البيعة في المغرب رابطة سامية بين العرش والشعب

ajialpress16 يوليو 2012
البيعة في المغرب    رابطة سامية بين العرش والشعب

ديوان أصدقاء المغرب

يكتسي الإسلام في المغرب خصوصية بالغة الأهمية سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي ,فتاريخ نشأة الدولة المغربية يتلازم مع اعتناق المغاربة الدين الإسلامي, خصوصا مع ارتباط الأسر التي تعاقبت على حكم المغرب بسلالة النبي ص , وتأتي مؤسسة إمارة المؤمنين ممثلة بالملك في قمة هرم السلطة الدينية , وتعد مرجعا في شؤون الدين ومعاملات الناس المرتبطة بأحكامه كما ينص على ذلك الفصل 19 من الدستور المغربي السابق الذي ينص على أن:

 ( الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي .حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات

وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة)

أما الدستور الجديد  ففيه تفاصيل أدق من الفصل 19 وجاءت في فصلين:

 الفصل 41

(الملك، أمير المؤمنين وحامي حمي الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.

يرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه.

ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى، بشأن المسائل المحالة عليه، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة.

تحدد اختصاصات المجلس وتأليفه وكيفيات سيره بظهير.

يمارس الملك الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا، بمقتضى هذا الفصل، بواسطة ظهائر.)

 

الفصل 42

(الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.

الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.

يمارس الملك هذه المهام، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور.

وتستند الشرعية الدينية لإمارة المؤمنين إلى عقد البيعة وهو عقد ملزم يشكل ميثاقا سياسيا بين الحاكمين والمحكومين , ويتجدد هذا العقد من طرف الشعب لكل سلطان يتولى الحكم , وذلك بمقتضى البيعة يلتزم السلطان بتحقيق غايتين تتمثلان في الدفاع عن إقليم محدود وغير قابل للتفويت وتأسيس نظام مغربي كفيل بضمان الأمن للجميع .                                                    

فمنذ نحو أكثر من 12 قرنا كانت هناك هيئة تبايع الملوك في المغرب وهذه الهيئة كانت مركبة من  كافة فصائل وممثلي الشعب من طبقات العلماء وعلماء الشرع الذين كانوا على عقد البيعة وكان هناك رجال السلطة والقواد والباشاوات والمحافظون ومن هؤلاء تتشكل البيعة. والبيعة بهذا المفهوم تعتبر في المغرب أمر أساسي لممارسة السيادة من خلال ولاء الأشخاص والقبائل للسلطان , وحين يصدر هذا الولاء فانه يصبح نهائيا ويهم مجموع الإقليم الذي عبر سكانه عن ولائهم , والتعبير عن الولاء بواسطة البيعة يعتبر أسمى وسيلة لإقرار سيادة السلطان المنشاة أساسا في الشرعية الدينية.                                        

وتجدر الإشارة إلى أن البيعة في المغرب كان لها طابع خاص, حيث أنها كانت دائما مكتوبة , إذ أن المغرب هو الدولة الوحيدة التي لم تكتف بالبيعة الشفوية بل كانت مكتوبة على الدوام .                                                          

وكتابة البيعة عادة ما تكون من طرف العلماء ثم توجه إلى السلطان, وبمقتضى هذه البيعة تصبح واجبات الملك أن يحمي الدين من الضياع والتسيب, وان يحميه ممن يريد أن يعتدي عليه أو يحرفه أو يمس به.                                    

ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار أن هناك علاقة جدلية بين البيعة والسيادة في المغرب , ومفهوم السيادة في النظام السياسي المغربي له مرجعيتان مكملتان لبعضهما البعض , وهذا نجده في الدستور المغربي  في الفصل 2 الذي ينص على أن السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء , وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية .                                                               .                                                                                                  

 

وإذا كانت سيادة الأمة تجد مرجعيتها ومصدرها الشعب , فبالعودة إلى الفصل 19 نجد أن هناك سيادة أمير المؤمنين التي 

تستمد أسسها ومصدرها الله باعتباره خليفة الرسول وظل الله على الأرض , ومهمة أمير المؤمنين على حد تعبير 

الماوردي هي حفظ الدين على أصوله المستقرة , وما اجمع عليه سلف الأمة , فإذا نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من حقوق وحدود ليكون الدين محروسا من الخلل والأمة ممنوعة من الزلل.

وهذا شئ يجعل من  الملك  يمارس  مهاما باعتباره أميرا للمؤمنين وليس صلاحيات , ويستمد هذه المهام من الكتاب 

والسنة . ومن هنا تكون تمثيلية الملك باعتباره أمير للمؤمنين أقوى وأسمى من تمثيلية البرلمان على اعتبار أن مصدر سلطته هو الله وكذلك الشعب من خلال عقد البيعة الذي يعتبر من طرف فقهاء القانون الدستوري عرفا دستوريا له نفس  مكانة النص الدستوري , وبالتالي فالسيادة في النظام السياسي المغربي لها مصدر مزدوج , الأول له بعد ديني مرتبط بسيادة أمير المؤمنين , والثاني مصدر شعبي , والشعب يمارس سيادته بطريقة غير مباشرة عبر المؤسسات الدستورية بما فيها مؤسسة البيعة وبطريقة مباشرة عبر الاستفتاء .

 
الدكتور عياد جلول  
كاتب وباحث لبناني

 

مستجدات