العميد الركن المتقاعد نزار عبد القادر/
باحث في الشؤون الاستراتيجية
بواسطة ديوان أصدقاء المغرب
المقدمة:
1- قرع طبول الحرب
يستمر قرع طبول الحرب من مضيق "هرمز" منذ العام 2003، مداورة بين كل من الولايات المتحدة وايران واسرائيل، وكانت آخر هذه التهديدات بالحرب قد صدرت عن القادة العسكريين الإيرانيين الذين أشرفوا على المناورات الإيرانية التي جرت مؤخّرًا، والتي تضمنت تهديدًا وإنذارًا "أخيرًا" لحاملة الطائرات الأميركية التي غادرت الخليج في أثناء هذه المناورات باتجاه خليج عمان وبحر العرب(1). وكان من الطبيعي أن يرد الأميركيون بلهجة حادة مؤكدين بأن واشنطن لن تتسامح مع أي عرقلة إيرانية للشحن البحري عبر مضيق هرمز(2).
وكانت كل من اسرائيل والولايات المتحدة قد شهدت نقاشًا ساخنًا حول إمكان العودة إلى الخيار العسكري من أجل مواجهة النشاطات النووية الإيرانية المستمرة، وذلك بعدما صدر التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في تشرين الثاني/نوفمبر العام 2011، والذي اتهم ايران ببذل جهود حثيثة لبناء السلاح النووي.
في اسرائيل توجهت الاتهامات الى كل من رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع ايهود باراك بالإعداد سرًا لتوجيه ضربة جوية وصاروخية ضد المنشآت النووية الإيرانية(3). وشنّت الصحافة الاسرائيلية ومؤسسات الدراسات في الجامعات وايضًا بعض المسؤولين الأمنيين الكبار أمثال مائير داغان رئيس الموساد السابق وغابي اشكينازي رئيس الأركان السابق حملة مضادة للخيار العسكري، محذرين من الإنزلاق الى حرب اقليمية، قد تتسبب بنتائج دراماتيكية بالنسبة إلى إسرائيل. وكان داغان قد حذّر اعتبارًا من مطلع حزيران/ يونيو العام 2011 من نتائج اللجوء إلى الخيار العسكري، في محاضرة ألقاها في جامعة تل أبيب حيث قال: «سيقود الهجوم على إيران إلى حرب إقليمية، وفي هذه الحالة فإن اسرائيل ستفتح الباب أمام إيران لاستكمال برنامجها النووي، وسيشكل التحدي الذي ستواجهه اسرائيل بعد ذلك مهمة مستحيلة»(4). وتحدثت التقارير الإعلامية الاسرائيلية عن ان إدارة أوباما قد سعت لإقناع اسرائيل بعدم اللجوء إلى الخيار العسكري وبأنها قد أوفدت وزير دفاعها ليون بانيتا في الأسبوع الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر لإقناع القيادة الاسرائيلية بوجهة نظرها.
في خضم النقاش الساخن الذي جرى في اسرائيل، إنتقد ايهود باراك "معركة الرعب" حول نتائج أي عمل عسكري تقوم به القوات الجوية الإسرائيلية ضد المنشآت النووية الاسرائيلية، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة الاحتفاظ بكل الخيارات بما فيها الخيار العسكري لمنع ايران من الحصول على السلاح النووي. وأضاف باراك «الحرب ليست نزهة، إننا لا نريد الحرب»، ولكن يبقى على اسرائيل أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة من أجل تحقيق أمنها(5).
وبعد تراجع مستوى النقاش الحاد في إسرائيل حول الخيار العسكري، إنطلق نقاش مماثل في الولايات المتحدة، حيث تشارك فيه وسائل الإعلام ومؤسسات الدراسات وبعض الشخصيات السياسية والأمنية. والآن مع إنطلاق حملات الانتخابات الرئاسية الأولية بات هذا النقاش يحتل نقطة مركزية في مناقشات المرشحين الجمهوريين حول السياسة الخارجية.
في خضم هذا النقاش السياسي الساخن، سألت محطة "سي.ان.ان." رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي عن رأيه في اعتماد الخيار العسكري ضد ايران، حيث قال بأن «مثل هذا الخيار قابل للتنفيذ عند الضرورة»، ولكنه حذّر من ركوب الولايات المتحدة مثل هذه المغامرة، والتي «قد تدفع نحو الدخول في حرب طويلة تكون بمنزلة كارثة للمنطقة، وللعالم»(6).
وفي السياق ذاته، رأى وزير الدفاع ليون بانيتا أن المخاوف الاسرائيلية هي مشروعة وأن الولايات المتحدة تشاركها هذه المخاوف، وهذا ما يدعوها الى عدم استبعاد الخيار العسكري. وأضاف بانيتا في مقابلة مع محطة "سي.بي.اس." أن «الولايات المتحدة لا تريد أن تحصل إيران على سلاح نووي، إنه خط أحمر بالنسبة إلينا وهو خط أحمر من دون شك للاسرائيليين، وعندما تتأكد لنا المعلومات عن تطويرهم لسلاح نووي فاننا سنقوم في حينه باتخاذ كل الخطوات اللازمة لوقف ذلك»(7).
في هذا الموسم الانتخابي، وفي الوقت الذي يدعو فيه مرشحو الحزب الجمهوري لاعتماد الخيار العسكري كسبًا لتصفيق الجمهور، يبدو بالنسبة إلى القيادات العسكرية السابقة أن هذا الخيار لا يشكل خيارًا سهلًا، وأنه سيتسبب بنتائج دراماتيكية، أين منها النتائج التي تسببت بها عملية غزو العراق واحتلاله. ويشارك في هذا التقويم قياديون مشهود لهم بالخبرة والحكمة أمثال: وزير الدفاع الأسبق روبرت غايتس، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأسبق الأميرال مايك فولن، وعضو مجلس النواب الأميرال جو ساستك، وقائد القيادة الوسطى الأسبق الجنرال أنطوني زيني(8).
2- تحديات متبادلة: سياسة حافة الهاوية
تخيّم أجواء من التوتر بين إيران والدول الغربية منذ أن نشرت الوكالة الدولية للطاقة النووية تقريرها الأخير حول معاودة إيران أبحاثها الخاصة ببناء سلاح نووي. وتشهد هذه الأجواء مزيدًا من الشحن الإعلامي والمترافق مع تهديدات متبادلة بين طهران والعواصم الغربية على خلفية سلّة العقوبات الجديدة التي وقّعها الرئيس باراك أوباما قبل أسابيع معدودة والتي تمنع التعامل مع البنك المركزي الإيراني، وهو تدبير سيؤثر بعمق على مسار التجارة الخارجية الإيرانية بما فيها العقود الخاصة بشراء النفط الإيراني، والتي تشكّل عائداته الشريان الحيوي لميزان المدفوعات الإيراني، بالإضافة إلى المصدر الأساسي للموازنة الإيرانية(9).
