بيروت، الاربعاء 18 يوليو 2012
بقلم رويدا مروه *
ذاع صيت سياسة "النأي بالنفس" التي انتهجتها الحكومة اللبنانية الحالية برئاسة نجيب ميقاتي في الصحافة اللبنانية والعربية منذ بداية الأزمة السورية وصعود "أسهم" الحسم ضدّ نظام بشارّ الأسد في مجلس الأمن ومجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة وصولا الى تدبير الحكومة الحالية لشؤون لبنانية داخلية ضمن خانة "النأي بالنفس" عن قرارات حاسمة قد تدين حزب لبناني ما او تلقي بالمسؤولية على فريق لبناني ما وهو ما لا تقبله تحالفات "مافيا" مصالح الأحزاب السياسية بكل ألوانها… لكن هذه السياسة التي شغلت اللبنانيين لأشهر بين مؤيد من جهة ومعارض من جهة آخرى ليست "بالانجاز" الحصري أو "العبقري" لميقاتي وحكومته فهي شبيهة الى حدّ كبير بسياسة "دول عدم الانحياز" التي عرفها العالم وهي التي ارادت بعض الدول من خلال انتهاجها تحييد شعوبها عن صراعات القطبين العالميين آنذاك اي الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي…
حين نطالع السياسة الخارجية للمغرب تجاه الصراعات العربية نراها شبيهة الى حدّ كبير بسياسة "النأي بالنفس" التي يعرفها لبنان تجاه الأزمة السورية اليوم.. فلبنان يخاف على مصالحه التي تجمعه مع "أعداء" النظام السوري كما يخشى على مصالح أخرى له مع "أصدقاء" النظام السوري لذلك وقف وقفة الحياد الشهيرة تلك كما أنّه بلد ضعيف وحدوده مع سورية مفتوحة وهو يتأثر سلبا اليوم بكل "خضّة" تصيب سوريا، ولكن بالنسبة للمغرب فهو المملكة القوية اقتصاديا واقليميا لكنه يتعمّد عدم التورّط في دعم طرف عربي دون الآخر لأنه فهم منذ زمن أن العرب "منقلبون" على مصالحهم فكيف لا ينقلبون في مواقفهم!…
اليوم يشهد الشرق الأوسط تنافس محاور أشّد شراسة وعنفا من الحرب الباردة ذلك لأنّه "مغلّف" بما سميّ بالربيع العربي الذي "ظاهره" ثورات شعبية تسعى للتحرّر والديمقراطية ولقمة العيش و"باطنه" تمويلات خارجية لجماعات مسلّحة تارة تحت مسّمى "ثوّار" وأخرى سياسية صاعدة تحت مسّمى "حركات اسلامية" تارة أخرى… وليس أفضل من ما يحصل في سوريا اليوم مثالا على ذلك… فاذا كانت الثورتين المصرية والتونسية "نظيفتين" تماما على صعيد مشاركة الشعب فيهما بأكثر الطرق الشرعية والسلمية في عملية اسقاط النظام وانتخابات مرحلة ما بعد اسقاط النظام فاّن الاحزاب السياسية التي وصلت للسلطة في مصر وتونس ليست "نظيفة" الأيدي تماما من دعم الراعي الرسمي للربيع العربي اي قطر واميركا ووسائل اعلامهم وسط بقاء رموز الانظمة السابقة حرّة طليقة دون عقاب في كلا البلدين…
وسط هذه التفاوتات في مستوى انجازات وانعكاسات الربيع العربي بين الدول العربية خرج المغرب وحده بأكبر المكاسب الاصلاحية بدستور جديد وانتخابات برلمانية نزيهة وحكومة باغلبية اسلامية بفعل حراك شعبي تجسد في صناديق الاقتراع وبدون دماء تسيل في الميادين والساحات والشوارع للوصول للتغيير… لكن المغرب المعروف عنه انتهاج سياسة "النأي بالنفس" -منذ عهد الحسن الثاني وصولا الى محمد السادس- عن الصراعات العربية العربية من جهة والصراعات الداخلية العربية من جهة أخرى يغرق منذ ساعات في وحل الأزمة السورية دون أن يدري… هي أزمة بالفعل ونعترض على تسميتها "بالثورة" ليس تأييدا للأسد ونظامه بل لأن الثورات الشعبية الحقيقية التي اندلعت في عهد الربيع العربي كمصر وتونس والبحرين بدأت سلمية وأكملت سلمية ولا زالت تحصد انجازاتها وتدافع عن أهدافها بسلمية تامة… امّا في سوريا، فالجماعات المسّلحة التي يسمون افرادها "ثوار" تموّل وتسّلح وتدرب من الخارج والجماعات نفسها لا تخجل بذلك، ولكنها تريد ايهامنا ان "غاية" اسقاط نظام قمعي تبرّر "وسيلة" التمويل من الخارج… وما أفظع هكذا خلط "مفاهيم" بين الوطنية والولاء الأعمى للخارج…
