إلياس أبو جودة/ بواسطة أصدقاء المغرب
يشهد العالم منذ أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تفاقم التحديات البيئية العالمية، وخصوصاَ ظاهرة الاحتباس الحراري، والتغير المناخي، وثقب طبقة الأوزون، وتلوّث الهواء والمياه العذبة ومياه البحار والمحيطات، وفقدان التنوّع الإيكولوجي، وندرة بعض الموارد الطبيعية، وغيرها.
أمام هذه المعطيات، لم تعد المسائل البيئية مشكلة وطنية تقف عند حدود الدولة فحسب، بل أصبحت مسألة إقليمية وعالمية. فالمشكلات البيئية أصبحت تطال الإنسان في الدول النامية والدول المتقدمة على حد سواء، وتسهم في تهديد الاستقرار في هذه البلدان. كما أضحت هذه المتغيّرات البيئية العالمية، ضمن قضايا دولية مهمّة أخرى، كالديموقراطية، وحقوق الإنسان، والتنمية ومكافحة الإرهاب، تتصدّر قائمة اهتمامات المجتمع العالمي التي يسخّر من أجلها التقنيات والتكنولوجيات الحديثة كلّها سعياً وراء إيجاد حلول مجدية لها. وبالتالي، انصبت جهود الإدارة العالمية من منظمات دولية وإقليمية ودول ومنظمات دولية غير حكومية وشركات متعددة الجنسيات من أجل إيجاد خيارات بديلة في مجال الطاقة المتجددة (Renewable Energy)، لتفادي تداعيات الأخطار البيئية. وقد جرى العمل من قبل خبراء البيئة في العالم على إجراء تحسينات في كفاءة الطاقة حول العالم والتحول إلى الموارد المنخفضة الكربون والمتجددة والصديقة للبيئة مثل طاقة الشمس والرياح والمياه والطاقة الحيوية والطاقة الأرضية الحرارية.
وقد ساهم التعاون الدولي في صياغة سياسات الطاقة العالمية، فهناك حالياً اهتمام وتنافس متزايد نحو الاستثمار الجاد في تطوير برامج وتكنولوجيات الطاقة البديلة، وتبني التكنولوجيا الخضراء واستخدامها في مجالات عدة ، والتي ستشكل في مجموعها طاقة المستقبل. وتكمن أهمية الطاقة المتجددة بأن تصبح المصدر الرئيس للطاقة في البلدان الفقيرة والمناطق النائية، خصوصاً أن هذه المناطق سيما منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والاتحاد الأوروبي… تتوافر فيها ظروف مناخية مؤاتية (أشعة الشمس، الرياح…)(1).
إنّ عملية استشراف دور المجتمع العالمي في مجال الطاقة المتجددة لمعالجة المشكلات البيئية تفتح أمامنا مجالاً واسعاً لطرح مجموعة من التساؤلات حول كيفية الحصول على مصادر الطاقة المتجددة وحجم استثمارها، وإذا كانت جميع الدول تستفيد من التكنولوجيا الخضراء بنسبة كبيرة من إجمالي موارد الطاقة المستعملة؟، إلى جانب البعد البيئي الايجابي، هل تؤثر الطاقة البديلة في الحقل الاجتماعي والاقتصادي على الصعيد الوطني والعالمي؟
وفي محاولة مواكبة هذا التطور التقني في مجال الطاقة، تكون منهجية المعالجة في هذا الموضوع قائمة على:
المنهج الواقعي: الذي يشخّص واقع الطاقة البديلة المستخدمة في البلدان النامية والمتقدمة.
المنهج الكمّي الإحصائي: الذي كان لا بد منه لعرض حجم الاستثمار العالمي في مجال التكنولوجيا الصديقة للبيئة وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية من خلال معطيات رقميّة ملموسة.
المنهج التحليلي: لدراسة نتائج الإحصاءات المستخلصة لمسألة الطاقة المتجددة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، وتحليل عناصرها للوقوف على المعطيات المتعلقة بهذه النتائج، توخياً للإيضاح.
وبغية الإحاطة بالموضوع من جوانبه كافة، تقوم الدراسة على فصلين: الفصل الأوّل يتناول أنواع الطاقة المتجددة وحجم استثمارها حيث يتم التعرف إلى الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، الطاقة النباتية أو الوقود الحيوي وتأثيراتها الاجتماعية والطاقة الجيو- حرارية، ونسبة امكانية استخدام هذه الطاقة البديلة في مجالات متعددة، أما الفصل الثاني تناول الآثار الإيجابية للاقتصاد الأخضر حيث تم التطرق إلى الوظائف في مجال الطاقة البديلة، العمالة في قطاع الأبنية المقتصدة بالطاقة، فرص العمل في وسائل النقل النظيفة والعمل في قطاع الزراعة.
أولاً: أنواع الطاقة المتجددة وحجم استثمارها
تعرَف الطاقة المتجددة بأنها مصدر للطاقة لا ينضب وقابل للتجديد بسرعة. ويتم الحصول على الطاقة المتجددة باستغلال الظواهر الطبيعية العادية كطاقة الرياح أو الطاقة المائية أو الطاقة النباتية أو الطاقة المتأتية من الكواكب الأخرى كأشعة الشمس أو تلك التي تصدر من صلب الأرض (الطاقة الجيوـ حرارية). وأكد تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في أول تموز لعام 2007 أن الاستثمارات في مجال الطاقة البديلة حققت مستوى قياسياً جديداً في عام 2007 رغم تقلبات أسواق المال. وأشار التقرير إلى أن المخاوف المتعلقة بالتغير المناخي وارتفاع أسعار النفط وأمن الطاقة وزيادة الدعم المقدم من حكومات العالم دفع باستثمارات الطاقة إلى رقم قياسي بلغ 148 مليار دولار عام 2007 بزيادة قدرها 60% عن الاستثمارات في عام 2006. وحول الاتجاهات العالمية في استثمارات الطاقة، يظهر التقرير أن طاقة الرياح جذبت أغلب الاستثمارات في عام 2007، حيث استأثرت بمبلغ 50.2 مليار دولار. لكن الطاقة الشمسية هي أكثر القطاعات نموا، حيث جذبت نحو 28.6 مليار دولار من رؤوس الأموال الجديدة، كما أنها تنمو بمعدل سنوي يبلغ في المتوسط 254% منذ عام 2004. وذهبت أغلب الاستثمارات في مجالات الطاقة البديلة أو ما بات يعرف "بالتكنولوجيا الخضراء" إلى أوروبا تتبعها الولايات المتحدة، لكن دولاً مثل الصين والهند والبرازيل أضحت تجتذب الاستثمارات بشكل متزايد وزاد نصيبهم من 12% في عام 2004 إلى 22% في 2007، أي ما يعادل من 1.8 مليار دولار إلى 26 مليار دولار حالياً. من جانب آخر، أظهر التقرير أن الاستثمارات في قطاع الطاقة النظيفة في أفريقيا زاد خمسة أمثال ليصل إلى 1.3 مليار دولار العام 2006 بعد انكماش تدريجي بدأ عام 2004. وأضاف التقرير أن الطاقات المتجددة أصبحت تمثل 23% من إمدادات الطاقة الجديدة، ومن المتوقع أن ينمو قطاع الطاقة المتجددة إلى 450 مليار دولار عام 2012 والى 600 مليار عام 2020(2).
