مصطفى هطي
تشهد الساحة الاعلامية المغربية في الوقت الراهن تناسل كتابات وتحليلات من قبل من يعتبرون أنفسهم حداثيون يناضلون ضد ما يعتبرونه عودة الى الوراء في الحريات وتنزيلا غير ديمقراطي للدستور. ويدعي اصحاب هذه الكتابات أنهم يقاربون القضايا الفكرية والاجتماعية والثقافية والحقوقية بمنهج حداثي علمي لمعالجة التحديات التي تواجه المجتمع المغربي وفي مقدمتها برأيهم الحريات والحقوق الفردية مثل حرية التصرف في الجسد ولباس المرأة والعلاقات الجنسية الرضائية وأكل رمضان علانية وحقوق اللوطيين…وهلم جرا . غير أن التأمل في جوهر هذا المنهج المعتمد عند هؤلاء يجعنا نكتشف انه يفتقد إلى الشمول والإحاطة ويقترب اكثر الى الانطباعية والهوى والايدولوجيا لأنه يرتكز على التفسير المادي الصرف والذي ضاق مجاله عند هؤلاء وأصبح متمركزا حول الجسد وخصوصا جسد المرأة. منهج يستند الى دياكرونية تعاقبية ترى ان الحداثة تسير في خط تصاعدي تطوري لا يعرف التراجع فيصبح عند هؤلاء كل فكرة أو سلوك قديم زمنيا يعتبر تخلفا ورجعية وأي فكرة أو سلوك حديث زمنيا فهو حداثة , فحجاب المرأة مثلا عندهم هو تخلف لأنه يعود الى اربعة عشر قرنا على مجيء الاسلام بينما التبرج والسفور هو عين الحداثة والتقدم لأنه ارتبط بالحداثة الغربية في القرون الخمسة الاخيرة!! إن الاشتغال بهذا المنهج الذي يربط الافكار بالتعاقب الزمني هو ما يجعل أدعياء الحداثة من العلمانيين ينظرون إلى المنظومة الاسلامية بما فيها القرآن والسنة انها مرجعية قديمة يجب ان تخضع وتذوب في المرجعية (الكونية) الحديثة لأن الاسلام بمنظار الحداثة المادية يعود تاريخيا الى مرحلة نزول الوحي منذ ازيد من اربعة عشر قرنا , وبالمقابل فإن المواثيق الدولية ونظرية الحقوق الجديدة وتفاصيلها من حقوق فردية وحرية جنس وحقوق للشواذ والإفطار علنا في رمضان وغيرها من التفاصيل الهدامة للنسيج الاجتماعي والأمن الاخلاقي النفسي كلها – برأيهم – حداثة وتقدم لأنها أقرب إلينا زمنيا كونها تتأسس على الحداثة الغربية التي انطلقت منذ حوالي خمسة قرون مع المفكرين والفلاسفة الغربيين. والحاصل أنه ليس صحيحا في مجال الفكر ان كل قديم زمنيا لا نفع فيه وان كل حديث زمنيا لا ضرر فيه كما يؤكد الفيلسوف طه عبد الرحمان. فالقديم بمنطق الزمن المادي يمكن ان يكون حديثا بمنطق الحداثة المعنوية يفتح آفاقا وإمكانات كبيرة ما يجعل فائدته تمتد على بعد الأزمان . وهذا واضح بجلاء في القران الكريم الصالح لكل زمان ومكان وفي السنة النبوية وفي اعمال الصحابة والعلماء الخالدة حيث تبقى افكار العالم حية بل انها مصدر رحمة له بعد موته لأنها تجعل عمله متواصلا يرجع اليه إذا وقع ارتكاس في القيم او السلوكات البشرية كما يحصل اليوم عند ادعياء الحداثة. وبالضد فإن الرؤيا بمنظار الحداثة المادية قد تقل امكاناته وتضيق آفاقه مما يجعله بمنطق الحداثة المعنوية قديما لا صلة له بالعصرنة والتقدم نظير ما يقع الآن من تدليس وتعويم وعناد لما ثبتت صحته ونفعه للمجتمع كالحرية والحقوق المنضبطين المنظمين وفق سنة الله في الكون وفي إطار الادوار المتكاملة مثلا بين الرجل والمرأة والطفل. فعند اصحاب الحداثة المادية المعتمدة على المنهج التعاقبي المقيد بسقف زمن الحداثة الغربية الحديث مقارنة مع زمن الاسلام , فإن تبرج المرأة والحرية في ممارسة الجنس