الدكتور عباس الجراري
بسم الله الرحمن الرحيم
مـقـدمـة
أود في مستهل هذا العرض، أن أعرب لأكاديمية المملكة المغربية عن خالص تهنئتي لها، إذ تعقد ندوة علمية لتدارس موضوع هام، هو: " دور العادات و التقاليد في بناء الشخصية المغربية ". وإن أهميته لتبرز من خلال ربط العادات والتقاليد التي هي جزء غني من التراث، بالشخصية المغربية التي هي مناط الذات والهويّة.
إلا أني في الوقت نفسه، لا أخفي صعوبة تناول الموضوع المقترح عليَّ، والمتعلق ببحث " الحضور الديني في العادات والتقاليد المغربية ". ومصدر هذه الصعوبة كامن ليس فقط فيما قد يعترض الدارس لهذا النمط من التراث، بسبب شموليته وتعدد مظاهره وتنوع ظواهره واختلاف أشكاله واتساع بيئاته، ولكن كذلك بما يتعرض له من تطوير وتغيير، نتيجة التحولات التي يعرفها المجتمع.
وتزيد هذه الصعوبة حين يراد الكشف عن الحضور الديني في تلكم العادات والتقاليد. وهو حضور قد يبدو لأول وهلة أنه واضح الملامح بارز السمات، إلا أنه عند تعميق النظر فيه للكشف عن هذه الملامح والسمات، والرجوع بها إلى أصولها ومحاولة تحليلها، لا يلبث أن يظهر قضايا خفية ومعقدة، معزوة إلى ما عرفه المجتمع – كأي مجتمع غني في تاريخه وحضارته – من معايشة لكثير من المعتقدات القديمة التي اجتاز مراحل وجودها وتشرب مبادئها، وكان له بها تأثر ترك بصمات كثيرة أو قليلة في تراثه.
مفهوم العادات و التقاليد وتجلياتها
ولعل أول ما ينبغي البدء به في تناول الموضوع المقترح، هو توضيح العنصرين الأساسيين فيه، وهما:
أولاً: العادات و التقاليد
ثانياً: الحضور الديني
أما العادات، فهي التي اعتاد الناس عليها وكرروا ممارستها، إلى حد أصبحت تقاليد يتبعونها، ويتداولونها جيلاً إثر جيل بعفوية وتلقائية، في استسلام لا واعٍ في الغالب لما توحي به أو تدعو إليه من قول أو فعل ؛ إذ تكون امتزجت بوجدانهم، وخالطت حياتهم، وتحكمت بذلك فيما يصدر عنهم من فكر وسلوك.
وإنها لتتجلى في كل المناسبات التي تصاحب أطوار الإنسان، وفي جميع مظاهره الحيوية ومعاملاته، وكذا في علاقته بالأرض وما فيها من كائنات حيوانية ونباتية ؛ بل تتعداها إلى النظر إلى السماء وكواكبها، وإلى ما وراء الطبيعة، وما هو خارج عن نطاق فهمه وإدراكه. ومع ذلك فهو يتغلب على ما يكتنفها من غموض، بما يكتسبه من منظور الدين لها، ولكن كذلك بما يكون مترسباً في ذهنه من معتقدات وطقوس وتأثيرات سلالية عميقة.
أثر الحضور الديني فيها
وأما الحضور الديني، فيتمثل في المعتقد الإيماني الذي هو متجذر في وجدان الإنسان والمجتمع، والذي تبلوره الممارسات الثقافية التي تعتبر العادات والتقاليد جزءاً منها، لانخراطها في التنظيمات التي تحكم مجموع هذه الممارسات.
فالإنسان بطبيعته يتشبث بهذا المعتقد، وما يقدمه له من مفاهيم وقيم وتعاليم وأنماط سلوك. ويُعزى هذا التشبث إلى أنه يرى فيه أمنه وأمانه وطمأنينته، وملاذه أمام الغيبيات المستعصية والأشياء المجردة، وسنده في مواجهة التيارات المادية والتقلبات الاجتماعية، وما تثيره من أزمات ومشكلات قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه.
وغير خاف أن المعتقد يتأثر بواقع البيئة ونوعية الجنس الذي يعيش فيها، وما عرفه من تطورات، وما كان له خلالها من احتكاك بغيره. وهو ما يكون مختلفاً حين تكون البيئة منغلقة على نفسها، وغير متفتحة على غيرها، عبر ديانات وما أنتجت من حضارات وثقافات، ومن خلال ما يسبقها من مراحل كثيرة وثنية، قبل أن تتبلور في الأديان السماوية.