وفي هذا السياق، نتج عن قمة الاتحاد الأوروبي في 9 آذار 2007 بشأن الطاقة وتغير المناخ، الاتفاق على خطة عمل لوضع سياسة أوروبية للطاقة ويجرى تنفيذها إبتداءً من العام 2009. وبموجب الاتفاق، تعهدت الدول الـ 27 الأعضاء بزيادة حصتها من الطاقات المتجددة بنسبة 20% في المتوسط من اجمالي استهلاك الطاقة بحلول سنة 2020(3). كما التزمت الدول الأعضاء تحقيق ما لا يقل عن 10% من استهلاك وقود النقل من الوقود الحيوي. كما تمت الموافقة على خفض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون بنسبة 20% عن مستويات عام 1990 بحلول سنة 2020، بغض النظر عن التقدم المحرز في المفاوضات الدولية لمرحلة ما بعد اتفاق كيوتو. كما ينبغي على الدول الصناعية الأخرى بما فيها الولايات المتحدة اتخاذ خطوات مماثلة(4).
الطاقة الشمسية
تتمثل هذه الطاقة في إنتاج الحرارة بتحويل الطاقة الكامنة في أشعة الشمس. تستقطب هذه الطاقة حرارة الشمس وخلاياها الضوئية وتنقلها الى دورة ماء لتزود المساكن بالماء الساخن أو التدفئة. وهناك طرائق عدة لاستغلال الطاقة الشمسية بفعالية، يمكن تصنيفها في ثلاث فئات رئيسة، هي التطبيقات الحرارية وإنتاج الكهرباء والعمليات الكيميائية، والتطبيقات الأوسع استعمالاً هي في مجال تسخين المياه. ويتزايد توليد الكهرباء حالياً بواسطة النظم الفوتوفولطية والتكنولوجيات الحرارية الشمسية إذ ترتكز على تحويل أشعة الشمس إلى كهرباء باستعمال لوحات شمسية. تكمن فوائد الخلايا الضوئية الفولتية في قدرتها على تحويل الطاقة الشمسية مباشرة إلى كهرباء وفي سهولة استعمالها، ما يجعلها قابلة للاستعمال خصوصاً في البلدان النامية حيث تنعدم المولدات الكهربائية الضخمة. ويجدر التنبه إلى أن مردود هذه الخلايا يظل محدوداً، إذ تعتمد كمية الطاقة المتحصل عليها، على الموقع الجغرافي وترتبط بالظروف المناخية، كما أن مدة استعمالها لا يتجاوز العشرين عاماً. وتسمح هذه الوسائل بالاستعاضة عن طاقة الوقود الأحفوري (مثل النفط والفحم)، ولكن ثمة مشكلة في تخزينها لأنه يتعذر الاحتفاظ بتلك الطاقة على مدى سنوات. وفي المقابل، من المستطاع إستعمالها في إنتاج 50% من الطاقة الضرورية للتدفئة. ولا تزال كلفة الطاقة الشمسية الحرارية باهظة نسبياً، ويرجع ذلك الى إرتفاع قيمة الإستثمار المطلوب لإنشائها، والذي لا يمكن إسترجاعه إلا بعد مدة طويلة نسبياً، قد تمتد بين 10 و 15 سنة (5).
وفي هذا السياق، أشار تقرير منظّمة غرينبيس في 7 تشرين الأول لعام 2005 بعنوان "الطاقة الحرارية الشمسية المركزة" إلى أن الطاقة الشمسية كفيلة بتأمين الكهرباء النظيفة في غضون عقدين لأكثر من 100 مليون شخص في المناطق الأكثر تعرضا للشمس في العالم مع حلول العام 2025. وتشجع غرينبيس صانعي القرار على دعم هذه الصناعة المستدامة الحديثة والاستثمار في هذه التكنولوجيا الجديدة. كما يوضح التقرير كيف يمكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تصبح المركز الرئيس لإنتاج الطاقة الشمسية في العالم وأن تتمتع بقدرة تصدير هذه الطاقة إلى أوروبا6. وأشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة/المكتب الإقليمي لغرب آسيا في دراسة شاملة حول الوضع الراهن للطاقات المتجددة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2006 إلى أن المنطقة العربية تتمتع بثروة هائلة من الطاقة المتجددة، إضافة إلى مواردها النفطية والغازية. فهي تمتاز بأعلى سطوع شمسي على الأرض، لكن على رغم الفرص الواعدة، فإن برامج الأبحاث والتطوير ونقل التكنولوجيا والتطبيقات العملية ما زالت أقل كثيراً مما هو متيسر أو مطلوب. وتعتبر إمكانات الموارد الطاقوية الشمسية ممتازة في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يراوح الإشعاع الشمسي السنوي بين 4 و8 كيلوواط/ساعة على المتر المربع. وتحظى المنطقة أيضاً بمستوى عال من الإشعاع الشمسي المباشر، إذ أن معدلاتها تزيد على 1800 كيلوواط/ساعة على المتر المربع في السنة وانخفاض في معدل تواجد الغيوم(7).
وبالتالي، إن المستقبل واعد في تلك المنطقة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الحرارية الشمسية المركزة والنظم الفوتوفولطية(8). وقد ورد في شبكة سياسة الطاقة المتجددة للقرن الحادي والعشرين (REN21) لعام 2009 أن الانتاج العالمي للطاقة الشمسية بلغ 20 جيغاواط. حيث تحتل الصين المرتبة الأولى بنسبة 3,80% ويليها الاتحاد الاوروبي بنسبة 5,9 % ، ومن ثم تركيا بنسبة 5,3% (9).
