نزهة الماموني/الشارقة
الواقع أنه تم تكريمهما معا والفضل يرجع لراعي الثقافة العربية التي يمكن الاطمئنان عليها مادامت تحت رعاية يديه الكريمتين بإمارة الشارقة المنيرة للدروب المظلمة.
لقد استغرق تكريم الفنان دريد لحام وقتا ليس بالقصير لكنه مر علينا كلمحة بصر لولا عقارب الساعة التي نبهتنا لمروره :كنا أمام شخص مكلوم تكفي كلمة واحدة مؤثرة لتنكأ جرحه .. شخص يغوص داخل آلامه ليطلع لنا بابتسامة بين الفينة والأخرى كي يظل وفيا لاسمه "صانع الفرح"
هل كنا أمام فنان أم فيلسوف ساخر؟
يظهر الفنان الخفيف الظل عندما ينتصر على ألمه ويحوله إلى نكتة تجعل كل الحضور يضحك ، ثم يظهر الفيلسوف عندما يتحول كل شيء لديه إلى مصدر تساؤل
قال متحدثا عن حفيده الذي هرع إليه خوفا من الرعد : لقد استغربت من توجهه إلى السماء قائلا :أنا بحبك ياألاه لم تخوفني ؟
خرج دريد من هذا المشهد الطفولي البريء بحكمة لا يأتيها سوى الفيلسوف ألا وهي : حب الله أفضل من الخوف منه ..وتمنى لو أن الطفل يظل على هذا الحب ولا يسلب منه مع الكبر ويستبدل بالتخويف والترهيب …
فالأهل في نظر دريد لحام باعتمادهم تخويف الطفل وترعيبه يكرسون ثقافة التخويف والترهيب ،والأفضل أن يعمقوا داخل نفوس الأطفال البريئة ثقافة الحب ، لأن الحب ينشر السلام …
لكن الفنان الكبير دريد لحام بقدر ما كان رحيما بجمهوره الذي ملأ القاعة حبا فيه وشوقا للقائه ، فبادر إلى إسعاده بالابتسامة التي عوده أن يخلقها له ؛ بقدر ما كان ــ هذا الفنان الرائع ــ قاسيا حمل نفسه أكثر مما تحتمل . لقد أحسست به أنا شخصيا مثل الشمعة التي تحترق أمامي لتنير ما حولي . كذلك كان فناننا العظيم هذا المساء يخنق دموعه في حلقه لنبتسم نحن ، هذا هو الكرم الحاتمي في الفن !!!
دريد لحام حزين ، مجروح ، محبط … غاضب من الموقف العربي ومن كلمة العرب الذين "اتفقوا على ألا يتفقوا " دريد غاضب على "الطائفية" التي اعتبرها دخيلة على الإنسانية جمعاء وعلى كل الديانات السماوية باعتبار الله الذي يخلقنا كما نحن عليه ومتى تدخلنا في هذا وصنفناه فإننا نكفر بخالقنا …
دريد لحام رغم احباطاته الكثيرة والمتكررة عبر أعماله لفنية التي رمى بها في اتجاهات إصلاحية من ذلك دعوته لفتح الحدود بين الأقطار العربية وكيف أنها ــ حسب قوله ــ زادت انغلاقا ..و..و.. مع ذلك لا يشجع على اليأس بل يطالب بالأمل معتقدا أن ما لا تأتي نتيجته عاجلا قد تأتي آجلا مشيرا إلى أطفال الحجارة على أنهم يعتبرون جيلا لا حقا للجيل الذي عاش نكسة فلسطين الأولى …
دريد لحام تكلم كثيرا عن أمه لدرجة أحسست به يحن إلى حضنها وكأنها هي الوحيدة من بقيت له يستنجد بها …
لقد استحضر دريد الأم لأنها بالنسبة إليه هي حضن يشبه الوطن بعطائه الامتناهي وبسهره على راحة الأبناء ، لدرجة غلبت عليه دموعه وهو يردد وصية أمه … وكم كان عظيما هذا المشهد الذي التحم فيه صانع الفرح بآلام وطنه . ولولا أنه صانع الفرح بالفطرة وسرعان ما طلع علينا بابتسامة وسط دموعه لكان الحضور كله دخل في نوبة بكاء حادة ؛ خاصة وأن وصية أمه التي هي أيضا وطنه :
"يا أولادي ديرو ا با لكم على حالكم " وردد طويلا أن أمه لم تكن تسمح لهم بنداء بعضهم بأسماء مجردة ، إلا أن يسبقها أخي . وقال أيضا لأن كلمة أخي مشتقة من "آخ" بمعنى أستنجد بأخي كلما اشتد بي الضيق والألم …
فيا له من فنان رائع استمتعنا بلقائه رغم أنه في عز ألمه وإحباطه !!!!