وإذا كان الدين يؤثر بعمق في جميع المظاهر الاجتماعية، ويتحكم فيها تحت نظر المجتمع والسلطة، سواء بالنسبة للحياة الخاصة أو العامة، فإنه يظل لمعتقدات تلكم المراحل السابقة عليه – أي حتى حين تضعف أو تضمحل أو تُنسى – حضور ما قد يكون قوياً في الممارسات وفي المشاعر والأفكار والعادات والتقاليد، أي في ثقافة المجتمع.
وعلى العموم، فإن المعتقَد بكل ما ينتج عنه يطبع ذهن الإنسان ومزاجه وعاطفته وفكره. وهو الذي يحقق إنسانيته وتوازنه مع محيطه ومع الكون والحياة، ويحثه على العمل والشعور بعد هذا بالسعادة.
وحين يحدث ذلك، أَيْ حين يصل الإنسان إلى هذا المستوى من الوعي والإدراك، فإن المعتقَد يصبح عنده مجالاً يلتقي فيه العقل والقلب، والعلم والإيمان، والدنيا والدين.
لذا، فإننا لو شئنا – استناداً إلى المعايشة والمشاهدة والممارسة – أن نستعرض بعض مظاهر الحضور الديني في العادات والتقاليد المغربية، لمعرفة ما هو منها ذو أصل إسلامي، وما هو من أصل سابق عليه، لاضطررنا بطبيعة ما يقتضيه الموضوع، إلى التمييز بين نوعين:
أولاً: تأثير المعتقدات السابقة على الإسلام
تأثير المعتقدات السابقة على الإسلام
ففيما يتعلق بالحضور الأول المرتبط بمعتقدات قديمة، أود أن أبادر إلى القول بأني لن أطيل الوقوف عندها، مكتفياً بإشارات أستحضرها مما كنت انتهيت إليه في دراسات سابقة عن التراث المغربي، Œ لعلها أن تكون دالة على هذا الحضور.
Œ انظر كتاب: "من وحي التراث" لصاحب هذا العرض. (مطبعة الأمنية – الرباط 1971م).
وربما كان في هذا تفسير لما يصدر عن بعض الناس اليوم، حين يريدون الدخول إلى مكان مقفر أو مظلم أو غريب عنهم، حيث يقولون: "شايلاَّه أمَّالين لَمْكان" أو "شايلاه أرِجال لَمْكان"، ظناً منهم أنهم بهذا يستأذنون سكانه والثاوين فيه، ويتأدبون معهم ويسالمونهم ويعلنون أنهم لن يؤذوهم.
وبهذا كانت تعلل عادة حمل العروس ليلة زفافها، حتى لا تطأ بقدميها بيت الزوجية فتؤذي أرواح آباء الزوج، الساكنة في أرضه، وقد تتأذى هي كذلك ؛ إذ لا يسمح لها بأن تطأه إلا بعد أن تزف وتصبح عضواً في أسرته.
ويشار في هذا المجال إلى ما زال متداولاً حتى الآن، من أن لكل مدينة أو قرية "ضامنها" و "حاميها"، كما هو الشأن مثلاً بالنسبة لمولاي ادريس في فاس، وسيدي بنعيسى في مكناس. وقد يتعددون، على نحو سيدي أحمد اليابوري ومولاي ابراهيم وسيدي العربي بن السايح في الرباط، وسبعة رجال في مراكش، وهم: يوسف بن علي الصنهاجي والقاضي عياض وأبو العباس السبتي ومحمد بن سليمان الجزولي وعبد العزيز التباع وعبد الله الغزواني وعبد الرحمن السهيلي.
كذلك قدس المغاربة الأحجار والكهوف خاصة، لِمَا تبعث فيهم من رهبة، ولأنها تحميهم من كوارث الطبيعة، ولاعتقادهم أنها مسكن للجن والأرواح والقوى الخفية التي تتحكم في إخصاب الأرض وإنبات الزرع. وبفضل التأثير الفينيقي، كان شائعاً عندهم أن ساتورنوس وريث الإله بعل القرطاجني، كان إلاهاً سماوياً وأرضياً، وأنه يتمثل في السماء كما يتمثل في الأراضي الفلاحية، وأنه كان قبل هذا وبعد يتخذ الكهوف.
