لا ينبغي للعنوان أن يذهب بنا إلى الظن بأننا نبخس حق الثقافة في أن تكون، ونحط من قيمتها وضرورتها، وأهميتها في الحال والمآل، كحالة مركوزة ومتغلغلة في سلوكنا ومعيشنا، ونسيج علائقنا مع الناس والأشياء والعالم، أو كمشخصات فنية وجمالية تتمرأى في المعمار، واللوحة، والقطعة الموسيقية، والمنحوتة، والسجاد المزركش والمنمنم، والقصيدة الشعرية، والنص القصصي والروائي، والمسرحية، والمصنف الفكري والفلسفي. كما لا يجوز أن يفهم منه انحسار دور المغرب ثقافيا قياسا إلى البلدان الأخرى، وضآلة تمثيليته فنيا في الزمكان، والجهات، لأنه قصر أن ينفع ويمتع الناس، ويمدهم بنبضات الفكر، ونسغ الأدب، وسُلافة الفن، ورحيق الجمال. ما قصدت هذا ولا ذاك، ما قصدته يحيل على مرحلة كولونيالية استمرت عقابيلها حتى بعد انطفائها، ورحيل "الأقدام السوداء". إذ كما لا يخفى، اعتبر المغرب الخاضع للاستعمار، مغربين: مغرب نافع، ومغرب غير نافع. فالنافع هو البقرة اللبون، والضرع المدرار، والأراضي المزهرة والخصبة المعطاء المترامية، والبحر الهاديء والهادر الذي تتواثب أسماكه، وتضحك شباك صياديه، المغرب الموجود في المساحة الممتدة من القنيطرة إلى الدار البيضاء تحديدا؛ ومغرب غير نافع سمته اليباس، وعنوانه القحط والإمحال، وهو المغرب الشرقي الممتد من تازة إلى وجدة وضواحيها وأطرافها، مرورا بجرسيف، وتاوريرت، ولعيون الشرقية، وانحدارا نحو جرادة وعين بني مطهر، وصولا إلى فكيك.
ظل المغرب الشرقي –كما يعرف المغاربة- نسيا منسيا، مهملا ومبعدا وغير مفكر فيه من قبل الدوائر الرسمية، والدولة المركزية، تماما كما كان حاله إبان العهد الكولونيالي. بل تُرِكَ أهله فريسة لحرس الحدود، وتبادل سلع الحدود، أو الهجرة زرافات وبالدزينة إلى الديار الأجنبية: (فرنسا- بلجيكا- هولندا- ألمانيا)؛ وعلى رغم عطاء أناسه وشبابه في كثير من الميادين رياضية كانت (في البال كرة الركبي، وكرة القدم :المولودية الوجدية في عز تألقها..)، أو اقتصادية: (ما أكثر ما ضخت معامل جرادة للفحم الحجري من مال في خزينة الدولة)، أو علمية أو تربوية، أو ثقافية؛ على رغم كل هذا وغيره، استمر شرق المغرب يفتقر إلى التجهيزات الأساسية، والبنيات التحتية التي لا مناص منها كأسس ومداخل للاستقرار، والبناء، وحافز على رفع منسوب الحس الوطني إسوة بمواطني باقي الجهات وبالبلاد.
فلم تحظ وجدة كعاصمة الشرق، وكمدينة حدودية متاخمة للجزائر غربا – وما يقتضيه ذلك من ضرورة تأهيلها وإعمارها على كافة المستويات- بجامعة كالرباط وفاس والبيضاء ومراكش إلا في السنوات الأخيرة. ولم تعرف مشافي وعيادات متخصصة في الأمراض العضال والمستعصية إلا مؤخرا، لتفضيل الأطر المتخرجة العمل بمحور القنيطرة- البيضاء، على أساس من أسباب الحياة والتمدن المتوافرة في المحور المذكور، وغير الموجود قطعا في شرق الوطن. وقس على ذلك مجمل القطاعات الاقتصادية، والاجتماعية، والخدماتية التي لم تر النور إلا بعد أن قيض الله لها من التفت إليها، وجدد دمها، وحدب عليها، وأولى عنايته الكبيرة بها، فشق وعبد إليها الطريق السيار، وقبل ذلك، أطلق الأوراش الإصلاحية الكبرى على صُعُدٍ مختلفة، وحرص على تتبعها وتنفيذها حتى لا تكون تدشينات في الهواء. أضفى عليها حراكا نسبيا وَجِدَّةَ ولمعانا، أنسى سكانها ذلك الوصف الكاذب والمضحك: "عروس المغرب الشرقي"، والحال أن العروس كانت في الأسمال، ووجهها مغطى بالبثور والندوب، طلاؤه الغبار والسخام، فلولا الملك محمد السادس الذي اسْتَنَّ القطع النهائي مع عهد الإهمال والإغفال للشرق والشمال، لظل الحال هو الحال.