وأيضاً، أشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ايرينا، الذي انعقد في ابو ظبي في 24ـ25 تشرين الأول 2010، إلى أن كل كيلو متر مربع من أراضي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يتلقى قدراً من الطاقة الشمسية سنوياً يعادل 5,1 مليون برميل من النفط الخام. ورغم وفرة تلك الطاقة، أبدت الدول العربية تباطؤاً في تبني تقنيات توليد الطاقة الشمسية، الأمر الذي يرجع لأسباب منها احتياطيات الوقود الأحفوري الهائلة التي تتمتع بها تلك الدول، فضلاً عن دعم حكوماتها للطاقة لفترة طويلة. بيد أن الأولويات بدأت في التغيير، ويتطلع الأردن إلى إنتاج 7% من احتياجاته من الكهرباء من خلال مصادر الطاقة الشمسية بحلول عام 2015 بينما تهدف أبوظبي إلى إنتاج نفس النسبة بحلول عام 2020 فيما ترغب الكويت في إنتاج 5% بحلول عام 2030. وأعلنت مصر أنها تهدف إلى توليد20% من احتياجاتها من الكهرباء من مصادر طاقة متجددة بحلول عام 2020، بينها أقل من اثنين بالمائة من الطاقة الشمسية. ولعل ما يدعم الطموحات الشمسية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تلك الخطط الرامية إلى إنشاء محطات الطاقة الشمسية المركزة، والتي تقل تكلفتها الرأسمالية عن تكاليف محطات الطاقة الكهروضوئية (توليد الكهرباء من خلال الخلايا الشمسية. وأوشكت الجزائر على استكمال أول محطة للطاقة الهجينة بقدرة 150 ميجاوات في منطقة حاسي رمل. كما يتوقع أن تستكمل مصر والمغرب مشروعاتهما الخاصة بالطاقة الهجينة بحلول نهاية العام 2011. وتجمع محطات الطاقة الهجينة بين مستقبل حراري شمسي وتوربين غاز لزيادة فعالية مولدات الكهرباء التي تحرّكها توربينات بخارية. ومعظم تلك المحطات يولد أقل من 15% من طاقته من المستقبل الشمسي(10) .
ومن جهتها، أطلقت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل (مصدر) أكثر مشروعات الطاقة الشمسية المركزة تقدُّما في المنطقة، وهو مشروع "اسم شمس 1". وتعكف "مصدر" على بناء مدينة خالية من الكربون بتكلفة 22 مليار دولار في الصحراء بالقرب من أبوظبي، تعتمد بشكل كلي على مصادر الطاقة المتجددة، بما فيها الطاقة الشمسية. وستكون أول مدينة في العالم خالية من الإنبعاثات الكربونية والسيارات والنفايات ومن المتوقع إنجازها سنة 2016 في إطار خطة تنمية أبو ظبي 2030. إضافة الى ذلك، تسعى المدينة إلى استقطاب كفاءات وخبراء في قطاعات الطاقة المتجددة، والنقل المستدام، وإدارة النفايات، والمحافظة على المياه ومعالجة المياه المبتذلة، والإنشاءات والمباني الخضراء، والتدوير، والتنوع البيولوجي، ومكافحة التغير المناخي، وتمويل المشاريع الخضراء. ومن خلال ذلك يؤمل أن تحقق وفراً يتجاوز بليوني دولار من النفط على مدى 25 عاماً، وأن تؤمن ما يزيد على 70 ألف فرص عمل وتساهم بأكثر من 2 % من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لإمارة أبو ظبي. وثمة مشاريع شمسية كبيرة تجري حالياً في المملكة العربية السعودية والكويت وتونس. ويقوم مشروع مدينة الطاقة قطر، الذي تبلغ تكلفته 6,2 مليار دولار، على فكرة مماثلة، وهو عبارة عن منطقة تجارية تعمل بالطاقة النظيفة ومن المقرر استكمالها بحلول عام 2012.
وفي إطار تنشيط الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة الشمسية لتحسين إنتاج الطاقة، خصصت المجموعة الدولية للطاقة المتجددة مبالغ مالية كبيرة في استثمارات في مشاريع الطاقة الشمسية في الاتحاد الأوروبي. ولهذه الغاية، أنشأت المجموعة الدولية محطات لتوليد الطاقة الشمسية في فرنسا، وقد أنفقت الشركات ما يقرب من 15 مليون يورو لهذا المشروع، والتخطيط لاستثمار إضافي بحوالي 140 مليون يورو في مرافق أخرى للطاقة الشمسية في أوروبا. وسيتم الانتهاء من مشروع للطاقة الشمسية في إيطاليا بحلول نهاية عام 2011 وهذا المصنع سوف ينتج ثلاثة ميغاواط / ساعة من الكهرباء سنويا. وقد تم الاعتراف من قبل شركة الرابطة الكندية للصناعات الطاقة الشمسية (CanSIA) لتطوير وبناء أكبر محطة لتوليد الكهرباء في كندا (الكهرو ضوئية) (11).
طاقة الرياح
أشار تقرير الجمعية العالمية لطاقة الرياح (WWEA) لعام 2006 إلى أن تكنولوجيا طاقة الرياح أكثر مصادر الطاقة ديناميكية، وأفضل حل واعد بديلاً من الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء. تعتبر طاقة الرياح من أهم مصادر الطاقة المتجددة، فقد زادت قدرة توربينات الرياح على توليد الطاقة من 100 كيلوواط في العام 1981 إلى 5000 كيلوواط في العام 2006. كما باتت تكاليف طاقة الرياح تنافس الطاقة التقليدية، حيث بلغت تكلفة إنتاج الكيلوواط من طاقة الرياح 1000 دولار بينما وصلت تكلفة إنتاج الكيلوواط من الطاقة التقليدية إلى 800 دولار. وتولد طاقة الرياح حالياً أكثر من 1% من الاستهلاك العالمي للكهرباء. واعتماداً على التطور المتسارع، تابعت طاقة الرياح نموها الديناميكي العالمي ليصل مجموع الطاقة المركبة عالميا إلى 904,73 ميغاواط خلال عام 2006، 70% منها في دول السوق الأوروبية(12). وزادت الجمعية العالمية لطاقة الرياح توقعاتها لسنة 2010 إلى 500 ,203 واطميغا(13).
وأشار تقرير الجمعية العالمية لطاقة الرياح لعام 2009 إلى أن عدد العاملين في هذه الصناعة في العالم يبلغ نحو 100 ألف عامل. وتصل الاستثمارات السنوية في طاقة الرياح إلى 11 مليار يورو. ووضعت دول السوق الأوروبية هدفاً لها يتمثل في توليد 12% من احتياجاتها في الكهرباء من الطاقة المتجددة بحلول العام 2020، حين ستصل قدرة طاقة الرياح إلى 1250 ألف ميغاواط، وعدد العاملين في هذه الصناعة إلى 3,2 مليون عامل، والاستثمارات السنوية إلى 80 مليار يورو. وفي المقابل، ستنخفض تكلفة إنتاج الكيلوواط إلى 512 يورو، أي أقل من تكلفة إنتاجه في محطة طاقة حرارية تقليدية. الأمر الذي يؤدي إلى تخفيض معدل انبعاث ثاني أوكسيد الكربون بمقدار 832,1 مليون طن سنوياً. تعتمد كثيراً من دول العالم على الرياح في توليد الطاقة الكهربائية. فنجد دولة مثل الدانمرك تولد 20% من احتياجاتها من الكهرباء بواسطة الرياح. وتصل النسبة إلى 9,25%في الولايات المتحدة، و9,4% في ألمانيا، و6,4% في إسبانيا، و5,3% في الهند، و9,2% في فرنسا وإيطاليا، و2,5% في كندا، و3,2% في المملكة المتحدة، و8,1% في البرتغال. وعموماً تصل نسبة ما تولده الرياح من طاقة كهربائية في دول الإتحاد الأوروبي لعام 2009 إلى 2,21 %. وتصل نسبة ما تولده الرياح من طاقة كهربائية في الصين إلى 36%، و9,10% في بقية دول العالم. ويسود اتجاه عالمي راهناً لإنشاء مزارع للرياح في البحار للاستفادة من السرعة العالية للرياح(14).
