تحليل إخباري: الإسلاميون الجُدد في خضم الاقتصاد العالمي

ajialpress30 مارس 2012
تحليل إخباري: الإسلاميون الجُدد في خضم الاقتصاد العالمي

في خضم مجريات الربيع العربي يتبادر إلى الذهن سؤال بشأن مشروعية إبداء القلق إزاء وصول الأحزاب الإسلامية إلى السلطة في العالم العربي، فإن كان صعودها يتماهى بما لا يذر مجالاً للشك مع اقتصاد السوق، يطرح الإشكال على المستوى السياسي بخصوص الحقوق الأساسية التي تفرض تقديم ضمانات على مرأى الشباب الليبرالي، يوضح عالم الاجتماع رضا بنكيران.

بعد عام من اندلاع الثورات الاجتماعية بالعالم العربي، ثَبُت أن الخشية من مد أصولي وموجات هجرة متتابعة أمر عار من الصحة. وقد شكل المنتدى الاقتصادي (دافوس) في هذا السياق منعطفا جوهريا على الصعيد الجيوستراتيجي العالمي، فللمرة الأولى يحضر زعماء أحزاب إسلامية انتخبوا للتو في المغرب وتونس ومصر، والذين يحظون في بلدانهم بشرعية ديمقراطية رأت النور مع ربيع العرب. ليشاركوا في اجتماعات نادٍ ضم كبار رجال الأعمال، فبعد أن كان ينظر إليهم كفزاعة ايديلوجية قبل عشرين عاماً أضحوا اليوم موضع ترحيب.

وعقب مضي عشر سنوات على هجمات الحادي عشر من سبتمبر غدوا بمثابة شركاء موثوق بهم داخل منظومة دولية تعرف بنى اقتصادها هشاشة تزداد حدة أكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى.

يذهب الكثيرون إلى أن الناشطين الذي أشعلوا فتيل الثورة في كل من تونس ومصر، والذين تظاهروا مطالبين بإصلاح النظام الملكي في المغرب، ليسوا بمن صعدوا إلى السلطة.

وبالتزامن مع صعود الإسلاميين إلى الحكم في أقطار شمال إفريقيا تحدو كلاً من أوربا و أمريكا رغبة جامحة لـــلجم و مراقبة ثورات تظل اجتماعية أكثر منها سياسية، والمطالبة بمراعاة التزامات ذات صلة بسيادة اقتصادية انتهكت فيما مضى من قبل مستبدين اغتنوا على حساب بلدانهم، أصبحت تفرض نفسها إن عاجلاً أم آجلاً .

وإنه من شأن توجه الإسلاميين نحو الأسواق أن يسهم في استمرار تدفق الموارد الطاقية الحيوية الرخيصة على الاقتصاد العالمي، كما يستطيع أيضا ضمان الاستقرار للمجتمع الدولي من خلال احترامه للديمقراطية. و قد حاولت بعض الأنظمة (العسكرية منها كالجزائر على سبيل المثال) إطلاق عملية انتخابية تؤول إلى الإسلاميين قصد إعطاء الانطباع بأن الإصلاح واقع لا محالة. هكذا سيثبت الاقتصاد العالمي وجود إسلام معتدل مطالب بدوره بالإبانة عن انفتاح ديمقراطي في العالم العربي.

إلى جانب المحدد الاقتصادي ذي الأهمية القصوى، ينضاف إلى ما ذكر دعم دولتين بيترودولاريتين للأحزاب الإسلامية قصد تمكينها من الوصول إلى البرلمانات العربية. فقطر تدعم الإخوان المسلمين على كافة الأصعدة (ديبلوماسيا، و إعلاميا، و ماليا) في نطاق رؤية تحبذ أشكال المحافظة اجتماعيا لكن بنهج ليبرالي على المستوى الاقتصادي. ومن جانبها، تعمل المملكة العربية السعودية على تصدير مذهبها العقدي "الوهابي" الذي يدعم الحركات السلفية المتشبثة بتفسير حرفي للإيمان علاوة على اتباع نهج السلف.

وإن كان الجدال محتدماً في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، بخصوص الأخلاق و الهوية و القيم الإسلامية، فإن تحليلاً سريرياً لمأساة الاقتصاد بالمنطقة يغيب بشكل مطلق. في ظل هيمنة اقتصاد الريع. وفي الوقت الذي تواصل فيه الدول العشائرية بالخليج استعانتها بعمالة آسيوية حبيسة ورشات العمل حيث لا تتمتع بأية حقوق نقابية او سياسية.