واعتقاداً منهم بأن لجميع المخلوقات أرواحاً حتى ما كان منها نباتاً أو جماداً، فإنهم فكروا في السيطرة على هذه الأرواح وتسخيرها، كما فكروا في استخراج الكنوز من الأرض بواسطة السحر الذي تربطه بالمعتقدات الدينية القديمة علاقة وثيقة يصعب تحديدها أو التمييز بين مكوناتها. وهو ما كانوا يلجأون إليه، بنبش القبور التي يتخذونها داخل كهوف منحوتة في الحجارة، ومطلية ببعض الأصباغ، ويدفنون فيها إلى جانب موتاهم ما يملكون من كنوز، ومن غالي المتاع ونفيس الأثاث، على عادة القرطاجنيين الذين كانوا في ذلك متأثرين بالفراعنة.
وكانت نظرة المغاربة القدماء إلى الماء شبيهة بمنظورهم للأرض، إذ قدسوه باعتباره سر الحياة ورمزها وأساس "كل شيء حي" كما بَيَّن لنا القرآن الكريم ذلك. وقدسوا تبعاً لذلك ينابيعه وما إليها من أودية وغدران يقصدونها للتبرك والشفاء. وربما كان من آثار هذا المنظور عيد الماء المعروف عندنا بـ "العَنْصْرة" التي تقع يوم 24 يونيو من كل عام، إذ توافق منتصف فترة "السّْمايم" التي تشتد فيها الحرارة. وهي مناسبة فلاحية يحتفل فيها بجمع الإنتاج الزراعي من حبوب وثمار. ويغلب فيها تناول بواكير هذا الإنتاج، وكذا أكل "الحَلزون" الذي يطلق عليه "لَغْلالة" أو "البُبُّوش".
ومن المناسبات الفلاحية كذلك، ما يعرف بـ"النَّايَر" أو "حاﮔُـوزة"، وتقع في منتصف "اللّْيالي" التي تصادف ثالث عشر يناير. وفيها تشاع ضرورة تناول عَشاء دَسِم مُشبع، كي يظل متناوله شبعان طوال العام. وتشجيعاً للأطفال على هذا العَشاء، فإنهم كانوا يُخَوَّفون – إن لم يفعلوا – أن تأتيهم "النَّايْرة" وتفتح بطونهم وهم نائمون.
وهذه كلها مناسبات تذكر بعيد "النَّيْروز" أو "النُّوروز" الذي هو أول أيام السنة الشمسية عند الفرس، ويوافق الحادي والعشرين من مارس. ومثله عندهم عيد "المِهرجان".
على هذا النحو، كانت تنسج العلاقة بين الإنسان وبعض مظاهر الطبيعة والكون، وما فيها من قوى خفية خارقة، رغبة في الاحتماء بها من خفايا الأرض وخبايا السماء، وسعيا كذلك إلى الاطلاع عليها ومعرفة ما فيها من أسرار.
وخلف هذا الهدف لا شك، تكمن ظاهرة تقديم الذبائح والنذور لبعض الأضرحة، وكذا التوسل بالأولياء والتمسح بالأحجار. وهو ما كان يتم عند الشعوب البدائية في إطار احتفالات راقصة وصلوات معينة يستعد لها بالتطهر الذي كان يميز به بين المقدَّس والمدنَّس ؛ إلى حد كان يقال بأن الأضحية تحفظ الحياة، وبأن الصلاة تطرد الشر.
ومعروف أن الرقص كان عند المغاربة وسائر المجتمعات القديمة تعبيراً عن نشاط الإنسان في حياته العقدية والعملية، ومظهراً لطبيعة المرح والفرح، ورمزاً للنمو والازدهار، ومناسبة لتقديم بواكير الإنتاج إلى الآلهة التي يرجى منها إبعاد الكوارث وسائر قوى الشر، وكذا إنزال المطر وإنبات الزرع. وارتباطه بالحركة والإشارة يوحي بما له من علاقة بطقوس قديمة، كان المغاربة يمارسونها ويؤدون بها الشعائر، ويعبرون بها عن توسلاتهم وما يقومون به من أنشطة مختلفة في الحياة، ولا سيما عمليات الصيد. وربما كانت رقصات "عيساوة" و "احمادشة"، بما فيها من تقليد لحركات بعض الحيوانات المفترسة، كالأسد واللبؤة، أثراً لرقصات الصيد.