غير أن وَجْدَة لازالت في حاجة إلى إنهاض ثقافي عام، إنهاض يتيح لها، ولجِيرَتِهَا وجوارها، الكشف عن مقوماتها الفنية، وإمكاناتها الجمالية، وكنوزها الثمينة المخفية، مايعني: ضرورة إيلائها الاعتبار الفني الكبير من خلال إحداث / إطلاق مهرجان موسيقى وغنائي باذخ، يجمع شتات كبار فنانيها وشعرائها الشعبيين، وزجاليها، ومسرحييها الأفذاذ. مهرجان سنوي يضرب موعدا للمغاربة، وغير المغاربة ليحجوا إلى عاصمة البلاد الشرقية، وليقفوا على خصوصية رقصاتها الشعبية فادحة الغنى والجمال، الحبلى بالدلالات الميثولوجية والتراثية، والموحية بالعنفوان الرجولي، وروح المقاومة والحياة، ومجد التاريخ: [لعلوي- النهاري- المنكوشي..]؛ وأغانيها الشعبية الذائعة التي تُوسِعُ للغزل والوصف والحكمة، والقيم الرفيعة، وذَمِّ الغدر والهجران، حضنا رؤوما ورفيقا بها. علاوة على الطرب الغرناطي الشجي البديع الذي توقعه أنامل أثيرية وردية مبهرة كأقلام من الضوء السائل: (أليست أنامل نساء؟)، وتصدح به حناجر بلابلية وملائكية. والموسيقى الوجدية العصرية مع تَتْبِيلِ ذلك بموسيقات وأهازيج تكميلية مغربية وجزائرية وتونسية، وليبية.
ذلك أنه، وما لم نستثن أماسي "السعيدية" التي يتم تنظيمها في عز الصيف والاصطياف، والمتسمة بالسرعة، والفوضى والإرتجال، فلن نعثر على ما يبدي ويظهر خصوصية المغرب الشرقي مشخصا في مدينة "وجدة" التاريخية، ولن نجد ما به تنماز المدينة، وتتوهج في إطار من التكامل والإثراء مع مدن البلاد طولا وعرضا.
وتأسيسا عليه، فإننا ننتظر اهتماما بالفكرة، وبلورة لها، وأجرأة وتهديفا، إسوة بفاس التي تنظم:(الموسيقى الروحية- أناشيد السماع والمديح- والموسيقى الأندلسية- أيام الفيلم المغربي بفاس)، والرباط: (مهرجان موازين- مهرجان سيما المؤلف)، ومراكش: (مهرجان الفيلم الدولي – ومهرجان الفنون الشعبية)، وأصيلة : (الملتقى السنوي للأدب والفكر والشعر)، وطنجة: (المهرجان الوطني للفيلم السينمائي)، وتطوان: (المهرجان السينمائي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسط- ومهرجان العود الدولي)، وسيدي قاسم: (مهرجان السينما المغربية)، وخريبكة: (مهرجان الفيلم الوثائقي، والسينما الإفريقية)، ومكناس (المهرجان السنوي المسرحي)، وأكادير: (مهرجان السينما- ومهرجان الموسيقى والغناء: تيميتار)، والصويرة: (مهرجان موسيقى وغناء كناوة الدولي).
وننتظر –من جهة أخرى- أجرأة توصيل معرض الكتاب الدولي إلى شرق المغرب، بالتداول والتناوب، وكسر لاحتكار وامتياز العاصمة الاقتصادية، ولم لا، التفكير في إحداث موعد سنوي أو موسمي يحتفي بالقراءة والكتاب، ويستعيد "عكاظ وجدة" الشعري المأسوف عليه، في حال تعذر إقامة معرض دولي وصالون للكتاب.
ثم يستوجب الإنصاف، وإعمال مسطرة الاختلاف والتكامل والتنويع والتعديد، المناداة على مبدعي وشعراء وجدة والمحيط، وإشراكهم –على غرار زملائهم- في الأماسي الشعرية المنظمة هنا، وهناك، وفي فعاليات المعرض الدولي للكتاب. دعونا مما يُوصَمُ به –عادة- ثلة من شعراء المغرب الشرقي بكونهم شعراء "الدعوة الإسلامية"، علما أن لهؤلاء الشعراء أصواتهم المخصوصة، ولغاتهم، قصدت بناءاتها، وكيفيات تشغيلها جماليا وفنيا في النص، علاوة على احتفائهم –في الغالب الأعم- بالتفعيلة، كأس عروضي، وناظم إيقاعي مركزي في تجربتهم الشعرية كما هو الحال في بعض تجارب الشعر الحديث والمعاصر عربيا.
لنضع حدا – هل نحن ديمقراطيون، نؤمن بالاختلاف؟- لهذا النسيان المتعمد، والإقصاء الممنهج الأشبه بالقتل. ينبغي أن نجعل من الاختلاف والإنصات، والتفاعل الإيجابي، شرعة ومنهجا وقناعة راسخة في حياتنا. ثم إن الاختلاف يوجب الحوار بما يفيد الإغناء والإثراء. والتوسعة الإبستمولوجية ، والرحابة الفكرية التشاركية.
ولننس –بالمرة- تسمية عاشت فينا طويلا-: المغرب غير النافع، وإلاَّ فسنعتبر المغرب الثقافي غير النافع في شرق البلاد، موجودا بالقوة وبالفعل، وبالتواطؤ والقصد.
من هنا بداية اختبار صدقية أطروحة "المغرب الثقافي الجديد" و"ثقافة القرب" التي جاءت على لسان وزير الثقافة الجديد الأستاذ أمين الصبيحي، وتكررت مرارا في لقاءاته المسؤولة مع الجمعيات الثقافية الوطنية، وفي تصاريحه الصحفية. أم علينا أن ننتظر إعمال آليات الجهوية المتقدمة، التي نص عليها الدستور، في مستقبل الأيام، أو في غضون الشهور القادمات، لتقول كلمتها، إذ يتردد في المقاربات الفكرية والسياسية، والحقوقية والقانونية لمعنى ومفهوم الجهوية المتقدمة أو الموسعة، كيف أن المقومات الاجتماعية والاقتصادية ذات الخصوصية والمتاح من الإمكانات الذاتية، والخصائص الجهوية، والسمات الثقافية المائزة، هي ما سيشكل المداميك البانية، والأبعاد الاستراتيجية لكل جهة.. جهة.