ردّت إيران على سياسة تشديد العقوبات الأميركية، بالإضافة إلى استعدادات أوروبية لوقف استيراد النفط الإيراني، بإطلاق مناورات بحرية لمدة عشرة أيام في مضيق هرمز، والتي ترافقت مع تهديدات متكرّرة بإقفال المضيق المذكور في حال تشديد العقوبات ووقف الدول الأوروبية شراء النفط الإيراني.
ردّت الولايات المتحدة على التهديدات الإيرانية بإقفال المضيق بلسان أكثر من مسؤول، كما حذرت إيران من مغبة القيام بذلك. وتحدث بعض المصادر الديبلوماسية الغربية عن أن الرئيس أوباما قد أرسل رسالة خاصة إلى مرشد الثورة علي خامنئي بواسطة احدى القنوات السرية الخاصة، يحذر فيها إيران من الإقدام على إقفال مضيق هرمز، كون ذلك سيستدعي القيام برد فعل عسكري أميركي حازم. وجاءت رسالة الرئيس أوباما على خلفية المناورات البحرية الإيرانية، والتي تركزت على موضوع اختبار الأسلحة والوسائل اللازمة لإقفال مضيق "هرمز"، الذي يمر عبره ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط.
في ظل هذه الأجواء المتوترة، والتي زادت من حدتها التهديدات الإيرانية المتكررة والتحذيرات الأميركية من مغبة القيام بأي عمل يهدد الملاحة في مضيق هرمز، لا بدّ من طرح مجموعة من الاسئلة المحرجة والمهمة: ما هي الأسباب والظروف التي يمكن أن تدفع إيران إلى الإقدام على إقفال المضيق؟ ما هي مفاعيل ذلك على أسواق النفط والاقتصاد العالمي؟ هل تملك إيران القدرات العسكرية اللازمة لإقفال المضيق أو إعاقة النقل البحري في الخليج؟ ما هي ردود الفعل الأميركية على إقفال المضيق أو إعاقة الشحن في الخليج؟ ما هي النتائج التي يمكن أن تترتب على إقدام إيران على مثل هذه الخطوة على الصعيدين الأمني والاقتصادي؟
يبقى من الصعب جدًا الإجابة عن كل هذه الاسئلة في معرض هذا البحث، لكنني سأحاول أن أجيب بشكل مختصر على معظمها، وذلك نظرًا للترابط الوثيق بينها، بالإضافة الى الحاجة لتحديد الخيارات التي يمكن أن تعتمدها كل من إيران والولايات المتحدة في مواجهة هذه الأزمة.
تؤشر التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق "هرمز" الى "النتائج الكارثية" التي يمكن أن تحدثها العقوبات الأميركية والأوروبية الجديدة، والتي ستتضمن حظر التعامل مع البنك المركزي الإيراني ووقف شراء النفط الإيراني من قبل اوروبا، على الاقتصاد الإيراني، والتي سيكون لها مفاعيل سياسية واجتماعية مؤذية للغاية لسمعة النظام وشعبيته. ويبدو أن القيادة الإيرانية قد أدركت أنه لن يكون بمقدورها الإلتفاف على العقوبات الجديدة، على غرار ما فعلته في السنوات الماضية، سيؤدي خطر التعامل مع المصرف المركزي الإيراني الى منع مختلف الدول (خارج اوروبا) من شراء النفط الإيراني لأن العقود لهذه المشتروات يجب أن تمرّ عن طريق المصرف المذكور، وبالتالي فإن على المتعاملين تحمل نتائج المواجهة مع الولايات المتحدة.
يميل بعض الباحثين الأميركيين الى الاعتقاد بأن ايران لن تقدم على اقفال المضيق بسبب العقوبات، وبأن تهديداتها لا تتعدى إطار ممارسة الضغط على الغرب كي لا يذهب الى فرض عزلة اقتصادية كاملة عليها، تتسبب بإضعاف النظام وتصدّعه. وعبّر بعض المسؤولين الأميركيين عن شكوكهم في إقدام ايران على تنفيذ تهديداتها، واعتبر الناطق بإسم الخارجية الأميركية مارك تونر أن التحذيرات الإيرانية هي "شعارات" من دون مضمون فعلي(10).
كان سبق لايران أن هددت بإغلاق المضيق في اطار رد الفعل على هجوم أميركي أو اسرائيلي على منشآتها النووية، ويمكن ربط ارتفاع وتيرة التهديدات الراهنة بشعورها بأن العقوبات الجديدة تستهدف بشكل "غير مباشر" البرنامج النووي وذلك من خلال حرمانها الموارد المالية اللازمة، للإنفاق على هذا البرنامج المكلف.
يرجح الخبراء الغربيون أن لا تقدم ايران على خطوة لإغلاق هذا الممر البحري المهم بشكل مفاجئ في سياق الرد على تطبيق العقوبات الجديدة، والتي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في منتصف العام الجاري. ويمكن قياسًا على العمليات التي قامت بها في إبان الحرب مع العراق ما بين العامين 1980 و1988 أن تلجأ الى إعاقة ابحار ناقلات النفط في الخليج، ومهاجمة البعض منها، وخصوصًا اذا ما قررت المملكة العربية السعودية ضخ المزيد من نفطها لتغطية النقص الحاصل في أسواق النفط بسبب العقوبات المفروضة على النفط الإيراني. لكن يبقى من المحتمل أن تصعّد موقفها تدريجًا باتجاه العمل على اقفال "هرمز".
من خلال متابعة المناورات الإيرانية الأخيرة، ومن خلال مراجعة عامة للقوى البحرية والصاروخية التي تملكها ايران يمكن تصور السيناريو العسكري الذي يمكن أن تعتمده البحرية التابعة للحرس الثوري مع البحرية الإيرانية في عملية إغلاق المضيق. لقد استثمرت ايران مبالغ مالية كبيرة من أجل تطوير القدرات البحرية للحرس الثوري والبحرية الإيرانية، وذلك انطلاقًا من اعتقاد القيادة الإيرانية بأن البحرية تشكل الاستثمار الأفضل لمواجهة القوات الأميركية وإلحاق الضرار بها في منطقة الخليج. فسيكون بمقدور هذه القوى البحرية زرع ما يكفي من الألغام لتعطيل الملاحة في ممري الملاحة عبر المضيق (عرض كل منهما كيلومتران وبطول 50 كلم). كما يمتلك الحرس الثوري اسطولًا من المراكب السريعة الحاملة للصواريخ من طراز سي 802 والتي يبلغ مداها 120 كلم، بالإضافة الى مجموعة كبيرة من مراكب الدوريات السريعة المجهزة بقذائف صاروخية ورشاشات ثقيلة. وتمتلك البحرية الإيرانية ثلاث غواصات هجومية بالإضافة الى عدد من الغواصات الصغيرة القادرة على إطلاق صواريخ ذكية والمشاركة في عمليات زرع الألغام. ويملك الحرس الثوري قوة صاروخية أرض – بحر، مركبة على منصات متحركة ويبلغ مداها 100 كلم، وتوجه الى أهدافها بواسطة الرادار.