وليس مستبعداً أن يكون الرقص الجماعي المتداول حتى اليوم في مناطق الأطلس وسوس وغيرها، حيث اختلاط الرجال بالنساء، واعتماد التصفيق والصياح والضرب على الأرض بالأقدام، أثراً لما كان معروفاً في مجتمعات قديمة، برقص الخصب الذي يمثل العاصفة بما تحمل من رياح ورعود وأمطار ؛ في تشبيه لتحريك الجسم وما عليه من ثياب وحلي بصوت الرياح، ولضرب الأرض بصوت الرعد، وللتصفيق بصوت المطر، وللصياح بإعلان بُشرى نزول الغيث. وهي مظاهر بدأت تتعرض للتحريف، بحكم التأثر بأشكال الرقص الحديث، في غياب لمعاهد ومراكز تحفظ لمثل هذا اللون من التراث مفهومه ودلالته.
ولعلنا أن نضيف إلى جانب هذه العادات والتقاليد السابقة على المرحلة الإسلامية، ما كان للمغاربة من عناية بالرسم والتشكيل، إذ رسموا على جدران البيوت والمدافن، وعلى الخزف وبيض النعام، وعلى المنسوجات، ولا سيما الحصر والزرابي التي يبدو أن الفينيقيين حملوا صناعها إلى الشمال الإفريقي.
كما رسموا على الجسم بما يعرف حتى اليوم بـ"الحرقوص" و "نقش الحناء" و "الوشم". وهو ما كان يتخذ للتزيُّن والتجمل، وكذا للاحتماء من العين والأرواح الشريرة. ويذكر كذلك أنهم نحتوا الصخور وصنعوا الأصنام والتماثيل للآلهة. ويظهر أن هذا التوجه الفني شهد أوجه في عهد أغسطس المعروف بـ"يوبا الثاني" في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، وكانت له عناية كبيرة بالفنون. وهو وزج كليوباطرة سيلني بنت كليوباطرة الكبيرة. وكان قد اتخذ وليلي عاصمة ثانية له بعد شرشال التي سماها قيصرية.
ولا شك أن الناظر في هذه الرسوم وما هو متداول منها لحد الآن، يلاحظ اعتمادها على الأشكال والتكوينات المجردة، وعلى خطوط تتخذ في الغالب شكل صليب أو نجمة أو دوائر. فالصليب كان يعتبر رمزاً للشمس ولإله بابل الشمسي، وإن انصرف الذهن إلى ربطه بالمسيحية. والدوائر كانت بدورها تعتبر رموزاً لإله الشمس فيما بين النهرين ومصر. وما كان منها متداخلاً فيمثل الشمس في حركتها ؛ وما كان منها على شكل أقراص فيرمز للشمس في حال الغروب.
أما النجمة فمرتبطة بخاتم سليمان الذي هو معروف بسلطته على الجان والأرواح الشريرة. وكانت به زمردة على شكل نجمة ؛ إضافة إلى كونها أحد الرموز الشمسية البابلية. وقد تكون هذه النجمة خماسية أو سداسية أو ثمانية ؛ وإن كان شيوع النجمة الخماسية جعل الناس يعتبرون العدد دون الشكل، ويعبرون عنه باليد التي كان شائعاً أن القرطاجنيين كانوا يرسمونها على أبواب البيوت، حتى تقيهم من العين القبيحة. وهو اعتقاد ما زال قائماً وشائعاً لحد الآن، مع صياغة عبارات دالة، كهاته التي تقال في وجه من يُشك في عينه أن تكون كذلك: "خمْسَا اعْلَى عِينَك العَمْشَا".
وإن من يشاهد الزخارف والتزويقات التي تزين بها المساجد أو المصنوعات التقليدية المتخذة من الخشب والخزف، ليؤخذ بما تتوسل به من خطوط جميلة كتبت بها آيات قرآنية في الغالب، ومن تكوينات مجردة تعتمد الخطوط المستقيمة والأفقية، وحتى المقوسة في النادر وفق ما سبق ذكره ؛ مع الابتعاد عن محاكاة الصور الآدمية والحيوانية. وما كان منها غير ذلك، كالرسوم الشعبية المتداولة التي تصور بعض الملائكة والأنبياء والصحابة، والتي تحكي قصصاً وأساطير، فهو قائم على الخيال، ويطغى عليه استخدام النِّسب المحرَّفة، ومحاولة إضافة بعض سمات الطير والحيوان إلى الملامح الآدمية.
