مصطفى هطي
عندما أطلق ديكارت الكوجتو الشهير " أنا أفكر إذن أنا موجود " كان هدفه هو إثبات وجود الله والإيمان بذلك الوجود من خلال الفلسفة , فقد شك ديكارت في كل شيء سوى أنه يشك وبما أن الانسان يشك فهو ناقص وما دام يشعر أنه ناقص فإن في عقله فكرة عن الكمال. فكان السؤال : من الذي أودع فكرة الكمال في عقله ؟ فجاء الجواب : الكامل الوحيد هو الذي أودعها , والإنسان لا يمكن ان يوجد نفسه لأنه ناقص ويشك. فكانت الخلاصة التي انتهى إليها ديكارت هي أن هناك إله كامل هو الذي أوجده وهو الذي أودع في ذهنه فكرة الكمال ليستنتج ان: مادام الله كاملا فهو صادق لان الكذب يتنافى مع الكمال. وإذا كان ديكارت قد حقق هدفه من خلال الكوجتو الديكارتي الذي شكل بداية الوعي الأوربي العقلاني الحديث للخروج من التخلف والظلام الذي كرسته الكنيسة بكتابها المحرف , فإن العلمانيين والعلمانيات في المغرب أطلقن كوجتو نسواني جديد يعيد المرأة الى العصر البدائي مفاده "أنا عريانة إذن أنا موجودة " تشك فيه النسوة في كل شيء سوى أنها عارية وبما أنها عارية فهي موجودة. يفهم ذلك من خلال الدعوات المتناسلة التي تطالب بإلغاء الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي الذي نصه: " كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة". والتي تطالب بوجوب التنصيص على حرية تعرية الجسد وممارسة الجنس بدون موجب شرعي شريطة التراضي بين الرجل والمرأة تماما كما يفعل ذكر الحيوان وأنثاه. مع أن الحيوان يتوافق على التزاوج للحفاظ على النسل!! ووفاء لهذا الكوجتو النسواني الجديد قررت حركة نسائية بالمغرب تسمي نفسها " ديباردور… وبخير" تنظيم وقفة احتجاجية في ساحة عمومية بالدار البيضاء يوم السبت 7 يوليو باللباس الصيفي اللاصق بالجسد بدون أكمام (ديباردور) وذلك ـ على حد قولهن ـ من اجل ضمان الحريات الفردية بالمغرب وعلى رأسها حرية نزع الثياب عن الجسد!! وبهذا الأسلوب فقط ـ في نظر النسوة ـ يمكن للمرأة إثبات وجودها وكينونتها , ولو توقف الأمر عند تأمل المرأة لجسدها في بيتها لهان الامر وربما اعتبرناه أمرا عاديا وفق منطوق الاية الكريمة (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) سورة الذاريات الاية 21. لكن الأمر تجاوز ذلك وأرادت النسوة فرض تصورهن على المجتمع المغربي المسلم واستفزاز مشاعره بتعرية الجسد والعبث به علانية تحت مسمى الحرية الفردية. لقد ضاقا مفهوما الحداثة والحرية عند العلمانيين و انحصرا في حدود جغرافية جسد المرأة وأصبحت المرأة الحداثية عندهم هي تلك التي تكشف جسدها وتشرب الخمر وتعاشر الرجال بالقبلات المحمومة كما في الافلام المكسيكية والغربية وتلبس اللباس المثير وتنام مع عشيق ليس بينها وبينه رابط شرعي , وأصبح الإشهار كل الإشهار على القانتين دوزيم والأولى مركزا على جسد المرأة وكل المنتجات والاكسيسوارات والمستحضرات الطبية متعلقة بأدق تفاصيل جسد المرأة. كل ذلك ـ في نظرهم ـ من أجل ان تتحرر المرأة وتحس بكينونتها!! إن هذا التركيز الشديد على جسد المرأة يضع الحداثيين في ورطة حقيقة, إذ في الوقت الذي يتهمون فيه الاسلاميين بالنظر الى المرأة من زاوية الجسد فقط ومن تم دعوتهم إلى الحجاب , فإن