يمكن لهذه القدرات البحرية الإيرانية أن تنجح بإقفال الممر المائي بصورة مؤقتة ولأيام معدودة، ولكنها لن تكون قادرة على مواجهة القدرات العسكرية الأميركية وخصوصًا القوى البحرية التابعة للأسطول الخامس، والتي تضم في المرحلة الراهنة حاملتي طائرات مع مجموعة المراكب المرافقة لها. يضاف الى هذه القوى البحرية الجاهزة للتدخل فورًا قدرات جوية منتشرة في مطارات الدول الخليجية، والتي يمكنها المشاركة في عمليات الهجوم ضد البحرية الإيرانية أو في عمليات "المنع" داخل ايران، بما فيها القوة الصاروخية الإيرانية. يضاف الى هذه القوة البحرية والجوية وجود خمسة عشر ألف جندي في الكويت. ويتحدث بعض المعلومات عن طلب القيادة المركزية الأميركية المزيد من التعزيزات العسكرية، بما في ذلك إنشاء مطار عائم في الخليج(11).
يرجح أن تنجح ايران في عملية إغلاق هذا الممر الحيوي لساعات أو أيام معدودة. وستكون هذه العملية آخر رصاصة في جعبتها، حيث أن عليها أن تتوقع ردًا أميركيًا قاسيًا وحاسمًا، وقد لا تكتفي القوات الأميركية بتدمير القوات البحرية الإيرانية، وفتح المضيق بل من المحتمل جدًا أن تتوسع العملية العسكرية لتشمل المنشآت النووية الإيرانية بالإضافة الى مجموعة كبيرة من الأهداف الحيوية الأخرى سيترتب على عملية إغلاق هذا الممر المائي الحيوي نتائج دراماتيكية على أسواق النفط والغاز، كما ستتأثر اقتصاديات الدول الصناعية بما فيها اليابان والصين. وستكون النتائج كارثية بالنسبة إلى إيران على الصعيدين الاقتصادي والأمني، مع ترجح تدمير برنامجها النووي. ويعتبر خيار إقفال المضيق اسوأ الخيارات التي يمكن أن تعتمدها طهران في مواجهة العقوبات. لكن اذا حدث ذلك فإن الخيار الأميركي "القسري" سيتركز على شن عملية كاسحة لإعادة تأمين حرية الملاحة والاقتصاص من ايران.
3- البرنامج النووي: بداياته وتطوره
يعود تاريخ البرنامج النووي الإيراني الى زمن حكم الشاه محمد رضا بهلوي. والذي أنشأ العام 1974 "المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية"، والتي بدأت فور إنشائها عملية تفاوضية مع الولايات المتحدة من أجل توقيع عقد لمدة عشر سنوات من أجل تزويد ايران الوقود النووي. استتبعت ايران ذلك بتوقيع عقد مع المانيا العام 1976، وآخر مع فرنسا العام 1977.
وكانت ايران قد اشترت العام 1975 عشرة بالمائة من اسهم شركة EURODIF المتخصصة بتخصيب اليورانيوم، والتي تمتلكها كل من فرنسا وبلجيكا واسبانيا وايطاليا، ومركزها تريكاستن في فرنسا. وقضى الاتفاق مع الشركة بأن تطلّع ايران على تطوير التكنولوجيا الخاصة بتخصيب اليورانيوم، وعلى أن تحصل على حصة من انتاج الشركة من الوقود النووي(12).
وضعت ايران خطة طموحة تخوّلها شراء المعدات اللازمة لبناء 23 محطة نووية لتوليد الطاقة، تتوزع على جميع الأراضي الإيرانية، على أن تكون جاهزة للعمل في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، وقد توجهت لشراء هذه المفاعلات من كل من المانيا وفرنسا.
عند سقوط حكم الشاه وخروجه من ايران العام 1979 كان هناك ستة مفاعلات نووية قيد الإنشاء، وهي من أصل 12 مفاعلًا جرى الاتفاق على شرائها من كل من الولايات المتحدة والمانيا وفرنسا. وكانت المانيا، عند سقوط الشاه قد أنجزت ما يقارب 70 و60 % من محطتين بقوة 1300 ميغاواط في موقع بو شهر على الخليج. في هذا الوقت كانت فرنسا قد انجزت التحضيرات الهندسية لبناء محطتين بقوة 935 ميغواط في دارخوين.
كانت طموحات الشاه من أجل إنتاج سلاح نووي قد بدأت في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، من خلال بناء برنامج للأبحاث النووية، وظهر ذلك جليًا عبر جهود منظمة الطاقة الذرية الإيرانية لشراء المعدات والمعلومات التي تساعد في تسريع عملية البحث، ومن مصادر أميركية واوروبية تحديدًا.
وكانت أبرز عناصر برنامج الأبحاث النووية(13):
– مفاعل أبحاث بالماء الخفيف بقوة 5 ميغاواط ومركزه طهران.
– مفاعل يعمل بالنيوتران قوته 27 ميغاواطًا ومركزه أصفهان.
– بناء محطتين لتوليد الطاقة بقوة 1300 ميغاواط في بوشهر.
– مساع سرية لشراء معدات تكنولوجية نووية متطورة.
توافرت معلومات عن جهود بحثية جرت في منطقة أمير أباد حول تكنولوجيا استخراج مادة "البلوتونيوم" التي تستعمل كوقود لإنتاج القنبلة النووية، من خلال معالجة الوقود المستعمل بواسطة أشعة اللايزر.
وكانت ايران قد نجحت في الحصول على أربعة أجهزة تعمل باللايزر على ذبذبات الشريط، 16 ميكرونًا.
كان الشاه قد وافق على التوقيع العام 1978 على الاتفاقية الدولية لمنع انتشار السلاح النووي، ولكنه لم يتقيّد في الواقع بكل الضوابط التي نصّت عليها هذه الاتفاقية.
