نزهة الماموني/الشارقة
لقد عجبت من أمر بعض الزملاء من الناقدين "الذين لا يعجبهم العجب" وكأن النقد وجد فقط ليحبط . مع أن مهمة النقد الأساسية هي تقييمية مشجعة بناءة …
فإذا كنا أمام عمل تآلفت فيه عناصر كثيرة لتعطي إبداعا وفرجة ، ذاك يستحق منا تثمينا وليس تبئيسا .وحقيقة النقد هي مصاحبته الحميمية للابداع من أجل تقويمه وإيقافه على رجليه ، وإعطائه جرعة إضافية من التقوية ليستمر ، وليس هدمه لدرجة لا يستطيع بعدها الوقوف مرة أخرى .
إن التجريب الذي أصبحنا نعيشه اليوم في كل المجالات اللإبداعية أدبية كانت أم فنية جعل المسرح بحكم انتمائه لهذه الأجناس هو أيضا يحاول اللحاق بالركب ويسعى لأخذ نصيبه من حالة التجريب هذه التي اكتسحت الساحة الابداعية . وهنا السؤال الذي يطرح نفسه :
هل نحن أمام تجريب أم تخريب ؟؟؟؟
سؤال نرد عليه في مجال الطرح الأكاديمي الذي ليس مجاله هذه الورقة المختصرة التي تتحدد مهمتها فقط في إلقاء بعض الضوء على ما يروج أيام الشارقة المسرحية .
من خلال جولتنا بين العروض والندوات وجدنا إنتاجا ، وهدما كبيرا له من طرف المتدخلين ؛ لكن كنا نفضل نقدا خفيفا يلامس فقط نقط الضعف عند هؤلاء الشباب الذين بدلوا قصارى جهدهم كي يصلوا إلى مرحلة العرض . لأن هذه العروض رغم هفواتها تبقى عروضا شابة تأليفا وإخراجا تستحق التشجيع من الأجيال التي سبقتها كي ترغبها في العطاء أكثر ولا تنفرها .رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام قال "رغبوا ولا تنفروا" وكفانا برسولنا قدوة في كل شيء .
ليس عيبا أن نقدم ملاحظات ، ولكن العيب كله أن تقدم "جلدا" لعقول شابة لم تخبر الحياة بعد وصعب عليها تحمل هذا الجلد القاسي ، حتى الدواء لمرارته يقدم جرعة جرعة …
الناقد هو فنان ــفي الأصل ــ وليس جلادا . النقد يشتغل على القواعد والمناهج ، يميل إلى التحليل العلمي أكثر منه إلى الأدبي ؛ لكنه يظل فنانا في اختيار النص المناسب ..في اختيار المنهج المناسب .. في استنباط كنه الابداع الذي لا يستطيع حتى المبدع نفسه فهمه في كثير من الأحيان . فالنقد يفسر حتى المبهم لدى المنتج نفسه ، لنجزم على أن هناك علاقة تكامل بين المنتج والناقد . لهذا يكون التذوق عاملا مشتركا بين الطرفين وإن اختلفت مجالات اشتغالهما .
وهنا مربط الفرس ، التذوق : ألم يكن في عمل ــ على سبيل المثال ــ "عنمبر"شيء يوحي بأشياء ؟
ألم يكن في عمل "الولادة" ثورة حقيقية على قواعد ركحية ومقايضة واضحة بين الأجناس الأدبية والفنية في تبادل العناصر ؟
طبعا لن ندخل في هذه الأمور لأنه كما سلف ذكره اختصاص أكاديمي . ما نركز عليه هو انطباعنا الأولي الذي كنت صادقة في الاعلان عنه للشاب. حيث فتح صدره على مصراعيه للجلد . والجميل أكثر هو رده العفوي اوتلقائيته في القول بأن عمله هذا جاء بمثابة لطم على الخدود من كل المواقف التي وجد نفسه فيها من جراء الأحداث العربية . شيء رائع أن نجد شابا يحمل هموم قوميته العربية … شابا يحاول التعبير عنها بأية وسيلة ممكنة …
وقع في الخطأ ؟ أكيد …
لكنه أتى الصواب أيضا …
فلابد أن نصفق له ونقومه شيئا فشيئا بالنقد البناء أفضل بكثير من الجلد …
فهذا شاب استقبل الجلد بقوة يحسد عليها ، لكن قد يكون الجلد سببا في إحباط شاب آخر ، وبدل أن يكون حضورنا ــ كباحثين أكاديميين ــ لكي نشجع الشباب على المحاولة والعطاء ، نحضر لكي "نخرسهم "
أبدا لا أوافق على هذا الفعل ــ في حق الشباب ــ في وقت يستلزم منا تشجيعهم على التعبير والأداء ، كما نشجع أطفالنا الصغار على تهجي الكلمات حرفا حرفا بلمسة حنان وقرسة وذن خفيفة" أفضل من ضرب السوط !!!
شبابنا العربي ، مزيدا من العطاء ، البلاد العربية بحاجة إليكم وإلى إبداعكم ، وإلى استنارتكم بنور الثقافة والفنون . وما أصاب أحد دون أن يخطأ …
عبروا كما تشاؤون ، ونحن معكم ــ حتى وإن خرجتم عن مناهجنا الجافة ــ نحن معكم لنتبادل التجارب معا . كما يستفيد المبدع من الناقد ، الناقد أيضا يطور نفسه بمواكبته الابداعات الجديدة واحتكاكه بها . قلما يكون النقد استشرافيا للجديد لأنه في الغالب يفسر ما هو موجود وقائم . بمعنى قد تجود قريحة شاب مبدع بما لم ندرسه في أكاديمياتنا ، ويكون بداية لدرس جديد نستفيد منه معا مبدعا وناقدا !!
ومن يدري قد تساهمون في تأصيل المسرح العربي وانفلاته من التبعية الغربية !!!






