الفترة شارك وزير الدفاع الامريكي واين ببرغر بالتعبير عن الارهاب ولو بصورة غير واضحة من خلال لقاء في مجلة نيويورك تايمز حين قال :
"يجب على الولايات المتحدة الامريكية ان تكون مستعدة تماما للاشتراك باي حرب وبأي حجم وباي شكل وفي اي منطقة تعتقد الولايات المتحدة الامريكية بأن لها مصالح حيوية فيها" .
اي ان القصد من ذلك ان الولايات المتحدة الامريكية معرضة لان تدخل حربا مستقبلية طويلة الامد مثل الحرب الباردة؛ ولكن بأسلوب وتكتيك يختلف عن الحرب الباردة. فهي كانت تطمح ان تكون هناك حرب مستمرة لتبقى ضمن مفهوم القوة التي يمكنها ان تتصدى في اي موقع اذ ما تهددت المصالح الامريكية. وهو بالفعل ما حدث بعد حين من الزمن وبنفس الفلسفة التي اردات لها الولايات المتحدة الامريكية ان يروج لها كي تعتبر عدوا اساسيا يأخذ موقع الصراع بدلا من الاتحاد السوفيتي بعد انهياره.
لقد تبنت ادارة ريجان كل ما خطط له كارتر في عملية انشاء وتجهيز قوات الانتشار السريع وهو ما يؤكد ان سياسات تلك الدول لا يمكن ان يغيرها اشخاص حتى ولو كانوا رؤسائها؛ بل ان هناك خط استراتيجي عام لا بد اتباعه. فلذا اعتبرت ادارة ريكان مباديء كارتر اسسا مهما للمحافظة على الخليج العربي ومنابع البترول فيه. ولعل اولى هذه الاهتمامات منح ادارة ريجان 185 مليار دولار اضافية لميزانية وزارة الدفاع التي خصصها كارتر لمدة خمس سنوات اعتبارا من نوفمبر 1981 ولغاية نوفمبر 1986. وبذلك اصبحت الميزانية المعلنة 1385 مليار دولار .
هذه الزيادة في مخصصات وزارة الدفاع جعلت سلاح القوة البحرية يتمتع بحصة الاسد منها؛ ويبدو ان ذلك يعود للمهمة القادمة لهذا السلاح وكيفية تجهيزه للتحرك اينما تر






