ديوان أصدقاء المغرب
بعد انتصارصلاح الدين الأيوبي في معركة حطين وفتح القدس الشريف (خاطب …يعقوب …وأخبره بأنه هزم روم الشام واستأصل شأفتهم وفتح بيت المقدس شرفها الله وجميع تلك البلاد التي كانت بأيدي أعداء الله …من كتاب وصل من الإسكندرية تاريخه في العشر الوسط من شعبان المكرم سنة 583 ) ( 1 ) .
وإذا كان المغاربة قد اهتزوا فرحا للبشرى ( وكان له في النفوس من الفرح والجذل ما لا خفاء فيه ) ( 2 ) فإن الآلة العسكرية الصليبية قد عاودت هجوماتها شرقا وغربا وجعلت بلاد الشام خاصة تعيش ظروفا صعبة خلال أربعة أعوام متوالية ( 585 – 588 ) : ( كان قد اجتمع بصور أهل البلاد التي أخذها السلطان فأرسلوا إلى البحر يستنجون … ووصل الفرنج في البحر عالم لا يحصى … وكانت المراكب في البحر كالجراد المنتشر ونزلوا على عكا ثامن رجب ( 585 ) ( 3 ) .
ولما ( دخل رمضان من شهور خمسة وثمانين وخمسمائة وصل من جانب حلب كتب من ولده الملك الطاهر يخبر فيها أنه قد صح أن ملك الألمان قد خرج إلى القسطنطينية في عدة عظيمة يريد البلاد الإسلامية واشتد ذلك على السلطان وعظم عليه ( 4 ) .
التجأصلاح الدين لواجهة الأحداث إلى ( استنفار الناس للجهاد ) ( 5 ) و (كتب إلى المسلمين يستنجدهم ) ( 6 ) ومن هؤلاء يعقوب المنصور الموحدي ( وكتب السلطان إلى يعقوب أمير المغرب يستنجده ) ( 7 ) .
وفي الأندلس ( قصد بطر بن الريق مدينة شلب من جزيرة الأندلس فنزل عليها بعساكره و أعانه من الفرنج بالبطس والشواني وكان قد وجه إليهم يستدعيهم إلى أن يعينوه … ونزلوا عليها من البرو البحر فملكوها وسبوا أهلها … وتجهيز أمير المومنين في جيوش عظيمة وسار حتى عبر البحر ولم يكن له هم إلا مدينة شلب المذكورة فنزل عليها فلم تطق الروم دفاعه وخرجوا منها ) ( 8 ) .
استقبلالمنصور بعد عودته من الأندلس بمدينة فاس أوائل شعبان 585ه سفير صلاح الدين (لما قدم المنصور من الأندلس إلى فاس و فرغ من شأن ابن منقذ تواترت إليه الأخبار بأن ابن غانية قد ظهر بإفريقيا فنهض إليها من فاس ثامن شعبان فدخل تونس في أول ذي القعدة منها )( 9 ) .
فهل كان المنصور يهدف إلى مهاجمة صقلية استجابة لطلب صلاح الدين (ويمكنه أن يكف … طاغية صقلية ليحصر جناح فلوله أن تطير و يعتقله في جزيرته )( 10 ) الأمر الذي دفع ( وليم الثاني ) ملك صقلية إلى الاستنجاد بأساطيل ( ريتشرد قلب الأسد ) الإنجليزي و (فيليب أوغست ) الفرنسي التي رابطت بالجزيرة أواخر عام 586/1190 و ظلت بها إلى مطلع الصيف التالي ؟( 11 ) .
تؤكد دراستنا للمصادر المعاصرة بأن القائدين صلاح الدين و يعقوب المنصور قد تبادلا السفارات زمن الحملة الصليبية الثالثة و أنهما قد حرصا على السرية التامة في علاقاتهما (كان بلغني أن السلطان رحمه الله لما اشتد أمر الفرنج على عكا أرسل إلى ملك المغرب يستنجد به عليهم ليقطع عنهم مادتهم من جهة البحر و كنت أتطلب حقيقة ذلك و أبحث عن شرح الحال فيه فإن العماد و القاضي لم يتعرضا له في كتبهما غير أن العماد ذكر كتابا كتبه القاضي الفاضل إلى رسولهم بالمغرب يستنجز منه ما كان أرسله لأجله … و غرضي كان الإطلاع على نفس كتاب الرسالة و مضمونها ثم أراني بعض الشيوخ الصلحاء الثقاة بخطه ما كنت أرومه … قال : نسخة كتاب القاضي الفاضل … لابن منقذ يأمره فيه بالسفر إلى الناصر صلاح الدين رحمه الله يستنصر بملك المغرب يعقوب بن يوسف … لما حصر الفرنج خذلهم الله عكا )( 12 ) .