حاولت ايران في الفترة التي سبقت سقوط الشاه إقامة دورة تكنولوجية متكاملة تضعها فعليًا على طريق صنع سلاح نووي صغير. وكانت الانتهاكات الإيرانية جلية، من خلال الصفقة السرية التي وقعتها لشراء "الكعكة الصفراء" بقيمة سبعماية مليون دولار ولكن لا تتوافر معلومات دقيقة حول الكميات التي حصلت عليها ايران بموجب هذا العقد، قبل أن تجمّد جنوب افريقيا العقد وتلتزم بالضوابط التي فرضتها عليها المنظمة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) العام 1974. وكانت ايران قد سعت ايضًا لشراء 26 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصّب من الولايات المتحدة، ولكن الصفقة لم تنفذ بسبب سقوط الشاه.
توقف البرنامج النووي الإيراني العام 1979 مع سقوط الشاه، واستمر هذا التوقف لعدة سنوات، الى حين قرّر الإمام الخميني استئناف البرنامج العام 1984(14).
يفيد بعض التقارير الاستخباراتية عن تسلّم ايران مساعدات ومعدات لها علاقة مباشرة بالتكنولوجيا النووية من كل من المانيا والأرجنتين خلال فترة الحرب مع العراق ما بين العامين 1980 و1988. كما تتوافر معلومات عن اتسلمها معدات "طرد مركزي" تستعمل لتخصيب اليورانيوم من كل من باكستان والصين. وتفيد المعلومات ايضًا عن شراء ايران مفاعلين نوويين للأبحاث من الصين، يعمل أحدهما بالماء الثقيل والآخر بالماء الخفيف، جرى تركيزهما في منشأة نووية جديدة في أصفهان، أخفيت عن الوكالة الدولية لسنوات.
وقد تحدث بعض التقارير عن شراء ايران من الأرجنتين، بواسطة الجزائر، كميات كبيرة من ديوكسيد اليورانيوم، المادة التي تصنّع من "الكعكة الصفراء" حيث يجري تحويلها الى سائل أو غاز، بما يسهّل معالجتها للحصول على اليورانيوم المخصّب.
تؤكّد كل المعلومات سعي ايران، في ظل حكم الشاه، إلى تطوير دورة تكنولوجية كاملة تضعها على طريق صنع سلاح نووي. ولكن ثمة حالة من الشك والغموض تلف البرنامج النووي في عهد الجمهورية الإسلامية، وتتضارب المعلومات والتقارير والتحليلات حول النوايا الإيرانية وجهودها لصنع السلاح النووي. ويزيد في هذه الحالة التصريحات المتضاربة لمسؤولين ايرانيين كبار حول أهداف البرنامج النووي الراهن، وأبرزها:
1- أعلن نائب الرئيس الإيراني الأسبق آية الله مهاجرائي العام 1991 بأنه ينبغي أن تتعاون الدول الإسلامية من أجل صنع سلاح نووي إسلامي.
2- قدّم المسؤولون الإيرانيون تكرارًا مقترحات لإنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط. وكان الرئيس هاشمي رفسنجاني قد صرّح في مقابلة تلفزيونية مع برنامج "60 دقيقة" على شبكة التلفزة الأميركية (سي.بي.آس.) في ردّه على سؤال حول وجود برنامج نووي لدى ايران "كلا بالتأكيد. اني أكره هذا السلاح".
3- كان الرئيس محمد خاتمي قد أنكر بشكل قاطع وجود نيّة لدى ايران لصنع سلاح نووي كما أيّده في ذلك وزير الخارجية كمال خرازي في تصريح له في 5 تشرين أول/ أكتوبر العام 1997 حيث يقال «اننا لا نعمل بالتأكيد على تطوير سلاح نووي، لأننا لا نؤمن بهذا السلاح. اننا نؤمن ونسعى لدعم فكرة إقامة شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية ومن اسلحة الدمار الشامل الأخرى، لكننا مهتمّون بتطوير تكنولوجيا نووية خاصة بنا. اننا بحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة لدينا. خلال عدة عقود سينضب احتياطي النفط والغاز لدينا، وسنتحول إلى مصادر أخرى من الطاقة. وهناك استعمالات أخرى للطاقة النووية في الطب والزراعة، ووضعنا في ايران لا يختلف عن الوضع الأميركي. فالولايات المتحدة لديها مخزون كبير من النفط والغاز. وهذا لم يمنعها من بناء عدد كبير من محطات نووية للطاقة. لا ضرر من الطاقة النووية اذا كانت لأهداف سلمية»(15).
حافظت الدول الغربية على شكوكها تجاه نوايا ايران، وهذا ما دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإرسال مهمات تفتيش متكررة الى عدة مواقع نووية ايرانية، وقد أثار ذلك احتجاجات ايرانية حول استعمال الغرب لمعايير مختلفة في التعامل مع البرنامج النووي الاسرائيلي الذي لا يخضع لأية رقابة دولية.
تدل كل الوقائع والمعلومات الى سعي ايران الحثيث للحصول على المنشآت والمعدات الضرورية لإنشاء دورة كاملة لتطوير الوقود النووي، لكن لم تتوصل الدول الغربية ومعها الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى ايجاد الدليل المادي القاطع على أن ايران تعمل على تطوير رأس نووي في احدى منشآتها النووية السرّية، وبالتالي إعلان ذلك للعالم، بما يبرّر شن عملية عسكرية لتدمير هذا الموقع، أو كل المنشآت النووية.
تستمر الولايات المتحدة واوروبا في رسم "خطوط حمراء" لإيران، وهذا يدفع اذا لم يتوصلوا الى مخرج الى حشر ايران وقيادات هذه الدول في الزاوية، بحيث تصبح المواجهة العسكرية حتمية، وتكون خطيرة جدًا ولا يبدو أن أيً من الأطراف قد درس بتمعن النتائج التي تترتب عليها، ليدرك أهمية البحث عن حل سلمي للأزمة. في هذا الوقت تستمر حكومة اسرائيل في ممارسة ضغوطها على الولايات المتحدة لإعتماد الحل القسري ضد ايران، وتسببت هذه الضغوط بجعل المسألة النووية الإيرانية نقطة مركزية في النقاشات الساخنة بين المرشحين للرئاسة الأميركية.
4- التقرير الدولي واتهامات جديدة:
عبّرت الوكالة الدولية للطاقة النووية في آخر تقرير أصدرته حول البرنامج النووي الإيراني عن "هواجس جدّية" من جهود ايرانية حقيقية لبناء قنبلة نووية. وذكر التقرير الدولي أنه قد توافرت للوكالة "معلومات موثوقة" حول بذل ايران جهودًا مكثفة لامتلاك تكنولوجيا السلاح النووي وتطويره ، وبأن لديها الوقود النووي اللازم لصنع أربع قنابل نووية(16).