تـأثير الإسـلام
إذا نحن انتقلنا إلى المرحلة الإسلامية، فإننا سنجد غنى في مختلف المقتضيات التي ستلقي بظلالها على جميع مظاهر الحياة وظواهرها الفردية والجماعية التي من بينها العادات والتقاليد التي خلفت فيها من التأثيرات ما لا مجال لعده أو حصره.
ولتوضيح هذه الحقيقة وفهمها في العمق، فإنا نرى إبراز عناصر الدين الثلاثة التي حددها النبي (ص) في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب (ض)، متعلقاً بأسئلة جبريل والجواب النبوي عليها ؛ وهي:
1- الإسلام
2- الإيمان
3- الإحسان
فعن الإسلام قال (ص): "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا".
وعن الإيمان قال (ص): "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".
وعن الإحسان قال (ص): "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
فالإسلام هو الاستسلام لله وأداء ما تقتضيه طاعته من عبادات، أي أنه يرتبط بأعمال ظاهرة مكشوفة قد تعتريها بعض الممارسات التي سرعان ما تتحول إلى طقوس. وإن هذه الطقوس حين تتجذر تتجاوز العبادات، لتنعكس على كثير من العادات الاجتماعية التي تتحول إلى تقاليد لا تلبث مع مرور الزمن أن تكتسي شيئا من القداسة، حتى حين تحيد عن الجادة وتبتعد قليلاً أو كثيراً عن متطلبات الدين الصحيح وتعد من البدع المستنكرة.
ومما يلفت النظر في هذا الصدد، أن المغاربة قابلوا في مقولاتهم بين العادات والعبادات، فقالوا عمَّا لا فائدة فيه ولا يصلح لشيء، إنه "ما صالَحْ لاَ الّْعادا وَلا الّْعِبادا".
والإيمان هو التصديق بالقلب واللسان، أي أنه شأن باطني وشخصي، لا يكشف عن نفسه ولا يظهر، أو لا يكاد يظهر إلا من خلال التعبير الشفوي وما تبلوره بعض القيم الخلقية والسلوكية.
1- الارتباط بالعبادات والمواسم الدينية
ومن ثم، فإننا حين ننظر في عاداتنا وتقاليدنا الإسلامية ونتأملها، نجد أنها لا ترتبط بهذا الجانب الخفي إلا عن طريق غير مباشر ؛ في حين أنها تبرز في الجانبين الآخرين، من خلال القول والفعل، وربما كان مجال القول فيها أوسع.
مثال ذلك اتخاذ ركن "الشهادة" في القَسَم عند من يريد أن يحلف على شيء، إذ يقول: "والله شَاهد عليَّ" أو "وحق الشهادة". كذلك وقع اللجوء إليها في التهديد والتخويف، كأن يقال لمن يراد بث الرعب فيه "شهَّد اعْلَى رُوحَك".
أما الصلاة، فعلى الرغم من أنها محددة ومقننة، فإن المغاربة ربطوا بعضها بتقاليد، تبدأ بزيادة عبارة "الصلاة خير من النوم" في أذان الفجر، وهي ثابتة بالسنة. ومنها إضافة عبارة "أصبح ولله الحمد" قبل ختم هذا الأذان بالتكبير ؛ وهي بدعة أُحدثت زمن الموحدين، واستمرت على الرغم من موقف بعض الفقهاء الذين اعتبروها بدعة مستقبحة.Œ
ومن التقاليد ما أحدثوه يوم الجمعة، مما اعتبر من البدع، كقراءة القرآن جماعة. والحقيقة أنها مباحة إذا كانت سليمة غير مُحرفَّة. وقد تفرد المغرب بها، وكذا بقراءة "الحزب" الذي رسَّمته الدولة الموحدية. وقد كان لهذه القراءة الجماعية دور كبير في جمع القلوب وتأليف الكلمة وتوحيد الموقف في الأزمات، ولا سيما في عهد الاستعمار.