هذه "الأزمة" السورية لم تتّسبب حتى اليوم سوى بانشقاق سفير واحد لسوريا في الخارج وبضع عناصر عسكرية برتبة ضابط ومجنّد وهذا ما لا يحتاج لرأي محلل عسكري ليؤكد ان نظام الاسد صامد عسكريا وامنيا واستخباراتيا مقابل قادة يسمون انفسهم معارضة وهم مختلفون امام ابسط الممارسات السياسية في ضبط العنف الذي يصدر عن الجماعات المسلحة وينسحبون من مؤتمرات "أصدقاء" سوريا عند أبسط كي لا نقول "أسخف" خلاف في وجهات "الغنائم"…
قبل ساعات قليلة خرج علينا الاعلام بخبر طرده السفير السوري من الرباط باعتباره غير مرّحب به… ولهذه الخطوة تساؤلات كثيرة مشروعة يجب على الرباط والعواصم العربية كلها ان تجيب عليها وتفكر فيها… اولا اذا كان السفير السوري غير مرّحب به بسبب عدم انشقاقه حتى الآن عن نظام الأسد فلماذا انتظر المغرب كل تلك الأشهر ليطلّل علينا بهذا القرار!… ثانيا ما الذي دفع المغرب لتغيير سياسة "النأي بالنفس" لأجل عيون العرب المتاضمنين لأول مرة ضد "الأسد"!…هل قرر المغرب تغيير هذه السياسة واتخاذ قرارات جريئة عربيا ام ان الظروف تفرض نفسها على الملكية اليوم لتبني موقف من هذا النوع؟… ثالثا وفي ما يخص التحليلات التي تقول ان المغرب اراد ان يقوم باي مبادرة عملية لدعم دماء السوريين علما ان المغرب لم يعلن علنا دعمه للثوار الليبيين في بداية نضالهم ضد القذافي وعلما ان دماء ليبية كثيرة كانت تسقط في حين ترّيث الرباط وقتها لانه يعرف ان مصالح المغاربة المدنيين داخل ليبيا مهمة ولا يمكن المجازفة بها مع نظام مجنون كالقذافي.. رابعا والأهم نتساءل لماذا يطرد المغرب اليوم سفير سوريا ولا يطرد سفير البحرين بعد موجة دماء واعتقالات وتعنيف يعاني منها الشعب البحريني البريء في وجه النظام هناك منذ اشهر طويلة؟…
إمّا ان تكون كل الدماء العربية غالية بنفس المقدار لدى الأنظمة العربية والّا اصبحت جميعها شبيهة بقطر التي ترى في سوريا ثورة ولا ترى في اعتصامات دوار اللؤلؤة وأحداث القطيف سوى مؤامرة ايرانية لدعم شيعة البحرين والسعودية!… وليتذكرالمغرب يوم استغل الاعلام الاسباني دماء شعبه خدمة لمصالح جهات معادية له فقد اصدرت المحكمة الابتدائية في بروكسل حكمها الشهر الماضي فقط ضدّ قناة انتينا 3 التلفزيونية الاسبانية لنشرها صور جثث قتلى وجرحى سقطوا في دراما عائلية من قبل رجل مختل عقليا في الدار البيضاء في وقت سابق من عشرة أشهر خارج السياق لاتهام الأمن المغربي باتسخدام العنف ضد المعتصمين مخيم صحراوي (اكديم ايزيك) في 08 تشرين الثاني 2010 قرب مدينة العيون (الصحراء المغربية)… وقتها خرج المغرب بحكومته واعلامه الرسمي وجمعياته مدافعا شرسا ضد الاسبان لتشويههم حقيقة اعتصام شهدته أرض البلاد واتغلا دماء جريمة عادية لتصويرها على انّها عنف ممارس من قبل الأمن المغربي… اذن ليس على المغرب ان يتجاهل اليوم دماء البحرينيين بحجة تحييد نفسه عن صراعات داخلية تطبيقا لسياسة طويلة العمر اتبعها القصر في تدنب وحل النزاعات العربية ويأتي اليوم ليعتبر السفير السوري شخص غير مرّحب به…
لا نريد للمغرب ولا لاي بلد عربي ان يخطو خطوات "اهل الخليج" الذين يرون في سوريا نظاما يقمع ويقتل وينّكل بابنائه ولا يرى في الجماعات المسّلحة اي تبعية للخارج ولا يرى في العائدين من الجنسيات المختلفة من القتال الى جانب هذه الجماعات تورطهم بدماء الشعب السوري.. ولا نريد للمغرب ان يصبح اعلامه كاعلام الخليج يرى في انتفاضة السوريين ثورة ولا يرى في ثورة دوار اللؤولؤة واهل القطيف اي شيء سوى مخرّبين ومزعزين لأمن البلاد… امّا ان يحيد المغرب نفسه عن كل شيء فينأى بنفسه نهائيا عن وحل السياسة العربية واما ان يوّحد معايير احترام حقوق الانسان في مقاربته للثورتين السورية والبحرينية والسعودية…
* رويدا مروه، صحافية وناشطة لبنانية
الصفحة الرسمية على موقع الفايسبوك





