قضاء الظل والتعدد.

ajialpress21 فبراير 2012
قضاء الظل والتعدد.

بقلم:  عادل فتحي, نائب وكيل الملك بابتدائية تازة
عضو نشيط بالجمعيات المهنية

الغموض يكتنف الوفاء بمحتوى ومضمون الخطاب الإصلاحي

أضحى جميع المهتمين بالشأن العام، في الآونة الأخيرة، يعتمدون الخطاب الإصلاحي بشكل صريح وواضح، إلا أنه وللأسف الشديد مازال الغموض يكتنف مدى الوفاء بمحتوى ومضمون هذه الخطابات.

يعتبر الخطاب الإصلاحي ضمن القيم والمبادئ النبيلة التي يتضمنها الدستور الجديد من قبيل تخليق الحياة العامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والحكامة الجيدة، وفصل السلط، والحصول على المعلومة.
وبخصوص النقطة الأخيرة، أي الوصول إلى المعلومة، فقد نص عليها الفصل 27 من دستور 2011، الذي جاء فيه: للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيآت المكلفة بمهام المرفق العام.
ولايمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى قانون بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، مثل حماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، والوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة.
وتبعا لمقتضيات الفصل أعلاه من الدستور، وأخذا بعين الاعتبار الواقع القضائي الذي نعيشه، فمن الصعب تفعيل مضمون هذا الفصل، خاصة أن جهاز النيابة العامة بدوره يصعب عليه، وفي بعض الأحيان يستحيل عليه، الحصول على المعلومة خلال ممارسة صلاحياته وسلطاته المتمثلة في التحري والبحث أثناء ارتكاب الجرائم، وخير دليل على ذلك، أن جرائم «الرقم الأسود» تفوق بكثير الجرائم المحالة على السلطات القضائية المختصة.
وما يزيد الطين بلة هو أن جهاز النيابة العامة لم يشمله الإصلاح القضائي، رغم أن الجميع أصبح يتحدث في الوقت الراهن عن الإصلاح ومحاربة الفساد بجميع ألوانه وأشكاله، وبعبارة أدق مازال قضاة النيابة العامة يواجهون عدة عراقيل وصعوبات خلال قيامهم بمهامهم، وأنهم مازالوا يعتبرون قضاة الظل، أي قضاة مهمشين ومقصيين، كما لم يتم إدراجهم في عمق الإصلاح الذي تعرفه المنظومة القضائية.
وبكل استقلالية وموضوعية مازالت النيابة العامة غير قادرة على القيام بدورها ووظيفتها نظرا لتواطؤ جميع مساعدي القضاء وغيرهم على الجهاز، علاوة على أن المعهد العالي للقضاء يعتبر بمثابة مقبرة ثابتة عندما يتعلق الأمر بتدريب وتكوين هذا النوع من القضاة في غياب أي إستراتيجية أو مخطط أو طريقة عمل، فالملحقون القضائيون الذين يتم انتقاؤهم بالقضاء الواقف يبقوا سجناء الصمت والجهل، مع العلم أن كيفية وطريقة التعامل مع القيم القضائية تختلف من القضاء الواقف إلى القضاء الجالس.
فقضاة النيابة العامة يرتكز عملهم على جمع الأدلة والحجج لتحريك الدعوى العمومية وممارستها، خاصة في الوقت الراهن الذي أصبح فيه المتهم ينعم بحق الصمت، رغم أن هذا الحق يبقى نسبيا عندما يتعلق الأمر بالجرائم الاقتصادية والمالية أو في جرائم أخرى بالاستناد إلى العلوم النفسية والأنتربولوجيا التي تتيح قراءة أنواع أخرى من اللغة من قبيل ملامح ومظهر المتهم وتحركاته وسلوكاته التي تعين على فهم واستيعاب وقائع محور الجريمة.
بالتالي يمكننا أن نخلص إلى القول بأن صعوبة الوصول إلى المعلومة من طرف قضاة النيابة في بعض الحالات لاتخاذ القرار المناسب يجعل مقتضيات الفصل 27 من الدستور الجديد صعبة التطبيق.
ولن نبالغ إذا خلصنا إلى أن التقسيم الثلاثي للجريمة: مخالفة، وجنحة، وجناية غير ذي جدوى، وأن من الأفضل اعتماد التقسيم الثنائي: جرائم خطيرة وجرائم غير خطيرة، تماشيا مع الواقع العملي وعلى غرار بعض القوانين المقارنة.
ومن زاوية أخرى فإن عملية الإصلاح ومكافحة الفساد بجميع ألوانه وأشكاله بغية تطهير المجتمع، يلزمنا بكل بساطة أن نستحضر فلسفة وروح مدونة الأسرة المتمثلة في تحقيق أهدافها ومقاصدها، والذي يعد ضمنه المشروع المجتمعي الحداثي التنموي وعلى سبيل المثال لا الحصر مسألة التعدد، فمن ضمن الجديد في مدونة الأسرة، بالنسبة إلى تعدد الزوجات، هو أنه لا يجوز إلا وفق الحالات الشرعية، وبعد أن يثبت طالبه المبرر الموضوعي والاستثنائي، فقد جاء في المادة 40 من مدونة الأسرة: يمنع التعدد، إذا خيف عدم العدل بيت الزوجات. كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها ونص المادة 41 من المدونة نفسها: لا تأذن المحكمة بالتعدد
إذا لم يثبت لها المبرر الموضوعي الاستثنائي، وإذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين، وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة.
فمن خلال الإطلاع على هذه النصوص، يتبين أنه أضحى شبه مستحيل أن يقترن رجل بأربع نساء في وقت واحد، إلا أن هذه الإمكانية واردة في ميادين ومجالات أخرى، ونخص بالذكر السلط الأربع التي ينعم بها في كل بلد، فما زال رجال المال بإمكانهم الاقتران في وقت واحد بهذه السلط الأربع: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة الإعلامية، ضدا على مجموعة من المبادئ التي يتضمنها الدستور من قبيل الحكامة الجيدة،  وفصل السلطة وربط المسؤولية بالمحاسبة، الخ…، و ذلك دون الوقوف على طبيعة مصادر هذه الأموال إن كانت مشروعة أو غير مشروعة.
من حقنا أن نطرح علامة استفهام كبيرة: متى سيتم إلغاء التعدد بجميع أشكاله وألوانه والإبقاء فقط على التعدد الطبيعي في إطار شروط مدونة الأسرة؟
فهل جهاز النيابة العامة مازال بدوره في حاجة لحماية، لأنه غير قادر على المساهمة بالشكل المطلوب في تحقيق أهداف التنمية البشرية وتطوير المجتمع الذين يرتكزان على مكافحة الفقر بجميع ألوانه، عوض حصر دور جهاز النيابة العامة فيما هو تقليدي وسطحي وغير منتج لدرجة أضحي فيه هذا الجهاز بمثابة شاهد وشهيد؟ وخير دليل على ذلك تدخل وزير العدل والحريات في أغلب القضايا الخطيرة، فمتى سيتم الانتقال من ضفة قضاء الظل والتعدد، إلى ضفة استقلال القضاء دون استئساد أحد؟، قصد تنزيل الدستور الجديد على أرض الواقع بشكل ديمقراطي سليم خاصة أن الديمقراطية أضحت من ثوابت المملكة. فقد صدق من قال: «إلا شفتي المزلوط زربان: عرف بأن مول الفلوس مسخرو».

 

 

مستجدات