ومن هذه التقاليد رواية "الحديث" الذي رواه الإمام مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "إذا قلتَ لصاحبك أَنْصِت، والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوتَ"، والحديث الآخر: "ومن لغا فلا جمعة له"، مع الحث على الإنصات: "أنصِتوا رحمكم الله، أنصتوا يغفرْ لي ولكم الله". وذلك إثـر دخول الخطيب وجلوسه على المنبر ؛ وهو ما يسمى بـ"الترقية". وهي وإن كانت بدعة فهي مستحسنة، إذ المقصود منها هو التذكير بضرورة الإنصات للخطبة. وهو ما يؤيده كذلك الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن جرير بن عبد الله، أن رسول الله (ص) قال في حجة الوداع: "استنصت الناس". ويبدو أن العمل بهذه الترقية ظهر في العصور الإسلامية الأولى، إذ كانت معروفة في الشام، أما في المغرب فقد كان بدء العمل بها في عهد المولى إسماعيل، وبالضبط عام 1020هـ.
___________________
Œ تجدر الإشارة إلى أن العلماء ميزوا بين بدع العبادات و بدع العادات ووضعوا في ذلك تآليف كثيرة.
ومن العادات والتقاليد المرتبطة بهذا اليوم كذلك، رفع عَلَم أزرق فوق الصوامع. والسبب فيه أن العادة كانت – وما تزال – أن تنصب صَوَارٍ على الصوامع ليعلق عليها علم في أوقات الصلاة، لإخبار الناس وتنبيههم إلى حلولها ؛ في حين توضع عليها مصابيح بالليل للغرض نفسه. وتمييزاً ليوم الجمعة، فقد وُضع له علم أزرق، على خلاف أعلام الأيام الأخرى التي تكون بيضاء. وإن أول من أحدث هذه العادة التي لا تخفى أهميتها هو أبو عنان المريني في منتصف القرن الثامن الهجري. ويبدو أن رفع العلم الأزرق على صواري المآذن في بعض المدن، كان يقصد مِنه كذلك الإخبار بوقوع وفاة حتى يخرج الناس لجنازتها.
وفي إطار الصلاة، يُسجل أنهم ميزوا بعضها بأدعية وممارسات، كصلاة الاستسقاء التي هي سنة. وهي معروفة في كيفية أدائها، وما يكون فيها من تحويل الرداء وخروج الصبيان إليها وحتى غير المسلمين من اليهود، فقد وضعوا لها مرددات ينادى بها عند الخروج إليها التماساً للغيث، كقولهم:
"مُولانا نَسْعاو رِضاكْ
واعْلى بَابَكْ واقِفين
لاَ مَن يَرحَمْنا سِواك
يا أرحمَ الراحمين".
أو قولهم:
"غِيثَكْ غِيثَك يا ألله
ارْحم اعْبِيدِك يا ألله".
وتجدر الإشارة إلى أن للاستسقاء عادات قديمة ما زالت مستمرة، منها: "تاغُنجة"، ويطلق عليها كذلك: "عروسة أنزار". وهي عبارة عن دُمية تتشكل من مغرفة مغطاة بلباس، يخرج الناس بها – نساء وصبيانا – وهم ينشدون مرددات ويبتهلون طلباً للمطر. وللإعراب عن تفاؤلهم بهذه الممارسة، فإنهم يلجأون إلى تبليل هذه الدمية بالماء، في وقت تُجمع تبرعات للإطعام. ولعلها عادة قرطاجية.
ومثلها صلاة الجنازة المحددة، والمعروف ما يقتضي الخروج إليها، من صمت وخشوع، فجعلوه مصحوباً بالتكبير والتهليل، مما اعتبر الفقهاء الجهر به بدعة ؛ مع الإشارة إلى أن الصيغ في ذلك تختلف، دالَّة على الطائفة أو الطريقة الصوفية التي ينتمي إليها المتوفى ؛ وكان الغالب ترديد عبارة "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
ومن بدع الجنائز "اصْبُوح لَقْبور" صباح الأيام الثلاثة التي تعقب الدفن، وكذلك إحياء "الأربعين" مع ما يكون في هذه المناسبات كلها من تلاوة القرآن الكريم وترديد الأدعية والأذكار، إضافة إلى الإطعام وما يكون معه من مظاهر احتفالية أصبح يغلب عليها التباهي والتفاخر. وهو ما غدا يظهر كذلك في ارتداء النساء المُعَزِّيات للجلباب الأبيض، مع التفنن في اختيار نوعه – ثوبا وخياطة – وكذا اختيار غطاء الرأس الملائم له.