وأشار تقرير صدر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الاستثمارات في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وغيرها من أشكال الطاقة المتجددة، تجاوزت، على رغم الانكماش في الاقتصاد العالمي، حجم الاستثمارات في الوقود الاحفوري عام 2009. وأضاف التقرير بأن الصين برزت أكبر مستثمر في الطاقة النظيفة وخاصة الطاقة الشمسية(15). ورددت صدى هذه النتائج أيضاً دراسة أطلقتها شبكة سياسة الطاقة المتجددة للقرن الحادي والعشرين لعام 2010 في باريس. حيث وجدت هذه المنظمة أن النمو في أنواع الطاقة المتجددة في العالم كان جديراً بالملاحظة، لا سيما في الاقتصادات النامية التي باتت تملك أكثر من نصف القدرة العالمية للطاقة النظيفة، وأن الصين تجاوزت العام 2009 الولايات المتحدة، لتصبح المستثمر الأول في طاقة الرياح. كما حقق قطاع طاقة الرياح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نمواً بلغ 38% خلال العام 2009(16).
الطاقة النباتية أو الوقود الحيوي وتأثيراتها الاجتماعية
أشار العديد من علماء الاقتصاد أن الوقود الحيوي (Biofuels) بديل أخضر للبترول، ومنه صنفان رئيسان في السوق العالمية هما البيوديزل (Biodiesel) والإيثانول(Ethanol) السائلان اللذان يتم إنتاجهما عموماً من محاصيل غذائية. يستخرج الإيثانول من قصب السكر والذرة والقمح وحبوب أخرى تحتوي على السكر أو النشاء، ويضاف إلى البنزين، ويشكل أكثر من 90? من مجمل إنتاج الوقود الحيوي في العالم. أما البيوديزل فيصنع من مصادر نباتية تحتوي على الزيوت، مثل الصويا وبزر اللفت وعباد الشمس وزيت النخيل، ويضاف إلى الديزل، وقد قفز إنتاجه العام 2005 بنسبة 60% .
وجاء في تقرير أصدره معهد "وورلد واتش" للأبحاث في واشنطن للعام 2006 أن الوقود الحيوي قادر أن يقلص اعتماد العالم على النفط. ففي العام 2005، تجاوز إنتاجه 670.000 برميل في اليوم (79 مليون ليتر)، ما يعادل 1% من السوق العالمية لوقود النقل. ومع أن النفط ما زال يشكل أكثر من 96%من هذه السوق، فإن إنتاج الوقود الحيوي يتزايد بوتيرة سريعة مع ارتفاع أسعار النفط واستجابة الصناعة والسياسات الحكومية الداعمة. وأضاف التقرير أن البرازيل انتجت العام 2005 نحو 16.5 بليون ليتر من وقود الايثانول، أي 45.2% من المجموع العالمي، وبذلك تصدرت إنتاج الوقود الحيوي. وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بإنتاجها 16.2 بليون ليتر، أي 44.5% من المجموع. وقد هيمنت هاتان الدولتان على سوق الايثانول منذ ثمانينات القرن العشرين، واستأثرتا بنحو 90% من الإنتاج في العام 2005، ويقدر أنهما تنتجان الايثانول بأقل من الكلفة الحالية للبنزين(17). في المقابل، استأثرت أوروبا بنحو 90% من السوق العالمية للبيوديزل العام 2005. وأتت ألمانيا في الطليعة، إذ أنتجت نحو نصف الحجم الإجمالي 1920 مليون ليتر العام 2005 وفرنسا في المرتبة الثانية 511 مليون ليتر، لكن القدرة الإنتاجية تنمو سريعاً في اسبانيا وايطاليا وبولونيا وبريطانيا(18). وتوقع تقرير "وورلد واتش" أن يوفر الوقود الحيوي 37% من وقود النقل في الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة، وما لا يقل عن 75% إذا تضاعفت كفاءة السيارات في استهلاك الوقود. ويمكن أن يحل محل 20 إلى 30% من النفط الذي يستخدم في بلدان الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الزمنية ذاتها(19).
وتوقّع تقرير المنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظّمة الأغذية والزراعة زيادة سريعة في الإنتاج العالمي للوقود الحيوي خلال السنين العشر المقبلة، بحيث يبلغ إنتاج الايثانول 125 بليون ليتر العام2017 أي ضعفي الإنتاج في 2007، في حين يرتفع إنتاج البيوديزل بشكل أسرع ليبلغ 24 بليون ليتر العام 2017 بالمقاربة مع 11 بليوناً العام 2007(20). وبتاريخ 22 تموز/يوليو 2010، أشار تقرير الجمعية العالمية للطاقة البديلة، والتي تأسست في العام 2004 في مدينة لوزان في سويسرا من أجل تطوير مصادر الطاقة المتجددة، إلى أن الولايات المتحدة تتصدر الإنتاج العالمي للوقود الحيوي، إذ تنتج 43% وتحتل البرازيل المرتبة الثانية 27% والإتحاد الأوروبي المرتبة الثالثة 19% (21). وأضاف التقرير أن إنتاج وقود الايثانول بلغ 74 بليون ليتر العام 2009، كان رصيد الولايات المتحدة 54? حوالى 40 بليون ليتر والبرازيل 34%، حوالى 25 بليون ليتر. أما الإتحاد الأوروبي جاء في المرتبة الثالثة، حيث بلغ إنتاجه 3,7 بليون ليتر والصين في المرتبة الرابعة وتخطى إنتاجها 2 بليون ليتر22. وجاء أيضاً في التقرير أن العالم شهد نمواً في إنتاج وقود بيوديزل بلغ 17% العام 2009 مقارنة للعام 2008. وقد تصدر الاتحاد الأوروبي دول العالم، حيث تخطى إنتاجه للبيوديزل 10 بليون ليتر ما يوازي 57? من الإنتاج العالمي، وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية برصيد 2 بليون ليتر بنسبة 12% من الإنتاج العالمي ، والبرازيل في المرتبة الثالثة حوالي 1,5 بليون ليتر 9% من الإنتاج العالمي، ومن ثم الأرجنتين 1,340 بليون ليتر 7% من الإنتاج العالمي. ويقدر إنتاج دول أسيا لوقود بيوديزل للعام 2009 (تايلند، الصين، كوريا، الهند، ماليزيا، الفيليبين، اندونيسيا…) بحوالي 2 بليون ليتر(23).