وكان هذا التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي صدر في تشرين الثاني- نوفمبر 2011 قد تضمّن معلومات وتفسيرات واستنتاجات تصب كلها في اتجاه استعادة ايران نشاطاتها لبناء السلاح النووي. وكان من الطبيعي أن تفتح الاستنتاجات التي توصل اليها التقرير الدولي أبواب المناقشات على مصراعيها حول ما يمكن للولايات المتحدة واسرائيل أن تقوما به لمنع ايران من تحويل كميات اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 %، والتي تقدّر بـ1500 كيلوغرام، الى وقود نووي –أي رفع درجة التخصيب الى ما يزيد عن 90 %. في خضم المناقشات التي أثارها هذا التقرير أعاد المسؤولون الأميركيون والاسرائيليون التأكيد أن كل الخيارات لمواجهة المسعى الإيراني للحصول على السلاح النووي ما زالت على الطاولة، بما فيها الخيار العسكري(17).
وتحدثت المعلومات التي استند اليها التقرير عن وجود "نموذج" في أحد الحواسيب الاليكترونية لرأس نووي يمكن استعماله على صاروخ "شهاب -3" وأنه قد جرت تجارب على تفجير نووي داخل غرفة معدنية كبيرة في موقع عسكري في "برشن" قرب طهران.
كانت اسرائيل قد استبقت صدور هذا التقرير الدولي بمناقشةً ساخنةً شارك فيها مسؤولون كبار حاليون وسابقون حول اعتماد اسرائيل الخيار العسكري من أجل منع أو تأخير حصول ايران على السلاح النووي. وكان آخر الذين دخلوا على خط هذا النقاش وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك الذي لم يستبعد الخيار العسكري، ولكنه اعتبر أن الذهاب الى الحرب ليس بالنزهة السهلة، ولكنه قلّل من أهمية نتائج ردود الفعل الإيرانية على أي هجوم اسرائيلي، رافضًا مقولة وسائل الاعلام باحتمال وقوع آلاف القتلى داخل اسرائيل جراء ردود الفعل العسكرية الإيرانية(18).
واجهت الولايات المتحدة المعلومات التي أوردها التقرير الدولي بشيء من التحفظ والرويّة، حيث رأى عدد من المحللين أن المعلومات المدرجة لا تشكل دليلًا قاطعًا على ضلوع ايران بصنع سلاح نووي بما يسمح لعرض الموضوع على مجلس الأمن، مع الأمل بالحصول على موافقة روسيا والصين على فرض تدابير وعقوبات قاسية ضد ايران. ويبدو أن واشنطن تخشى في حال اتخاذ خطوات نقل الموضوع الى مجلس الأمن من أن يعتبر ذلك بمنزلة اعتراف أميركي بايران كقوة نووية، ما يفتح الطريق أمام طهران لتطوير برنامجها الخاص لإمتلاك السلاح النووي.
في اسرائيل إلتزم رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو الصمت والحذر تجاه ما أورده التقرير، بينما طالب وزير الخارجية افيغدور ليبرمان بتشديد العقوبات ضد طهران بحيث تشمل مجموعة من التدابير لوقف كل التعاملات مع البنك المركزي الإيراني، بالإضافة الى وقف شراء الغاز والنفط من ايران. ويأتي موقفه هذا في اطار الحملة الديبلوماسية التي شنتها وزارة الخارجية من أجل حث العواصم الأوروبية والغربية على اعتماد مثل هذه الخطوات ضمن سياسة تشديد العزلة على ايران(19).
لا يمكن توقع صدور مثل هذه العقوبات بقرار من مجلس الأمن الدولي حيث ستواجه كل من الصين وروسيا أي مشروع قرار من هذا النوع باستعمال حق النقض لإسقاطه. يمكن لإدارة أوباما أن تقرر السير قدمًا في سياسة تشديد العقوبات ضد ايران، ولكن هناك عقبات تحول دون بلوغ المستوى الذي يمكن أن يتسبب بالخسائر والضغوط الكافية لحمل القادة الإيرانيين على الخضوع أو حتى القبول بالبحث عن مخارج مقبولة من الدول الغربية والولايات المتحدة. لا يمكن أن تتسبب العقوبات التي يمكن أن تفرض على البنك المركزي الإيراني بمثل هذا التبدل في الموقف الإيراني اذا لم تقترن بمقاطعة صادرات ايران من النفط والغاز. من المؤكد أن واشنطن ستجد صعوبات عديدة اذا ما فكّرت بتوسيع العقوبات لتشمل قطاع الطاقة. وهي تدرك مدى الأضرار التي يمكن أن تنتج من قرار كهذا على الاقتصاد العالمي، في وقت تتأرجح فيه اسعار برميل النفط ما بين 95 ومئة دولار. سيكون ايضًا من الصعب جدًا إقناع كل من الصين والهند بالحد من استيرادها للنفط الإيراني، وذلك بسبب الاستثمارات الكبيرة لكل منهما في تطوير بعض حقول النفط الكبيرة في ايران.
لا تدفع كل هذه المصاعب إدارة أوباما الى التفكير جديًا بالخيار العسكري على الرغم من القلق الذي يساورها من تقدم ايران نحو الحصول على السلاح النووي. وكان كل من الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما قد تعهدا بمنع ايران من الحصول على السلاح النووي. ولكن يبدو أن تعقيدات الوضع الجيو-ستراتيجي في كل من العراق وافغانستان قد حالت دون استحضار الخيار العسكري، وذلك على الرغم من الضغوط الاسرائيلية المكثفة لإقناع واشنطن باعتماد الخيار العسكري.
لا بدّ من الإشارة الى الخلاف الأساسي في نظرة واشنطن وتل أبيب الى البرنامج النووي الإيراني، حيث لا تشعر واشنطن بدرجة الحراجة نفسها التي تشعر بها تل أبيب، وخصوصًا في ظل حكومة نتانياهو التي ترى في البرنامج النووي الإيراني خطرًا مصيريًا.
في المقابل لا تشعر واشنطن بالقلق من إحراز ايران بعض التقدّم في مجال تخصيب اليورانيوم، وان ما يؤرقها بالفعل يبقى حول احتمال قيام ايران بتصدير هذا الوقود الى بعض حلفائها (دول أو منظمات) من ضمن سياسة التحوّط الأمني، بقصد حمايته من هجوم أميركي – اسرائيلي مفاجئ.