وعلى ذكر عادة لبـاس البيـاض، فإنه تجدر الإشارة إلى أن المغـاربـة – كالأندلسيين – ألفوا في أفراحهم وأحزانهم كذلك أن يلبسوه، وفق ما سبق ذكره، وعلى نحو ما تلتزم به النساء اللائي يكن في عدة وفاة أزواجهن. وعلى الرغم مما يقال من أن ذلك مرتبط بلون الكفن، وكأن في الأمر مشاركة وجدانية يُجليها مظهر اللباس، فإنه لا يعدو أن يكون أثراً أموياً مقابل السواد الذي كان شعار العباسيين.
وفي ذلك شاعت أدبيات كثيرة، كقول ابن شاطر السرقسطي:
قـد كنت لا أدري لأية عـلـة
صار البياض لباس كل مصاب
حتى كساني الدهر سحق ملاءة
بيضـاء من شيبي لفقـد شبابي
فبِذا تبين لي إصابـة من رأى
وكقول الحصري:
إذا كان البياض لباس حزن
بأندلس فـذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي
لأني قد حزنت على الشباب
ولم تخل عبادة الصوم خلال شهر رمضان المعظم من بعض هذه المظاهر، على نحو ما يقوم به الهلاَّلون والطبالون والغياطون، وكذا ما تهيئه الأسر من أشكال الحلوى والمعجنات. وهي مظاهر تزيد في ليلة القدر التي غالباً ما يؤدي فيها الأطفال – ذكوراً وإناثاً – صيامهم الأول، فيتزينون ويخرجون للمساجد والزوايا وزيارة الأهل والأحباب، قبل أن يحين أذان المغرب ؛ وكأن القصد من ذلك هو تسليتهم وإلهاؤهم عما قد يكونون شعروا به من جوع. وقد يخرج بعضهم لحضور صلاة التراويح التي هي من التطوع، بعد العشاء وقبل الشفع والوتر. وهي المعروفة عندنا بـ"التشفاع" ؛ ويطلق على من يقوم بها: "مُشفِّع".
ولعيد الفطر بعد انتهاء شهر رمضان تقاليد متشابهة، تبدأ بإخراج زكاة الفطر التي هي واجبة، قبل الذهاب بالتكبير للصلاة، ثم تبادل الزيارة والتهنئة. ويتميز فطور هذا اليوم بتناول "العصيدة" وألـوان من المعجنات مثل "الرغايف" و "البغرير" و "الشَّبَّاكِية" و "المخرّْقة".
وأما الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، فإن المغاربة غالباً ما يوقتون إخراجها بموسم عاشوراء الذي يسن فيه الصيام والتوسعة على العيال ؛ مع حث الأطفال على تجريب الصوم وإلهاء البنات منهم بالدمى والطَّبْلات الصغيرة المعروفة بـ"التّْعارَج" أو "لَـﮔْوالات"، وكذا إلهاء الصبيان بألوان من اللعب ولا سيما النارية، وخروجهم للشوارع حيث توقد النيران، أو ما يطلق عليه "شَعَّالة" أو "شَعَّايلة"، وقد يلقى فيها ببعض الدمى والصور. كما يكثر صب الماء على الأرض على يد حَمَّالِي الماء المعروفين بـ"الـﮔرابة"، وهم يرددون "الْمَا للسّبيل الله يرحم مُول السّبيل". وقد يشارك الأطفال في هذا الصب بواسطة جِرار صغيرة تعرف بـ"اقلالَش واخْوِبيات العاشور". وهكذا فقد ارتبطت بهذا اليوم عدة تصرفات تكاد أن تكون منتاقضة، بسبب مقتل الحسين الذي أثار الحزن في نفوس الشيعة، في وقت تلقاه خصومهم بالفرح والسرور.
من ذلك، أنه في هذا اليوم، يكثر التخضيب بالحناء، مع الاكتحال والاستياك والتزين والتجمل، واستعمال البخور وأكل الفاكهة المجففة، واقتناء آلات اللهو كما مر. وهي عادات دالة على الفرح، إلا أنها تمزج بمظاهر أخرى حزينة، كزيارة المقابر، وقص حكاية مقتل الحسين وتقديمها في مشاهد تمثيلية. ومنها أنه يمنع تنظيف المنازل أو غسل الثياب والاستحمام، أو اقتناء جفَّاف أو مكنسة. وقالوا في الدلالة على تعطيل عملهما: "الشَّطَّابا اعْروسا والجَّفَّافَا انْفيسا"، أي أن المكنسة عروس والجفَّافة نُفساء.