وبالتالي، يرى بعض العلماء أن المحروقات النباتية، التي تسمى الوقود الحيوي، أقل خطورة على البيئة من النفط والغاز والفحم، وأن هذا الابتكار يساهم في الحد من الاحتباس الحراري والتلوث البيئي. في المقابل، يناقض البعض الآخر هذه المعلومات ويؤكد أن ضريبة المحروقات النباتية باهظة من حيث ارتفاع أسعار المواد الغذائية والقضاء على الغابات، وتهجير السكان والمزارعين، وإهدار الماء، وتلويث البيئة.
أـ آثار الطاقة الحيوية على الأمن الغذائي
أشار عدد من خبراء الطاقة النباتية إلى أنه إذا كانت الإمكانات التي توفرها الكتلة البيولوجية واعدة في توفير الطاقة، إلا أنها تنتج كذلك مخاطر في مجال الأمن الغذائي في الدول النامية. كما يحذر صندوق النقد الدولي من أن استخدام الغذاء لإنتاج الوقود قد يجهد الموارد الشحيحة أصلاً من الأراضي المزروعة والمياه حول العالم، وبالتالي يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء أكثر. تستطيع الطاقة الحيوية أن تمنح قطاع الزراعة حيوية جديدة وأن تعزز التنمية الريفية وأن تخفف من وطأة الفقر، وذلك بطرق مختلفة ليس أقلها تحسين وصول سكان الريف إلى الطاقة المستدامة وتشجيع المشاركة من جانب صغار المزارعين والسكان الفقراء. غير أنها إن لم تجر إدارتها على نحو مستدام، يمكن أن تهدد الأمن الغذائي بصورة خطيرة، ما يعوق وصول بعض السكان الأكثر تعرضاً إلى إمدادات الأغذية. كما تساعد الطاقة الحيوية في التخفيف من آثار تغير المناخ، في المقابل، لن يتسنى لها ذلك إذا جرت إزالة الغابات والمستنقعات من اجل زراعة المواد العلفية لتوليد الطاقة. وقد يقدم إنتاج الوقود الحيوي من مخلفات الزراعة والغابات بديلا في هذا المجال، غير أن التكنولوجيا اللازمة لذلك لم تزل غير قابلة للتطبيق على نحو تجاري. ولذلك، يواجه صانعو السياسات تحدياً يتمثل في حساب الكيفية التي يمكن بها استغلال الفرص المتاحة لإنتاج الطاقة الحيوية مع كفالة قدرة السكان على الاستمرار في زراعة إمدادات الأغذية الكافية أو شرائها(24).
وما زالت هذه الطاقة الحيوية التقليدية من الخشب والمخلفات العضوية تقدم نحو 95% من احتياجات الطاقة في البلدان النامية وتشكل مصدر طاقة لدى 2,4 مليار شخص. وكان الاهتمام باستحداث أشكال حديثة من الطاقة الحيوية مثل الوقود الحيوي السائل قد برز في سبعينات القرن الماضي، ومن ثم تطور بسبب الرغبة في توفر إمدادات طاقة أكثر تنوعاً، ونواحي القلق بشان تغير المناخ، وارتفاع أسعار النفط الخام بصورة قياسية في الوقت الحاضر. وقد حظي الوقود الحيوي السائل المستخدم في النقل في الآونة الأخيرة بالقسط الأكبر من النمو، حيث يشكل 2%من الوقود المستخدم في النقل على الطرق في العالم. وتشير التقديرات إلى أن هذه النسبة سوف ترتفع بحلول العام 2030 إلى 5%. كما تتمتع البلدان النامية الواقعة في المنطقة الاستوائية بميزة نسبية في مجال زراعة المواد العلفية اللازمة لتوليد الوقود الحيوي، ولكن النمو في الطلب عليه يتركز حالياً في البلدان الصناعية. ويجري الحصول على هذه المواد لتوليد الوقود الحيوي في الوقت الحاضر من محاصيل الأغذية، ومن ضمنها قصب السكر والذرة ونخيل الزيت وبذر اللفت الزيتي، ما يؤثر على إمدادات الأغذية.
كما يؤدي إنتاج الوقود الحيوي إلى المنافسة على الموارد الطبيعية كالأراضي والمياه، ويسبب تغييراً في استخدام الأراضي. وبالتالي، تزداد المخاطر التي تواجه الأمن الغذائي بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وذلك حينما تكون الطاقة الحيوية مرتكزة على محاصيل الأغذية أو استخدام أراض أو مياه كانت تستخدم لإنتاج الأغذية. كذلك، تكون المنافسة أكثر حدّة في إنتاج الوقود الحيوي السائل منها في حالة إنتاج الكتلة الحيوية من اجل التدفئة وتوليد الكهرباء. واستناداً إلى التكنولوجيا الحالية، يسهم التوسع السريع في إنتاج الوقود الحيوي السائل بصورة ملموسة في رفع أسعار الأغذية. وهذا أمر يفيد المزارعين الريفيين الذين يتوفر لديهم فائض يبيعونه، غير أنه يلحق الضرر بالمستهلكين في المدن وفقراء الريف الذين يتوجب عليهم شراء الأغذية(25).
وقد أكدت البيانات والأرقام التي أصدرتها مؤسسات الأمم المتحدة في اليوم العالمي للغذاء في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2007 أن أزمة حقيقية تهدد العالم في مجال الغذاء، وأن ارتفاع 1% من أسعار المواد الغذائية في العالم يضيف 16 مليون إنسان إلى قائمة الجياع. ويعاني العالم راهناً نقصًا في الاحتياطي من الحبوب بجميع أنواعها يقدر بـ 61 مليون طن، وفق بعض التقديرات الدولية، التي أشارت أيضاً إلى أن الإنتاج العالمي لن يلبي الطلب الراهن عليه، ما يفسر تراجع ذلك الاحتياطي إلى أدنى مستوى له منذ العام 1972، حيث وصل إلى 56 مليون طن يومياً. ويتعرض مخزون الاحتياطي العالمي من الحبوب لهدر كبير من خلال عمليات إنتاج الوقود الحيوي التي تستهلك المخزون والفائض الغذائي العالمي. ومع النقص الحاد في الاحتياطي العالمي من الحبوب فإن هناك خطراً كبيراً على الأمن الغذائي لدول الجنوب بصفة عامة. يتوزع استهلاك الحبوب على النحو التالي: 60% للاستهلاك البشري، 36% غذاء للحيوان والماشية، و3 % لتصنيع المحروقات، وخصوصاً الوقود الحيوي. لا تتجاوز الزيادة السنوية في الإستهلاكين البشري والحيواني أكثر من 1%، بينما يرتفع استهلاك الحبوب لتحويله إلى وقود حيوي، وهو يعتبر من بدائل النفط، بنسبة 20% سنوياً. وفق للبيانات الرسمية فإن الولايات المتحدة الأمريكية تطمح إلى إنتاج 35 مليار غالون من الوقود الحيوي سنوياً. وتتخطّى هذه الأهداف بدرجات القدرة الإنتاجية للزراعة في الدول الصناعية في النصف الشمالي للكرة الأرضية. كما ستستثمر أوروبا 70% من أراضيها الصالحة للزراعة لتفي باحتياجاتها. والعام 2007، حدد الإتحاد الأوروبي هدفا ملزما، يقضي بأن يشكل الوقود الحيوي 10% من إجمالي وقود النقل بحلول العام 2020، في إطار خطة خفض إنبعاثات غازات الدفيئة 20%. ومع أن معظم الوقود الحيوي سيكون مستورداً، تزايدت المخاوف من أن أسعار الغذاء قد ترتفع أكثر إذا حولت الأراضي الزراعية الخصبة في أوروبا لإنتاج محاصيل الطاقة. وهذا ما جعل دول الشمال الغنية تركز على النصف الجنوبي للكرة الأرضية لسد احتياجاتها. ولعل ما يجري في العديد من دول إفريقيا من تعديل للدورة الزراعية بهدف إنتاج مزروعات تستخدم في إنتاج الوقود الحيوي يضر كثيراً بخطط الاكتفاء من الحبوب في دول الجنوب بصفة عامة، وتتولى شركات النفط، استثمار مئات الملايين من الدولارات في زراعة الجاتروفا وهي مصدر رئيس لإنتاج الوقود الحيوي(26).