يرى أحد المحللين الأميركيين البارزين بأن إدارة أوباما ستجد المخارج اللازمة للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني سواء من خلال تجديد الهجوم على الكومبيوترات الإيرانية بواسطة فيروسات معدّلة من طراز "ستاكس نت – 2.0"، والذي سبق أن أثبت فعاليته الخارقة في شل القدرات الإيرانية على تخصيب اليورانيوم. وهناك ايضًا تكهنات حول إمكان اعتماد الولايات المتحدة على اسطول من الطائرات دون طيار موزع في قواعد سرّية حول ايران، من أجل ممارسة المزيد من الضغوط على ايران، وحملها على التراجع عن الشق الخاص بصنع السلاح النووي. يبدو بوضوح بأن الإدارة الأميركية ستعارض اتخاذ اسرائيل أي قرار عسكري (بصورة منفردة) ضد ايران، وذلك إنطلاقًا من قناعات معينة: أولًا: استنفاد مفاعيل العقوبات المفروضة على ايران. ثانيًا: فرض عقوبات جديدة. ثالثًا: استعمال وسائل وتقنيات حديثة من أجل تخريب الجهود الإيرانية وتأخيرها للحصول على القنبلة. هناك إدراك أميركي لمدى الأثمان الباهظة التي ستترتب على أي مواجهة عسكرية مع ايران، حيث من المتوقع أن تتوسع الاشتباكات وتتحول الى حرب شاملة تخوضها واشنطن ضد طهران، بقصد إسقاط الحكم القائم هناك بدل الإكتفاء بضرب عدد من المنشآت النووية الكبرى في ناطنز واصفهان وقم وطهران(20). لا تملك اميركا الآن الإرادة أو الامكانيات المالية اللازمة لتمويل مثل هذه المغامرة المكلفة جدًا، بالإضافة الى إدراكها الخسائر الكبيرة التي يمكن أن تترتب على اقتصادها وعلى الاقتصاد العالمي من جراء اقفال مضيق "هرمز" وانقطاع صادرات النفط من منطقة الخليج.
على الرغم من أجواء الشك والغموض التي ستخلفها المعلومات "المقلقة" التي تضمنها تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنه ما زال من المستبعد أن تلجأ اسرائيل منفردة الى توجيه ضربة صاروخية أو جوية ضد ايران.
5- الإخلال بموازين القوى:
حدثت في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2011 مجموعة تطورات أعادت الملف النووي الإيراني بقوة الى واجهة القضايا الساخنة في النقاش السياسي والاستراتيجي الأميركي. وحفلت وسائل الاعلام الأميركية بالمقالات والتحليلات والدراسات حول المخاطر التي يمكن أن تترتب على حصول ايران على السلاح النووي، وحول مختلف الخيارات التي يمكن أن تعتمدها الولايات المتحدة للحد من الطموحات الإيرانية للحصول على هذا السلاح.
من أبرز التطورات التي ساهمت في تسخين الأجواء المحيطة بالملف النووي الإيراني جاءت من خلال الاتهامات الأميركية لعملاء ايرانيين بالتخطيط لاغتيال السفير السعودي لدى واشنطن، ولتفجير بعض السفارات. ساهمت هذه الاتهامات التي صدرت في تشرين الأول/أكتوبر العام 2011 في زيادة التوتر في العلاقات الأميركية – الإيرانية الذي لم يصل منسوبه الى درجة تهديد الرئيس باراك أوباما أو أي مسؤول آخر في إداراته باللجوء إلى الخيار العسكري للاقتصاص من ايران(21). لكن هذه الاتهامات الخطيرة أعادت فتح النقاش حول إمكان حدوث مواجهة عسكرية بين ايران والولايات المتحدة في المستقبل المنظور على خلفية البرنامج النووي الإيراني.
ساهم تطوران مفاجئان في توتير الأجواء بين ايران والولايات المتحدة، تمثّل الأول بحصول انفجار كبير في موقع عسكري ايراني لصنع الصواريخ المتوسطة المدى من دون طيار، وتمثل التطور الثاني بسقوط طائرة استطلاع أميركية، تستعملها وكالة المخابرات المركزية للتجسس على ايران داخل الأراضي الإيرانية. وشكّل هذان الحادثان سببًا مباشرًا لتبادل الاتهامات وتصعيد الموقف في كل من واشنطن وطهران. واستغلهما المرشحون الجمهوريون للرئاسة الأميركية لتصعيد حملتهم ضد ايران، وضد مواقف إدارة أوباما من البرنامج النووي الإيراني(22).
جاء الانسحاب العسكري الأميركي من العراق في كانون الأول/ديسمبر العام 2011، والذي يعتبر نقطة تحوّل أساسة في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة ليطرح جملة تساؤلات حول خيارات الولايات المتحدة وقدراتها على التعامل مع محاولات ايران المهيمنة على العراق، وتهديد أمن دول مجلس التعاون الخليجي واستقراره. على الرغم من المخاوف والشكوك التي خلّفها الانسحاب العسكري من العراق، فقد حاولت الإدارة الأميركية، وعلى لسان وزير الدفاع ليون بانيتا استبعاد حصول مواجهة عسكرية مع ايران وذلك بسبب النتائج الخطيرة التي يمكن أن تترتب عليها. في السياق نفسه استبعد المستشار السابق الخاص في شؤون الشرق الأوسط دانيس روس في مقال نشره في 15 كانون الثاني/يناير 2011 اللجوء الى الخيار العسكري، ولكنه حذّر من أن محاولات ايران الهيمنة على العراق بعد الانسحاب الأميركي، كمقدمة لمدّ نفوذها باتجاه الجزيرة العربية ستشكل خللًا في موازين القوى ما سيؤدي حتمًا الى زيادة مخاطر مواجهة عسكرية بين ايران والولايات المتحدة(23).
تدلّ الخلافات السياسية بين القيادات العراقية الرئيسية ، والتفجيرات الارهابية التي شهدها العراق بعد الإنسحاب الأميركي الى وجود مخطّط ايراني لإضعاف الدولة العراقية وتفكيكها، كمقدمة لفرض هيمنة كاملة على المناطق الشيعية. وتشكل مذكرة التوقيف الصادرة بحق نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بتهمة الضلوع في عمليات إرهابية، والتخطيط لاغتيال رئيس الحكومة نوري المالكي خير دليل على وجود مخطط لإثارة الفتنة بين الشيعة والسنّة تمهيدًا لفرض هيمنة شيعية كاملة (تدين بالولاء لإيران) على مقدرات الحكم، وذلك على حساب الأقلية السنيّة العربية.