فما الحقائق التاريخية للعلاقات الأيوبية – الموحدية زمن الحملة الصليبية الثالثة ؟ أهم ما تكشف عنه النقاب دراستنا للوثائق المعاصرة :
أولا – التعرف على أوضاع الشرق العربي :
– توالي الحملات الصليبية عبر( سفائن تميز بل مدن تسير فيها الأكابر من الكفار و الأعيان و التجار و المقاتلة المجهزة و القناطر المقنطرة و الأقوات و الؤن )( 13 ) .
– أحوال المجاهدين :
( لو للمسلمينفي هذه الجهة أسطولا … لقطع المادة عما بقي بأيديهم من البلاد)
( 14 ) وذلك بعد أن تحطم القسم الأكبر من القوات البحرية في فك الحصار عن عكا ( استدعى السلطان أسطول فكان يحاصر عكا في البر والبحر … ثم خرج أسطول صور فكبس أسطول المسلمين في الليل ) ( 15 ) .
ولو أن دربة عساكرنا في البحر كدربتها في البر لجعل الله منهم الانتصاف …فلا يؤمن على ثغور المسلمين أن يتطرق العدو إليهم وإليها ويفرغ لها ويتسلط عليها وإذا قسمت القوة على تلقي القادم وتوقي المقيم فربما أضر الإسلام انقسامها ( 16 ) .
ثانيا – التوجه إلى يعقوبالمنصور الموحدي :
( سلطان الإسلام وقائد المجاهدين إلى دار السلام
أولى من توجه إليه الإسلام بشكواه وبثه واستعان به على حماية نسله وحرثه ) ( 17 ) .
( ما رأينا أهلا العزمة إلا حضرة سيدنا أدام صدق محبة الخير فيه ) ( 18 ) ( وما رأينا أهلا لخطابنا ولا كفؤا لإنجادنا …ولا ملبيا بنصرتنا إلا ذلك الجناب " ( 19 ) ( ولما كانت أساطيله المنصورة فإن عددها واف وشطرها كاف ويمكن أدام الله تمكينه أن يمد الشام منه بعدد كثيف ) ( 20 ) .
وإن كانت دون الأسطول موانع … فالمعونات ما طريقها واحدة ولا سبلها مسدودة ولا أنواعها محصورة …فلم ندعه إلا لواجب عليه … فلا ترضى همته أن يعين الكفر الكفر ولا يعين الإسلام وما اختص بالاستعانة إلا لأن العدو جاره والجار أقدر على الجار وأهل الجنة أولى بقتال أهل النار ) ( 21 ) . حتى نتمكن من ( أن نمسك طرفا من حبل الجهاد يكون بيد حضرة سيدنا العالية طرفه و أن نتجاذب أعداء الله من الجانبين ) ( 22 ) .
احتل الصليبيون بقيادة ( ريتشرد قلب الأسد ) و ( فيليب أوغست ) مدينة عكا يوم 17 جمادى الثانية عام 587 هـ / 1191 م ونكلوا بأهاليها (فلم يرد على السلطان خبر أشد منه لأنه كان نقل إليها سلاح الساحل والقدس ودمشق وحلب ومصر ) ( 23 ) كما فرضوا سيطرتهم على مجموع الساحل الفاسطيني حتى غزة والداروم مما أجبرصلاح الدين بأن يفاوض ( ريتشرد قلب الأسد ) ويترك للفرنج ما كان بيدهم وقتئد من المدن الساحلية ونصف بيت المقدس..