بين الرجل والمرأة تراضيا خارج إطار الزواج مثلا يعتبر تقدما بينما إلزام الرجل والمرأة بالعقد الشرعي أولا قبل العملية الجنسية يعتبر عند هؤلاء تخلفا لأنه قديم يعود الى زمن مجيء الاسلام وبالتالي فهو تحكم ووصاية على المرأة في علاقتها بجسدها!! هذا التقييد الزمني لثنائية الحديث المتقدم مقابل القديم المتخلف في مجال الافكار والقيم وبسقف تاريخ النهضة الاوربية التي انتهت إلى الحداثة العولمية فيما بعد باعتبارها حضارة حديثة زمنيا عن الاسلام هو ما يجعل ادعياء الحداثة ينظرون مثلا إلى فعلي خروج المرأة شبه عارية وإلى التحرر الجنسي – كما سلف – تقدما. ولو تحرر هؤلاء من سقف تاريخ النهضة الأوربية لكتشفوا أن هذين الفعلين هما عين التخلف لأن ذلك يعتبر ارتكاسا ورجوعا الى المرحلة البدائية حيث العري والمشاعة الجنسية بدون حدود ولا محارم. إن اندماغ ذهن أدعياء الحداثة من العلمانيين بهذا الفهم المغلوط لمفهومي الحديث والقديم هو ما يجعلهم غير قادرين على استيعاب موقف الداعين الى اعتبار القران والسنة وما تفرع عنهما من اجتهادات في كل تفاصيل الحياة حقيقة تاريخية لكنها افكار ومبادئ وقيم حديثة بمنظار الحداثة المعنوية التي تنظر إلى كل هذه العناصر من حيث مضمونها وأهميتها وتأثيرها الإيجابي على للمجتمع الانساني بغض النظر عن زمنها الذي تبلورت فيه والذي يفوق زمن الحداثة المادية الغربية. وقد نتج عن هذا الإندماغ الذهني بالحداثة المادية تشكل صورة ـ حاجز يجعل ادعياء الحداثة يرفضون كل فكرة أو منهج تشتم منه رائحة المرجعية الاسلامية مهما كان المنهج متماسكا يسبر أغوار الحضارات ويقارب مختلف القضايا بعلمية فائقة ليقدم حلولا عملية للمشكلات الانسانية مثل الأزمة الاقتصادية وقضايا الزنا وثقافة الاستهلاك وجرائم العنف المجتمعي وهي المشكلات الناتجة عن التخبط في أوحال الحداثة الغربية المبنية راهنا على نظرية الاقليات ونظرية الحقوق الجديدة والمساواة المثلية التي تنظر إلى حقوق الانسان باعتبارها مطلقة تصادمية تؤدي إلى صدام حقوق الفرد مع حقوق المجتمع وحقوق المرأة مع حقوق الرجل وحقوق الأب والأم مع حقوق الطفل وهلم جرا. وهذا الفهم المغلوط هو الذي انتج لنا جمعيات حقوقية ومثقفين وكتاب يساوون بين الحقوق الطبيعية مثل الحق في التعلم والعيش الكريم مثلا من جهة وبين حقوق وحريات اللوطيين والتصرف في الجسد وأكل رمضان علانية ولباس المرأة شبه العاري مثلا والتي تؤثر على المجال الاجتماعي المشترك مما يجعلها مسا بحرية المجتمع . إن الفرق شاسع بين الحداثة المادية التي يتبناها العلمانيون والحداثة المعنوية التي يتبناها المسلمون, ففي الوقت الذي تركز فيه الاولى على كل ما هو ملموس فقط وكل ما له صلة بالجسد لدرجة انهم يعتبرون الجسد هو مركز الحضارة معتمدين التطور التاريخي المطرد كمعيار للتمييز بين الحديث والقديم , فإن الثانية – أي الحداثة المعنوية – تخلق التوازن بين ما هو مادي وما هو معنوي في إطار التكامل وتنظر إلى الأفكار والقيم من حيث جوهرها ونفعها للمجتمع وليس لتعاقبها الزمني الصرف. وهذا ما يجعل الحداثة المعنوية عابرة للزمان والمكان لأنها تحمل قوتها في ذاتها. فكم من فكرة حديثة زمنيا رجعية عمليا لأنها هدامة للبناء الاجتماعي وكم من فكرة قديمة زمنيا لكنها حديثة جوهرا لأنها تبني المجتمع وتحل اشكالاته المعقدة