شعرت دول مجلس التعاون الخليجي بمخاطر المخطط الإيراني للهيمنة على العراق من خلال تخريب صيغة الحكم القائمة على حكومة "الشراكة الوطنية". وكان قد سبق تسجيل محاولات ايرانية "مكشوفة" للتدخل في الشؤون الداخلية لبعض دول مجلس التعاون، وخصوصًا في البحرين والكويت، وهذا ما دعاها الى التجاوب مع دعوة الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الرياض التي عقدت في 21 كانون الأول/ديسمبر 2011 للعمل على استبدال التعاون بالاتحاد بين الدول الست(24).
من الطبيعي جدًا أن يكون لهذه التطورات الدراماتيكية تأثير مباشر على الموقف الأميركي، حيث عبّر وزير الدفاع ليون بانيتا في مقابلة مع المحطة التلفزيونية "سي.بي.اس." عن تطور جديد في الموقف الأميركي تجاه طهران من خلال التشديد على أمرين: الأول، عدم استبعاد واشنطن للخيار العسكري من أجل منع ايران من الحصول على السلاح النووي، من دون أية إشارة الى النتائج والتداعيات الخطيرة التي يمكن أن تحدث من جراء هذه العملية. والثاني، التعبير عن اعتقاده بقدرة ايران على إنتاج السلاح النووي في خلال سنة واحدة أو أقل(25).
جاءت تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي في اليوم التالي لتصريحات وزير الدفاع لتؤكد أن «القيادة العسكرية الأميركية قد توصلت الى قناعة بضرورة اللجوء الى استعمال القوة ضد ايران اذا استدعى الأمر ذلك». ولم يستبعد الجنرال ديمبسي أن تؤدي هذه العملية الى حرب واسعة مع ايران. المهم في الأمر يتركز حول هذا التبدّل في الاستراتيجية الأميركية، والذي عبّرت عنه بصراحة كاملة أهم شخصيتين في القيادة العسكرية الأميركية.
تشهد ايران بالتزامن مع هذه التطورات الدراماتيكية، والتبدل الحاصل في الموقف الأميركي بالإضافة الى الخطوات التي اتخذتها قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض أزمة اقتصادية حادة. ويربط الخبراء اسبابها بسوء السياسات الاقتصادية التي اعتمدها محمود احمدي نجاد، بالإضافة الى التأثير المباشر لنظام العقوبات الدولية الذي قرره تباعًا مجلس الأمن الدولي والتي تسبّبت بانهيار ملحوظ لقيمة الريال الإيراني تجاه الدولار الأميركي، حيث تبدّل سعر صرف الريال من 7000 الى 15150 للدولار الواحد ما بين أواسط تشرين الأول/أكتوبر وأواسط كانون الأول/ديسمبر العام 2011، ويبدو انه لم يعد هناك سقف محدد لهذا التدهور الآن.
يبدو بوضوح أن الولايات المتحدة قد شعرت بعد خروجها من العراق عسكريًا بضرورة العمل على تشديد نظام العقوبات ضد ايران من خلال قرار جديد يتخذه مجلس الأمن، وذلك بالتوازي مع التهديد باللجوء الى الخيار العسكري اذا دعت الضرورة لذلك، في محاولة جديدة لإجبار طهران على تعديل سياساتها في العراق وتجاه دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة الى وقف نشاطاتها الخاصة بصنع القنبلة النووية.
من المشكوك فيه أن تنجح هذه السياسة المزدوجة الأهداف في ثني ايران عن استغلال الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي من العراق لفرض هيمنتها على المناطق الشيعية، بالإضافة الى محاولات جدية لاكتساب مزيد من النفوذ في الدول المجاورة. ويشجع ايران على ذلك ضعف الموقف الأميركي في افغانستان واستمرار مفاعيل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها الولايات المتحدة، بالإضافة الى عدم قدرة الرئيس أوباما على اتخاذ مواقف حاسمة على المستوى العسكري خلال موسم الانتخابات الرئاسية.
6- الخيار العسكري: دعاة ومعارضون
من بدهيات الأمور أن ترتفع وتيرة النقاش حول البرنامج النووي الإيراني والخيارات الأميركية لمعالجة الأزمة القائمة مع ايران حول مجموعة من المعضلات المعقدة، وأبرزها الاتهامات التي وجهها تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول تجدد الجهود الإيرانية لصنع سلاح نووي. تشكّل الانتخابات الرئاسية مناسبة مؤاتية لتفجير مثل هذا النقاش الساخن بين المرشحين الجمهوريين في مناظراتهم المتلفزة حول السياسة الخارجية، على أن يتبع ذلك مواجهات جادة بين المرشحين الديموقراطي والجمهوري اللذين يجري اختيارهما لخوض المعركة الرئاسية. وفي عملية استباقية لهذا النقاش فقد بدأت طهران اتخاذ جملة مواقف متقدمة على طريق استغلال الإرباك الحاصل في آلية القرار الوطني الأميركي في ظل الأجواء الضاغطة التي تخيّم على الإدارة الأميركية حيث أعلنت السلطات الإيرانية عن الاستعدادات الجارية لتشغيل محطة تخصيب اليورانيوم في "فوردو" قرب مدينة قم، من أجل زيادة انتاجها من اليورانيوم المخصب لدرجة 20 %. كما تحدثت القيادات العسكرية الإيرانية عن قدراتها غلى إقفال مضيق "هرمز" وقطع إمدادات النفط التي تعبر هذا المضيق – بالإضافة الى تحذير السفن الحربية الأميركية من الانتشار في مياه الخليج.
تعبّر هذه المواقف الإيرانية عن تنامي القدرات البحرية الإيرانية، كما تظهر عدم اكتراث ايران بالاتهامات التي ساقها ضدها تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وايضًا إرادتها في تحدي نظام العقوبات المطبق ضدها – بما فيها سلة العقوبات التي وقعها الرئيس أوباما مؤخرًا والتي تهدد بفرض عقوبات على جميع المؤسسات المالية التي تتعامل مع المصرف المركزي الإيراني. ينقسم السياسيون والاستراتيجيون في مناقشاتهم حول المساعي الإيرانية لإنتاج السلاح النووي وكيف يمكن للولايات المتحدة وقف هذه النشاطات الإيرانية الى فريقين: الأول، يدعو الى اعتماد القوة والقسوة، والثاني يدعو الى اعتماد الحكمة والتروي. أما الفريق الأول فيتجاهل المصاعب الراهنة التي تواجهها الولايات المتحدة في سلوك طريق الخيار العسكري، سواء لجهة عدم توافر الظروف الدولية المؤاتية لتشكيل تحالف عسكري لشن مثل هذه الحرب، أو لجهة البدء بحرب جديدة في الوقت الذي انسحبت فيه القوات الأميركية من العراق، وهي تبحث جديًا في تخفيض عديد القوى المنتشرة في افغانستان(26). ويبدو أن هذا الفريق يتجاهل حقيقة أن أي عملية جوية تستهدف ايران ستتحول حكمًا الى حرب اقليمية تمتد نيرانها الى كل دول الخليج- والعراق- وجنوب لبنان.