وأيضا في هذا السياق، أشار تقرير "وضع الأقليات في العالم 2008"، الصادر عن المجموعة الدولية لحقوق الأقليات (MRGI)، إلى أن بعض الشعوب هم ضحايا جهود التصدي للاحترار العالمي، مثل تعرية الأراضي والغابات لزراعة محاصيل الوقود الحيوي. وكثيراً ما تتحمل الأقليات والشعوب الأصلية القسم الأكبر من هذه الأضرار. ويورد التقرير أن الشعوب الأصلية غالبًا ما تقطن في أراض هامشية، ولأنها تعتمد على الطبيعة من أجل بقائها فهي تواجه خطراً مزدوجًا ناتجًا عن تغير المناخ الذي يبدل المواسم الزراعية وأنماط هطول الأمطار. ويصف التقرير صعوبات كهذه تواجهها شعوب الداليت في الهند، والروما في سلوفاكيا، والراما في نيكاراغوا، والإنويت في المحيط المتجمد الشمالي. ويؤكد أن على الحكومات إدخال قضايا هذه الشعوب والأقليات ضمن سياسات تغير المناخ. ويرى أن الاندفاع نحو الوقود الحيوي،وما يرافقه من تعرية الأراضي على نطاق واسع لزراعة محاصيل مخصصة لإنتاجه، لا يؤدي إلى تدهور بيئي فحسب، وإنما يحرم السكان المحليين مصادر رزقهم. كما يضيف أن أي صفقة تعقد بشأن زوال الغابات في المفاوضات المتعلقة بتوسيع بروتوكول كيوتو وما بعد العام 2012، يجب أن تكون مرنة بما يكفي لتمكين الشعوب الأصلية توفير أدنى متطلبات الحياة(27).
كذلك، أشار تقرير منظّمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة حول التغير المناخي والطاقة والغذاء للعام 2008 إلى أن الاستعمال المكثف للنباتات المعدلة وراثيًا لتعزيز إنتاج محاصيل الوقود الحيوي يهدد بأخطار غير مسبوقة ولا تعرف أبعادها. إذ بينت دراسات عدة أنه أكثر ضررًا للبيئة وللبشرية مما كان يعتقد أصلاً، فهو يزيد الطلب على المحاصيل الغذائية ويرفع أسعارها. وأهم أسباب ارتفاع أسعار المواد الغذائية إضافة إلى زيادة إنتاج الوقود الحيوي الذي حوّل استخدام الأراضي الزراعية والمحاصيل عن الإنتاج الغذائي، موجات الجفاف التي أدت إلى تدمير المحاصيل في دول مثل أستراليا، وارتفاع الطلب على الغذاء في الصين والهند العام 2007، وارتفاع أسعار النفط. ويؤثر ارتفاع أسعار المواد الغذائية تأثيرًا كبيرًاعلى الدول الفقيرة، وقد تسبب باضطرابات في أفريقيا وآسيا وجزر الكاريبي، وفي اندلاع أعمال شغب وتظاهرات في 37 دولة. ووفق إحصاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ارتفعت الأسعار العالمية للذرة 31% والرز 74% والصويا 87% والقمح 130% بين آذار/مارس 2007 وآذار/مارس 2008. ودعا التقرير إلى استكشاف التحديات والفرص التي يمثلها الوقود الحيوي، والى حوار دولي حوله في إطار الأمن الغذائي، مع إطلاق وعود بتقديم مساعدات للدول الفقيرة بـ6,5 بليون دولار(28).
كما أشار تقرير منظّمة غذاء بلا حدود( FWBO)" من أجل توزيع عادل للغذاء العالمي" للعام 2009 إلى ازدياد نسبة المزارع التي تحوّلت إلى منشآت لإنتاج الوقود الحيوي أو البيولوجي بنسبة 48% في الولايات المتحدة، نظرا للأرباح العالية الناتجة عن تخفيض الضرائب على منتجي الوقود الحيوي، وازداد حجم الذرة المستخدمة في إنتاج الإيثانول بنسبة 300% منذ العام 2001. وهذه الحالة تتكرر أيضا في الصين والبرازيل، وسيخلق هذا الوضع انعكاسات مباشرة على الموارد الغذائية سواء للإنسان أو للمواشي. وترويج هذه الصناعة في أنحاء العالم لإنتاج وقود من الحبوب والبذور الزيتية، تساهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل حاد نتيجة منافسة الوقود على محاصيل الحبوب. ودخل الوقود الحيوي مؤخرًا مرحلة التشكيك والتدقيق. إذ بينت دراسات عدة أنه أكثر ضررًا للبيئة وللبشرية مما كان يعتقد أصلاً، فهو يزيد الطلب على المحاصيل الغذائية ويرفع أسعارها، ويوجه الإنتاج إلى الغابات والأراضي العشبية، ويدمر الحياة الفطرية، ويطلق الكربون المخزون إلى الغلاف الجوي. ووفق للإحصاءات الدولية يجري تعبئة الرساميل وتركيز السلطة في صناعة المحروقات الزراعية. وتعقد المجموعات التجارية النفطيّة الكبيرة، وتلك المختصّة في زراعة الحبوب وصناعة السيارات والهندسة الجينيّة، اتفاقات شراكة قويّة، وتسعى مع الشركات المتعدّدة الجنسية إلى تركيز نشاطاتها في البحث والإنتاج والتحويل والتوزيع المرتبطة بالأنظمة الغذائية والتموّن بالمحروقات(29).