الحداثيين هم من لخص المرأة في جسها من خلال التركيز على مفاتنه المثيرة وجعله جذابا بالسليكون ليستعمل في بيع السيارات الفاخرة والأفرشة الناعمة والمأكولات المعلبة وأصبحت المرأة بضاعة لترويج التجارة أسوأ مما كان عليه الحال في سوق النخاسة بغداد قديما , ويكفي التمثيل هنا بالتنافس المحموم بين المقاهي على توظيف نساء ـ نادلات ـ لجلب اكبر عدد من الزبائن. إننا نسائل الحداثيين العلمانيين حول ما إذا كانت المرأة المغربية قد حققت كل الحقوق الأساسية مثل التعليم والصحة والكرامة ولم يبقى لها سوى (حق) تعرية الجسد علانية ؟ اين المرأة المفكرة ؟ اين المرأة العالمة ؟ اين المرأة المربية ؟ اين حقوق المرأة القروية التي تحتاج الى الطرقات والمدارس والمستشفيات لتدرس وتطبب وتلد بكرامة ؟ لماذا يغفل الحداثيون هذه الحقوق الجوهرية ويثيرون سفاسف الامور التي لا تمت بصلة الى مرجعية المجتمع المغربي المسلم؟ إن الكوجتو النسواني الجديد الذي ترفعه من تسمين انفسهن بالناشطات في الدفاع عن حرية المرأة الفردية واللواتي تردن إثبات وجودهن بـ" ديباردور" في الشارع يجعلنا أمام منطق استعبادي يكرس استعباد المرأة باعتبارها جسدا فقط يجب الاعتناء به من أجل تعريته, ونسيت النسوة أن الانسان بدأ حياته عاريا في المرحلة البدائية وان اللباس يعكس التقدم والتحرر الانسانيين وتطور العقل البشري , ومادام الانسان يتقدم فإن ستر الجسد يتطور وبهذا المنطق الحضاري نفهم أن المرأة الشبه عارية بـ "ديباردور" هي اقرب الى البدائية والتخلف بمنطق التطور البشري وأن المحجبة الساترة لجسمها التي يطابق شكلها جوهرها هي قمة التطور البشري والتقدم الانساني. إن النقاش يجب ان ينصب حول الوسائل الكفيلة بتحرير المرأة من الاستغلال الحداثي العولمي الذي حوسلها ( حولها الى وسيلة) لتحقيق غايات وأهداف تجارية لا علاقة لها بحقوق المرأة وحريتها , ومن اجل امتاع الرجل وجذبه للاستهلاك بجسد المرأة العاري الذي تنفق عليه المرأة العربية ما يوازي ميزانيات دول لعدة سنوات. لقد كان هدف الكوجتو الديكارتي في النهاية هو الايمان بأن الله وحده هو الكامل المنزه عن كل نقص وبالتالي فهو سبحانه المحيط بنقائص الانسان فانزل تشريعاته السماوية للرقي بالإنسان في درجات الكمال والجمال ومن تمام كمال الانسان وجماله الحياء الذي اعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم نصف الإيمان , وأول مقامات الحياء هو أن يستر الرجل عورته وتستر المرأة عورتها حتى عن أقرب الناس اليهما ما لم تكن بين الرجل والمرأة علاقة زواج. وتعرية الجسد إنما هو نزع للحياء لذلك كان هدف الشيطان من اقناع آدم وحواء ليأكلا من الشجرة هو نزع ثيابهما (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ ) الاعراف الآية 26. تماما كما تفعل بعض الفنانات اليوم اللواتي تنزعن ثيابهن أمام الملأ بدعوى رسالة الفن!! إن بصمات الأسلوب الشيطاني واضحة في الكوجتو النسواني "أنا عريانة اذن أنا موجودة " وكما كان هذا الاسلوب سببا في نزول ادم من الجنة الى الارض نخشى على ان يكون سببا في نزول الداعين الى تعرية الجسد من الدنيا الى عذاب القبر ويوم الحساب. ذ مطفى هطي. ناشط جمعوي hte_66@hotmail.com