وعلى الرغم من أن استعمال البخور "الطَّيب" كان دالاً على الفرح – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – فإنه كان يُبَخَّر في بعض المناطق إظهاراً للحزن، بأعشاب كريهة الرائحة "خَانْزَا"، كغثاء السيل وروث البهائم وما إلى ذلك مما كان يطلق عليه "التَّبخيرا الخَانْزا".
وغالباً ما يتناول بعد عشاء عاشوراء طعام الكسكوس المفوَّر بـ"اللِّيَّة" التي هي مؤخر الخروف وذنبه الذي يحتفظ به من أضحية العيد، مُيبَّساً ومُملَّحاً لهذا الغرض.
وقد يحتفظ بعض النساء من خروف العيد بكتفه، ويتخذونها لقراءة الحظ قبل دفنها في هذا اليوم ؛ وتعرف بـ"بابا عاشور". ومن مردداتهن في هذه العادة:
"ﮔَـدِّيدا ﮔَـدِّيدا
مالْحا ولْديدا
مَنشورا علْ لَعْواد
ابَّا عاشور ادَّاه الواد".
ومعروف أن بعض النساء يتخذن لمعرفة الحظ في هذا اليوم مرآة شيطانية، ويطلق عليها "امْرايَتْ يَبْليس". كما يلجأن فيه إلى عمل السحر أو فكه، وكذا إلى زيارة المقابر. كما يتم فيه أو في اليوم الموالي له تنظيم استعراض فتياتهن متزينات، في احتفال يطلق عليه "للا كسَّابا". وفيه ينشدن بعض المرددات التي يقصد منها إلى طلب أزواج لهن، كقولهن:
"أَلَلاَّ كسَّابا
اعْطِني راجَلْ دابا دابا
الْحِيتُو كِيف الشَّطابا".
وكذلك يفعل الفتيان في مثل هذا الترديد:
"اللا كسابا
اعْطني امْرا دابا دابا".
والواقع أن المرددات والأناشيد التي تتداول في هذا اليوم تكون معبرة عن المشاعر المتناقضة التي تشيع في هذا اليوم على نحو ما ذكرت.Œ
ومن أركان الإسلام بعد هذا تبقى فريضة الحج التي هي مضبوطة بمناسكها المعروفة. وللمغاربة احتفال بها يتجلى في الاستعداد لأدائها بتهييئ الثياب البيض وعقد جلسات الحناء، وما إليها مما اعتاد أفراد الأسرة أن يلتئموا بمناسبته.
كما يتجلى في بعض الأناشيد التي تستقبل بها مواكب الحجاج عند عودتهم، على هذا النحو:
"الحمد لله
والشكر لله
ما خَابَ عبدٌ
___________________
Œ انظر كتاب: "عاشوراء عند المغاربة" لصاحب هذا العرض. طبع الرباط 1419هـ=1999م
(منشورات النادي الجراري، رقم -16-).
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الركن يلتقي مع عيد الأضحى الذي للناس فيه عادات كثيرة، يكفي أن نشير منها إلى ما يصنعونه بالأضحية التي هي سنة مؤكدة. وكمثال على ذلك، نجد بعض الأسر تترك "تفصيل" الأضحية إلى اليوم الثاني الذي تبدأ به أيام "التشريق" أي التقديد. ويطلق على هذه العملية "التسطير" أو "التشطير". في حين تعمد أسر أخرى إلى "جرْح" الأضحية، أي قطع كتفها لأكلة الكسكوس في عشاء العيد ؛ مع الاحتفاظ بالعظم عند البعض للغرض المشار إليه قبل. وربما تقصد عادة قطع الكتف إلى التذكير بما كان حدث في بيت رسول الله (ص) حسب الحديث الشريف الذي رواه ابن حنبل والترمذي عن عائشة (ض) أنه ذُبحت عندهم شاة وتم التصدق بها، "فقالت: يا رسول الله ما بقي إلا كتفها. قال: كلها بقي إلا كتفها". وعلى العادة التي سنها الرسول (ص) بذبح كبشين: أحدهما على محمد وآله، والثاني على فقراء أمته، فإن أمير المومنين يقوم كذلك بنحر أضحيتين بعد صلاة العيد. ويقتضي التقليد بأن تنقل هاتا<