ب ـ الحلول لمسألة الطاقة النباتية والأمن الغذائي
وبما أن الطلب على مشتقات الوقود الحيوي يغير ملكية الأراضي واستخداماتها، وخصوصًا الجيل الأول الذرة وقصب السكر والشمندر السكري لصنع الإيثانول، وزيت النخيل وزيت بزر اللفت لصنع بيوديزل، اعتمدت الدول الصناعية تكنولوجيات حديثة لتوليد الطاقة من الكتلة الحيوية، ونظرت في مأزق الصراع بين الطاقة والأمن الغذائي. واقترحت ترتيبات تجارية ضرورية لتوفير طاقة مستدامة مع التقليل من الخطر على الفقراء. أما التكنولوجيات الحديثة ومحاصيل الجيل الثاني غير الغذائية الممكن صنعه من الأعشاب وفضلات الزراعة والخشب والطحالب وروث الحيوانات ومياه المجاري ومصادر عضوية أخرى تساهم في تخفيض نفقات الإنتاج وتزيد الإمدادات الطاقوية وإمكان الوصول إلى طاقة رخيصة، وتخفف الأثر على المناخ وتحفز النمو في البلدان النامية. كما أنه يمكن تخفيف الضغوط الواقعة على إمدادات الأغذية من خلال تكنولوجيا تتيح الانتفاع من الأراضي الهامشية أو التي تعاني من تعرية تربتها، وتكثيف الإنتاج على نحو مستدام، وإيجاد تكامل بين نظم إنتاج الأغذية والطاقة، إضافة إلى تطبيق العمليات الزراعية الملائمة. وإن توفير الدعم اللازم لمشاريع المزارعين المستقلين والتعاونيات وتطبيق سياسات طاقة حيوية مناصرة للفقراء، من شأنها أن تكفل حماية حيازة الأراضي للمزارعين المهمشين وتساعد في التخفيف من الآثار السلبية. وثمّة دور كبير يمكن لصانعي السياسات النهوض به من اجل كفالة تطوير الطاقة الحيوية على نحو مستدام، وحماية الأمن الغذائي، وكفالة وصول المنافع إلى الفقراء والمعرضين. وتشمل الأولويات في مجال السياسات تشجيع الأسواق والتكنولوجيا، والعمليات التشاركية والحماية الاجتماعية. يتعين أن تكون السياسات، وبوجه خاص في مجال ترويج الوقود الحيوي السائل، موجهة لتلبية الطلب في السوق، ما يزيل التشوهات التي تخلق معدلات نمو مرتفعة ظاهريًا وتعوق التجارة الدولية في وجه البلدان النامية.
ويتعين على سياسات الطاقة الحيوية تشجيع الاستدامة البيئية وتعزيز فرص السوق لصغار مالكي الأراضي والجماعات المعرضة الأخرى في السوق. كما يتعين استحداث تكنولوجيات أفضل وتشجيعها ، وذلك للحّد من التنافس على الأغذية والموارد الطبيعية. إضافة إلى تأمين شبكات الأمن الاجتماعي، كي يتم التخفيف من آثار ارتفاع أسعار الأغذية، ومساندة الفقراء والسكان الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي، مثل تقديم قسائم المعونة الغذائية أو الدعم الغذائي للفئات المستهدفة. ومثال على ذلك، في البرازيل يتم الربط ما بين المزارع الصغيرة وبين منتجي الوقود الحيوي الكبار. حيث ينتفع المزارعون الفقراء في البرازيل من إنتاج الوقود الحيوي، وذلك من خلال برنامج الختم الاجتماعي للوقود. فيدفع منتجو الديزل الحيوي الذين يشترون المواد العلفية لتوليد الطاقة الحيوية من المزارع الأسرية الصغيرة في المناطق الفقيرة، ضريبة دخل فدرالية أقل، كما يمكنهم الحصول على التمويل من مصرف التنمية البرازيلي. وكان نحو 400 ألف من صغار المزارعين قد انضموا إلى هذا البرنامج مع نهاية العام 2007(30).
الطاقة الجيو- حرارية
تعتمد الطاقة الجيو-حرارية على استغلال الطاقة الكامنة في التربة لإستعمالها في التدفئة أو تحويلها الى كهرباء. ولإنتاج الطاقة من حرارة باطن الأرض، تُضخّ المياه تحت الأرض حيث تسخن، ثم تستخدم طاقتها الحرارية في توليد الكهرباء. ينبع الجزء الأهم من الطاقة الكامنة في الأرض من النشاط الإشعاعي للصخور التي تكوّن القشرة الأرضية. ويمكن وصفها بأنها نوع من الطاقة النووية الطبيعية التي تنتج من تحلل اليورانيوم والتوريوم والبوتاسيوم. ولا ترتبط هذه الطاقة بتغيرات المناخ، وتقدر مدة النشاط للمناجم الجيوحرارية بعشرات السنين(31). وأشار تقرير مؤسسة جيو حرارية العالمية (International Geothermal Association) العام 2007 إلى أن معدل الطاقة الجيو-حرارية في العالم أصبح 9,7 جيغاواط بزيادة 800 ميغاواط عن العام 2005(32). وتستخدم هذه الطاقة الصديقة للبيئة معظم دول العالم لمكافحة التلوث البيئي، وتتوزع القدرة الاجمالية للطاقة الجيو-حرارية بنسب مختلفة على البلدان المنتجة(33).
كذلك، جاء في تقرير مؤسسة جيوحرارية العالمية (lGA) للعام 2009 أن حكومة أستراليا أعلنت مشروعًا بقيمة 43 مليون دولار أميركي للمساعدة في تطوير استخراج الطاقة من حرارة باطن الأرض، كونها أكبر مصّدر للفحم في العالم يستخدم في توليد نحو 77% من طاقتها الكهربائية، ما يجعلها أكبر ملوث في العالم بالنسبة إلى عدد السكان.
وأضاف التقرير أن 1% فقط من طاقة حرارة باطن الأرض في أستراليا يمكن أن تنتج حاجة 26 ألف عام من الكهرباء النظيفة. تلك التكنولوجيا، التي تعرف أحياناً باسم الصخور الساخنة، تنطوي على إمكانات هائلة لأستراليا، كوسيلة لمواجهة تغيرات المناخ ولأمن الطاقة الوطني من ناحية أخرى، وأن أولى محطات هذه الطاقة قد تبدأ العمل العام 2012. كما تبوأت سويسرا المركز الرِّيادي عالميا في استغلال طاقة الأرض الحرارية. فهي لديها أعلى نسبة منشآت للطاقة الجوفية، حيث بلغ عدد المنشآت التي تقوم على أساس استثمار حرارة باطن الأرض (سواء الهوائية أم المائية) 50 ألف منشأة، إلا أنها تفتقر إلى المحطات التي تقوم بتحويل هذه الطاقة إلى طاقة كهربائية، خلافًا لما هو موجود في ألمانيا، بل حتى في إيطاليا، التي استطاعت من خلال محطّـة الطاقة الجوفية في مقاطعة توسكانا، أن تكون أول منتج لهذا الشكل من أشكال الطاقة الكهربائية(34).