في الوقت الذي يرى فيه الفريق الثاني الداعي إلى الحكمة والتروي أنه من الضروري وضع حد للجهود الإيرانية لإنتاج سلاح نووي، فإنه يرى بأن العزلة والعقوبات المفروضة على ايران، بالإضافة الى الأضرار التي أصابت النظام الإيراني من جراء الثورات العربية، وتداعياتها داخل ايران وعلى حلفائها الاقليميين مثل سوريا وحزب الله ستؤدي مجتمعة الى إضعاف الاقتصاد الإيراني، والى توسيع الخلافات القائمة بين الرئيس محمود احمدي نجاد ومرشد الثورة الإيرانية السيد علي خامنئي. ويبقى من الضروري عدم إيجاد المبررات لجمعهما من جديد تحت مظلة مواجهة تهديد خارجي. ويضيف هذا الفريق بأن الحكمة تدعو الى عدم ركوب المخاطرة لإحداث فجوة كبيرة في الموازنة الأميركية، في الوقت الذي تحاول فيه إدارة أوباما ضبط الانفاق العسكري، وخفضه عدة مئات من المليارات وذلك ضمن التوجهات الجديدة لضبط العجز وتنامي الدين العام. ويذكّر هذا الفريق ايضًا بأن أية عملية ضد المنشآت النووية الإيرانية ستشكل خروجًا على آلية "القيادة من الخلف" التي انتهجتها واشنطن بمشاركة حلفائها في العملية العسكرية في ليبيا، والتي أثبتت فعاليتها، مع خفض مستوى مخاطر الدخول في حرب مكلفة وطويلة(27).
في رأي الفريق الأول الداعي الى اعتماد الخيار العسكري فإن ما هو أسوأ من النتائج التي يمكن أن تتمخض عنها العمليات العسكرية الواسعة ضد ايران يكمن في المخاطر التي يشكلها امتلاك ايران للسلاح النووي سواء على المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط أو على حلفائها الأساسيين في منطقة الخليج، أو على اسرائيل. اذا حصلت ايران على السلاح النووي فقد يستدعي إصلاح الخلل الحاصل في موازين القوى على المستوى الاقليمي أن تعقد الولايات المتحدة تحالفًا رسميًا كاملًا مع اسرائيل، وأن تؤمن مظلة نووية أميركية فاعلة لدول مجلس التعاون الخليجي.
في تقويم الأخطار والتداعيات المترتبة على امكان حصول ايران على الأسلحة النووية والنظام الصاروخي اللازم لها، يمكن تسجيل عدة ملاحظات أبرزها:
أولًا: لقد فشل نظام العقوبات الدولي في إقناع ايران في التخلي عن عمليات تخصيب اليورانيوم والتي ستسمح لها خلال أشهر بامتلاك ما يكفي من الوقود النووي لصنع قنبلة أو قنبلتين نوويتين. وتسبب الهجوم بواسطة "فيروس ستوكس نات" بتأخير عمليات التخصيب، من دون أن يوقفها. ويؤكد تقرير وضعته الوكالة الدولية في أيار/مايو 2011 أن المنشآت التي تعرضت لهذا الهجوم قد استعادت كامل طاقاتها لتخصيب اليورانيوم(28). ويتحدث تقرير الوكالة الدولية الذي نشر في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 عن تجارب تقوم بها ايران لإنتاج جهاز للتفجير النووي، وإعادة النظر في الأنظمة الصاروخية الخاصة بحمل الرؤوس النووية.
ثانيًا: توقع معهد العلوم والأمن الدولي الأميركي أن يكون باستطاعة ايران أن تنتج سلاحًا نوويًا في ربيع العام 2012، اذا قررت ذلك.
ثالثًا: بدأت ايران قبل نهاية العام 2011 نقل عمليات تخصيب اليورانيوم، وبعض العمليات الحساسة الأخرى الى محطة "فوردو" المحصنة داخل جبل يشرف على مدينة قم، بقصد حماية عمليات التخصيب من عملية عسكرية مفاجئة. وفي حال قررت ايران طرد المراقبين الدوليين فإنه سيكون بإمكانها أن ترفع نسبة مخزونها من يورانيوم بطاقة 20 % الى يورانيوم بطاقة 90 % في أقل من شهرين(29).
رابعًا: يضع احتمال اعتماد ايران لمثل هذا السيناريو الولايات المتحدة أمام مفترق خطير: إما أن تهاجم المنشآت الخاصة بالتخصيب فورًا، وإما أن تستعد لقبول ايران كعضو رسمي في النادي النووي، مع كل ما يترتب على ذلك من إخلال في موازين القوى الاقليمية. ويشكك بعض الدول الاقليمية في نيّة الرئيس أوباما وقدرته على اتخاذ قرار حاسم بهذا الشأن، وهذا ما دفع بعض الدول العربية الى التفكير جديًا في السعي لإمتلاك التكنولوجيا النووية من أجل مواجهة الأخطار المترتبة على امتلاك ايران للسلاح النووي.
خامسًا: يعتقد بعض الباحثين والخبراء بوجود خطر إندلاع نزاع عسكري بين ايران واسرائيل يؤدي الى تبادل هجمات بالسلاح النووي. يقتضي استباق حصول مثل هذا التطور الخطير، أن تضع الولايات المتحدة استراتيجية ردع جديدة وفاعلة ستتطلب نشر قوات بحرية وجوية كبيرة في المنطقة مع مظلة نووية دائمة. ويشكل ذلك ثمنًا باهظًا سيكون من الصعب على واشنطن تحمله في ظل السياسة الدفاعية الجديدة الساعية الى تخفيض الانفاق العسكري بشكل محسوس. ولكن، يبقى من المحتمل أن لا تحقق القوة الرادعة أهدافها، وأن تؤدي أجواء عدم الاستقرار الاقليمي الى نشوب حرب تؤدي الى نتائج كارثية، بالمقارنة مع النتائج التي يمكن أن تترتب على ضربة وقائية ضد المنشآت النووية الإيرانية(30).
يبقى السؤال الأساسي المطروح حول إمكان نجاح الهجوم العسكري في تحقيق أهدافه. ويثير معارضو الخيار العسكر&