لكن (ريتشرد) رفض ذلك لما علم بالظروف الصعبة لصلاح الدين( 24 ) رابط صلاح الدين أواخر عام 587 بمدينة القدس وشرع في تحصين دفاعاتها ( كان هو وأولاده والعلماء ينقلون الحجارة فكان يجتمع عند العمالين في اليوم الواحد ما يكفي لعدة أيام ) ( 25 ) وازداد حصار (ريتشرد ) لصلاح الدين في القدس وقطع عنه كل اتصال خارجي ( جاء الأمراء إلى السلطان وطيبوا قلبه فلما جاء الليل اختلفوا وقالوا لا نقيم إلا أن يكون السلطان معنا وإلا جرى علينا كما جرى على أهل عكا وبلغ السلطان ذلك …وبات ليلة الجمعة ساجدا باكيا ) ( 26 ) . فهل فكر صلاح الدين في الانسحاب من القدس ؟
استقبل يعقوب المنصور الموحدي في مطلع عام 588 / 1192 بمدينة فاس سفير صلاح الدين ( وهم الآن في مدينة فاس حرسها الله …ونحن الآن في شهر رمضان من سنة 587 …وكان اجتماع هذا الرسول وهو عبد الرحمن بن محمد بن منقذ الأزدي سادس محرم 588 بالخليفة الإمام أبي يوسف وخرج من الحضرة بعد ذلك بخمسة أيام ) ( 27 ) ، كما استقبل بعد فترة السفير عبد الكريم بن منقذ ( طالب مدد الأساطيل لتحول بين الأساطيل وبين مراميهم من إمداد الفرنجة بثغور الشام ) ( 28 ) .
استجابالمنصور ( وجهز لصلاح الدين مائة وثمانين أسطولا ومنع الغزاة من ساحل الشام ) ( 29 ) فهل حاولت القوات الصليبية المرابطة بالمشرق العربي قطع الطريق على المساعدات العسكرية المغربية ؟ ( وعزم الفرنج على قصد مصر ثم عدلوا إلى القدس …وجاءهم خلق عظيم …وكان السلطان بالقدس )( 30 ) .
ويؤكد خبر التفكير في التوجه من فلسطين ضد مصر المؤرخ الإخباري لحملة (ريتشارد قلب الأسد ) : ( وعقدوا مجلسا للنظر فيما يجب أن يفعلوه فقرر هذا المجلس أن يتخلوا عن بيت المقدس ويزحفوا على القاهرة …ثم تراجعوا وحاصروا القدس على بعد اثني عشر ميلاد من بيت المقدس ) ( 31 ) .
واعتمادا على نفس المصدر ( ثم تبدلت الحال في اليوم الثاني وجاءت الإمداد إلىصلاح الدين واستولى الملل على ( رتشرد ) وحبس عنه فرسان عكا وصور معونتهم فأرسل يطلب الصلح(32).
رفضصلاح الدين طلب الصلح ( ورأيي أن نتم على الجهاد إلى أن نظهر البلاد منهم فرجعه عن ذلك الأمراء لنفاذ نفقاتهم وطول تعبهم … وجاء رسل الانكتار في طلب الصلح …وعقدت هدنة في البر والبحر مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر أولها سبتمبر الموافق حادي وعشرين شعبان ) 588 / 1192 ( 33) .
ومما يعكس الظروف الصعبة (ريتشرد قلب الأسد ) رسالة التهديد التي بعثها إلىصلاح الدين قبيل عودته ( لما ركب سفينته إلى انجلترا أرسل رسالته الأخيرة إلى صلاح الدين يتحداه ويتوعده بأنه سيعود بعد ثلاث سنين ويستولي على القدس ، وأجابه صلاح الدين بأنه إذا كان لابد أن تقطع يده فإنه يفضل أن يقطعها(ريتشرد)لا أي رجل سواه)( 34 )
اطمأن صلاح الدين على الأوضاع بالشام بعد رحيل ( ريتشرد) وقواته أوائل رمضان 588 هـ / سبتمبر 1192 م إلى حد التفكير في أداء فريضة الحج ( 35 ) .
كان يعقوب المنصور الموحدي في مستوى الأحداث وتابع حروبه ضد القوات الصليبية بالأندلس وهزمها في معركة الأرك يوم 3 شعبان 591 هـ الموافق 14 يوليوز 1195 م التي جاء النصر فيها متمما لانتصار صلاح الدين في معركة حطين قبل ثمانية أعوام ، وتقديرا منه للبطل صلاح الدين الأيوبي لقب ابنه وولي عهده ( بالناصر لدين الله ) .