الآثار الإيجابية للاقتصاد الأخضر
يرى بعض علماء الاقتصاد أن سياسات عدم التصدي لتحديات بيئية، مثل استنزاف الموارد وخسارة التنوع البيولوجي وازدياد شدة العواصف وتكرارها والفيضانات وموجات الجفاف نتيجة تغير المناخ، قد يفرض خسائر في فرص العمل ومصادر الرزق. لذلك يوفر التصدي للتحديات البيئية فرصًا للعمال وأرباب العمل وينعكس نمواً اقتصادياً. وبالتالي، ستكون الصناعات الحديثة التي تتصدى لتغير المناخ، في طليعة قطاع التكنولوجيا النظيفة (CleanTech). وقد أحدثت الجهود العالمية في التصدي لتغير المناخ وتأثيراته تحولات في أنماط الاستخدام والاستثمار في الاقتصاد الأخضر. وقد تم استحداث عدد كبير من فرص العمل وملايين الوظائف الخضراء في قطاعات مثل الطاقة المتجددة والكفاءة الطاقوية للأبنية ونظم النقل المستدام والزراعة وحماية البيئة والصناعة والأبحاث والتنمية والإدارة والنشاطات والخدمات. فالوظائف الخضراء هي وظائف تسهم في تخفيف التهديدات البيئية التي تواجهها البشرية. لذلك، إن آلية التنمية النظيفة وأدوات التنفيذ المشترك التي يتضمنها بروتوكول كيوتو، والتي تستطيع الشركات والحكومات بموجبها حيازة إعتمادات كربونية من خلال دعم مشاريع محددة لخفض الإنبعاثات، هي آليات تمويل محتملة لمشاريع خضراء(35).
1ـ الوظائف في مجال الطاقة البديلة
تزداد العمالة في قطاع الطاقة المتجددة بوتيرة سريعة جداً في القرن الحادي والعشرين. وأشار تقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة بالتعاون مع منظّمة العمل الدولية والرابطة الدولية للاتحادات العمالية، في كانون الأول/ديسمبر 2007 بعنوان "الوظائف الخضراء: نحو عمل مستدام في عالم قليل الكربون"، إلى أنّ تغيّر المناخ سيواصل تأثيراته السلبية على العمال وعائلاتهم، خصوصًا أولئك الذين تعتمد معيشتهم على الزراعة والسياحة، لذلك ينبغي التصدي لتغير المناخ والتكيف مع تأثيراته وتطوير الاستثمار في الطاقة المتجددة بحيث تولد ملايين الوظائف في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء. وجاء في التقرير أنه يتم استخدام نحو 300 ألف عامل في طاقة الرياح وأكثر من 100 ألف في النظم الفوتوفولطية الشمسية حول العالم. وفي الصين والولايات المتحدة وأوروبا يعمل أكثر من 600 ألف شخص في الطاقة الحرارية الشمسية. ويتم تشغيل نحو 1,2 مليون عامل في مشاريع الكتلة الحيوية في أربعة بلدان رائدة هي البرازيل والولايات المتحدة وألمانيا والصين. ويبلغ مجموع العاملين في الطاقات المتجددة حالياً نحو 2,3 مليون شخص في البلدان التي تملك بيانات بهذا الخصوص(36). نصف هذه الوظائف هي في مشتقات الوقود الحيوي (بيوفيول)، وفي الصناعات التحويلية التي تكون أجورها أفضل.
ولكن ثمة جدل قويً ومستمرًا حول الكلفة الاقتصادية والبيئية للوقود الحيوي وكفاءته الطاقوية في السيارات ومنافسته لإنتاج الغذاء. ويورد التقرير أمثلة على خلق فرص عمل خضراء ضخمة في أنحاء العالم. ففي الصين 600 ألف عامل مستخدمون حاليًا في صنع وقطع تدخل في إنتاج أجهزة حرارية شمسية وتركيبها مثل سخانات الماء. وفي نيجيريا، من شأن صناعة الوقود الحيوي أن تدعم صناعة تستخدم 200 ألف عامل. وفي إمكان الهند استحداث 900 ألف فرصة عمل بحلول العام 2025 في صناعة إنتاج البيوغاز، و300 ألف فرصة في صنع المواقد و600 ألف في مجالات مختلفة مثل تحويل مخلفات الكتلة الحيوية وفي سلسلة إمداد الوقود. وقد ولّدت الصناعة البيئية في الولايات المتحدة في عام واحد أكثر من 3,5 ملايين وظيفة، أي أكثر من عشرة أضعاف ممّا ولّدته الصناعة الصيدلانية. ولم يتجاوز عمر برامج الطاقات المتجددة في ألمانيا وأسبانيا العشر سنين، لكنها خلقت مئات ألوف الوظائف، وسيكون في ألمانيا بحلول العام 2020 وظائف في مجال التكنولوجيات البيئية أكثر مما في صناعة السيارات.
وفي أوروبا، يقدر أن زيادة 20% في كفاءة الطاقة سوف تخلق نحو مليون وظيفة، وينسحب ذلك على البلدان النامية أيضاً. وتستخدم مدينة نيودلهي الهندية حافلات جديدة "صديقة للبيئة" تعمل على الغاز الطبيعي المضغوط من شأنها أن تخلق 18 ألف وظيفة جديدة. وتعتبر الصين في الطليعة عالمياً في مجال التسخين الشمسي، وقد بلغت عائدات مبيعاتها نحو 5,2 بليون دولار في سنة، وشغل أكثر من 1000 مصنع صيني ما يزيد على 150 ألف شخص. وتقدر مبادرة تمويل الطاقة المستدامة في برامج الأمم المتحدة للبيئة أن الاستثمار في الطاقة المتجددة بلغ الآن 100 بليون دولار، وهو يمثل 18% من الاستثمارات الجديدة في قطاع الطاقة. ومن الضروري على الدول العربية استغلال ثروة الشمس والرياح في أراضيها الشاسعة لإنتاج طاقة نظيفة وتشغيل الملايين(37). والاستثمارات المتوقعة، ومقدارها 630 بليون دولار بحلول العام 2030، تعني على الأقل 20 مليون فرصة عمل إضافية في قطاع الطاقة المتجددة، بينما في الزراعة، يمكن توظيف 12 مليون شخص في طاقة الكتلة الحيوية والصناعات المتعلقة بها. كما يتوقع التقرير أن تتضاعف السوق العالمية لمنتجات والخدمات البيئية من 1370 بليون دولار سنوياً في الوقت الحاضر إلى 2740 بليون دولار سنوياً بحلول العام 2020. وإن نصف هذه السوق هو كفاءة الطاقة المتجددة، والبقية في النقل المستدام والإمدادات المائية ومياه الصرف والنفايات والزراعة والتحريج. في ألمانيا، على سبيل المثال، سوف تنمو التكنولوجيا البيئية أربعة أضعاف بحلول العا<