وفي غضون انعدام أي رؤية او استراتيجية، يضحي من الملح التوجه نحو اقتصاد قائم على ثقافة العمل و الانتاج الضخم، إضافة إلى تطوير الزراعة و تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، علاوة على تبني رؤية جيوستراتيجية للماء و الطاقات المتجددة عبر إرساء قواعد تنمية مستدامة بالمنطقة في أفق البحث عن نموذج اقتصادي بديل عن ثقافة الريع التي تشكل تحديا لمنطقة تفوق قاعدتها السكانية 360 مليون نسمة.

تسعى الحركات الإسلامية في تعبيرها عن الانتقال السوسيوسياسي إلى تأكيد حسن النوايا. فالإسلاميون كانوا أبرز ضحايا الديكتاتوريات العربية. و عليه يتعين على الأحزاب الإسلامية التي تعد الأفضل تنظيماً ألا تذر احترام حقوق الإنسان و الشرعية الديمقراطية و انتصاراتها الانتخابية الأخيرة تضحي موضع ارتياب، فاشتغالها داخليا ظل شفافا و ديمقراطيا، كما أن أطرها مكونة غالبا في مجالي العلوم و التكنلوجيا و متمكنة من آخر مهارات التسييير و فن التسويق و التواصل المكتسبة من أرقى المدارس الأمريكية و الأوربية، و هو أمر كفيل بأن يجعل منهم وكلاء العلمنة في الإسلام.

يحيل الإسلام السياسي اليوم في العالم العربي أساساً على تلك الأحزاب السياسية القانونية غير العنيفة و الملتزمة بالديمقراطية (حزب العدالة و التنمية المغربي، وحركة النهضة، إضافة إلى حزب العدالة و الحرية المصري). التي تسعى بشغف إلى أجرأة معارفعها في حكامة جيدة و عدالة اجتماعية و محاربة للفساد. و بناءً على هذه الجوانب الملموسة سيحكم عليا من قبل الشعوب. و بالموازاة مع ذلك هناك أحزاب إسلامية راديكالية، " كحماس الفلسطينية و حزب الله اللبناني اللذين يحظيان بشعبية واسعة و تمثيلية داخل الحكومة، لكن ينقصهما الاعتراف الدولي الذي يشترط العذول عن "العداء المسلح" ضد إسرائيل.

إلى جانب الإسلام السياسي المعروف، يتعين أخذ السلفيين بعين الاعتبار، وهم الوافدون الجدد على السياسة و المعتنقون لايديلوجية دينية أصولية تكستي الخشية منها مشروعية كبيرة بحكم مكانتها في المذهب السني. و قد استطاعت السلفية أن تنتشر بفضل ريع البترول، فضلا عن الذيوع العائد إلى قنوات فضائية شبيهة بالقنوات الانجيلية في شمال أمريكا حيث يعيش التعصب و الرأسمالية في وئام تام، ثم إن السلفية وهي حركة غير ثورية لها قاعدة أتباع "متطرفة" و "عنيفة"( السلفية الجهادية).

يحاول الإسلاميون الجدد على الصعيد السياسي استلهام التجربة التركية، التي برهنت منذ عشرة أعوام على قدرة حزب إسلامي على المساهمة في استقرار و إشعاع بلد يتوزع بين آسيا و أوربا. لكن حزب العدالة و التنمية التركي يبدو متجاوزاً في خضم العنف الذي يسم الثورات الاجتماعية بالعالم العربي، فضلا عما عرفته تركيا مؤخراً من تراجع في حرية الرأي و التعبير، و عودة إلى نهج القمع في التعامل مع القضية الثقافية الكردية، وعليه فإن لا شيء تقريباً قد تم إحرازه في مسار الدمقرطة.

بناءً على ما سلف، يمكن القول إن الأحزاب السلفية تبعث على القلق أكثر من الأحزاب الإسلامية في الديمقراطيات الوليدة. فالانطباع السائد هو جاهزية الديمقراطيين المسلمين للانخراط في اقتصاد السوق وجيوستراجية البترول والغاز، بيد أن آخر معاقل الدوغمائية لا تركز على السلطة والدولة بالقدر الذي تهتم فيه بالمجتمع و الأسرة و الفرد.

ويبدو ختاما أن الجانب الاجتماعي سيكون على الأرجح بمثابة الرهان بين رجال الأعمال المسلمين والناشطين الآخرين في المجتمع. إذ يتطلب الأمر رسم مشروع موجه للمجتمع (لا بعث صورة وهمية للماضي) بشكل تكون فيه المواطنة والتربية ووضعية المرأة معايير للتحرر، وبحيث تصان حقوق الأقليات الثقافية و المذهبية بشكل تجسد فيه شعارات الثورية العربية ( حرية، عدالة، كرامة).

مستجدات