المقال مأخود من :مجلة التاريخ العربي
المراجع :( 1 ) المؤلف المجهول " الاستبصار " ص . 104 .( 2) " الاستبصار " ص . 106 . ( وقمت بنصر إله الـــــورى فسماك بالملك الناصـــــــــــر فتحت القدس من أرضـــــه فعادت إلى وصفها الطاهــــــر فكم لك بالشرق من حامـد وكم لك بالغرب من شاكـــر ابن جبير " الرحلة " ص . 193 . ( 3 ) أحمد بن إبراهيم الحنببلي ، " شفاء القلوب في مناقب بني أيوب " ص . 106 . ( 4 ) ابن شداد ، " النوادر السلطانية " ، ص . 214 . ( 5 ) المصدر السابق . ( 6 ) " شفاء القلوب " ، ص . 160 . ( 7 ) المصدر السابق، ص . 169 . ( 8 ) عبد الواحد المراكشي "المعجب"، ص.402 .( 9 ) الناصري "الاستقصا " ،ج 2 ، ص.184 .( 10 ) القلقشندي ، " صبح الأ عشى " ، ج 2 .ص . 526 – 530 .( 11 ) ستيفن رنسيمان ، " تاريخ الحروب الصليبية "، ج3 ، ص.79 و ص .95 .( 12 ) أبو شامة المقدسي ، " كتاب الروضتين " ،ج 2 ، ص .170 – 172 ….( 13 ) من رسالة لصلاح الدين حملها إلى يعقوب المنصور السفير (مرهف المنقذي ) .( 14 ) المصدر السابق .( 15 ) "شفاء القلوب " ، ص . 151 . ( 16 ) " صبح الأعشى " ج 6 ، ص . 526 – 530 .( 17 ) كتاب " الروضتين " ، ج 2 ، ص . 170 -172 . ( 18 ) " صبح الأعشى " ج 2 ، ص . 527 .( 19 ) كتاب " الروضتين " ، ج 2 ، ص .172 . ( 20 ) " صبح الأعشى " ج 6 ، ص . 526 – 530 . ( 21 ) كتاب " الروضتين " ، ج 2 ، ص . 170 -172 . ( 22 ) " صبح الأعشى " ج 6 ، ص . 526 – 530 . ( 23 ) " شفاء القلوب " ، ص . 170 . ( 24 ) ( ول ديورانت ) Will Durant ، " قصة الحضارة " ، ج 15 ، ص . 42 . ( 25 )" شفاء القلوب " ، ص . 173 . ( 26 ) نفسه، ص . 175 . ( 27 ) " الاستبصار " ، ص . 256 . ( 28 ) ابن خلدون " المقدمة " ، ص . 256 . ( 29 ) " الاستقصاء " ، ج 2 ، ص . 182 . ( 30 ) " شفاء القلوب " ، ص . 175 .( 31 ) " قصة الحضارة " ، ج 15 ، ص . 43 . ( 32 ) نفسه، ج 15 ، ص . 43 .( 33) " شفاء القلوب " ص . 176 – 177 . ( 34 ) " قصة الحضارة " ، ج 15 ، ص . 44 . ( 35 ) " شفاء القلوب " ص . 178 .
و قد دفع هذا صلاح الدين الى ان يطلب من يعقوب المنصور دعمه باسطوله البحري حتى يتسنى له تحرير ما تبقى من الارض تحت الاحتلال الصليبي
و تحقيقا لهذه الغاية اسرع صلاح الدين بايفاد بعثة دبلوماسية الى البلاط الموحدي برئاسة ابي الحارث عبد الرحمن و قدحل هذا المبعوث بقصر الخلافة بمراكش محملا الى المنصور بالهدايا التالية
مصحفان مكتوبان بالخط المنسوب و هو نوع من الكوفي
مائة و عشر دراخمة ( و هو درهم لقياس الوزن) من البخور
مائتان و عشرون رطلا من عود البخور
ستمائة مثقال من المسك و الكهرمان الرمادي
خمسون قوسا عربية
عشرون رمحا هندية
و عدد كبير من السروج المطرزة بخيوط الذهب
و يقول ابن خلدون ان الخليفة الموحدي اسف اول الامر لعدم تمكنه من تلبية رغبة صلاح الدين الا انه استطرد بان يعقوب المنصور ارسل اليه بعد ذلك اسطولا من مائة و ثمانين مركبا كان كافيا لمنع الصليبيين من الاقتراب من سوريا كما تمكن من تحرير عكا
بتصرف عن موسوعة مذكرات من التراث المغربي تحت اشراف العربي الصقلي







