حين تصرخ تازة وامعتصماه

ajialpress24 فبراير 2012
حين تصرخ تازة وامعتصماه

إكرام عبدي

لطالما تباهينا أمام العالم ب"ثورتنا الهادئة"، حين أزهر "الربيع العربي" نبتا مغربيا ناضجا ومهادنا؛ شباب عشريني لا يحمل شارة حزب أو تنظيم سياسي، بل أحلام وشعارات وقصاصات لنسج خيمة وطن أجمل؛ حركة فتية تعيد للحلم خصوبته وطراوته، تقول لا للفساد، والجمع بين السلطة والثروة، ونعم للعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ولا تمارس العقوق على الملكية بل بنضج ووعي سياسيين تؤسس لثقافة النقد والمواجهة، حركة تعيد إصلاح علاقة الحاكم بالمحكوم، وتطالب بالمصالحة الوطنية بعيدا عن أي فتنة أو تشويش على مطالبها، وتدافع عن ملكيتها بكل ما أوتيت من قوة وحقيقة، تأمل تلاحم الملكية بمطالب الشعب، لم تتنكر للحركية الإصلاحية التي سنها «ملك الفقراء» منذ عشر سنوات، ولا للمفهوم الجديد للسلطة ومدونة الأسرة ومبادرات التنمية البشرية، ولا لهيئة «الإنصاف والمصالحة»، كمبادرة حضارية أبدعتها هذه الهيئة للكشف عن جوانب من الحقيقة….
هم مواطنون شباب تأبطوا حلم التغيير بنضج وتحضر، وبكل جرأة وجسارة، ونددوا بكل السياسات التي تختلس من الإنسان حقه في الإنسانية وفي الوجود السوي.
حركة فتية وحدت أوتارها الصوتية، وتوجهت إلى ملكها بصوتها المبحوح المغمور بكل أحاسيس التهميش والتحقير والظلم، وكان الجواب منفتحا متحضرا ومتفهما في خطاب جلالة الملك يوم 9 مارس 2011.. خطاب أشاد به القرضاوي والمجتمع الدولي، خطاب عمل على سن ميثاق جديد بين الملك وشعبه، وأعلن عن ميلاد عهد جديد من الإصلاحات السياسية والدستورية، بتوسيع مجال الحريات ومنظومة حقوق الإنسان، وكذا تعزيز استقلالية القضاء، وتقوية دور الأحزاب السياسية، وإخضاع السلطة للمراقبة والمحاسبة، والتكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية، وحماية الحريات وحقوق الإنسان، وتوسيع صلاحيات البرلمان، والحرص على انبثاق الحكومة من صناديق الاقتراع، وتكريس الجهوية المتقدمة
أعلنا للعالم أنه من الممكن خلق هندسة جديدة لهاته الحياة دون شلالات الدم ولا أنقاض الجثث، لكن ما حدث في تازة، يعيد للأذهان ما وقع في صفرو يوم 3شتنبر 2007، حيث العنف أصدق أنباء من الكتب؛ لا من المحتجين ولا من رجال الأمن، شرارات احتجاج اشتعلت، بعدما كانت فتيلا يحرق وببطء صدور المواطنين بنار الغلاء والتهميش والإقصاء، احتجاجات انقدح زنادها حين لم تجد من يطفئها بماء الحوار والإنصات، احتجاجات لطالما بحت حناجرها، ورفعت عقيرتها بالشكوى، حتى غدت أشبه بطقس يومي مألوف لا يحرك أي ساكن، بل يتم التغاضي والاستهانة بصوتها المهادن الذي رغم هدوئه فقد يرهب المسؤولين في الدول المتحضرة، وقد يتحول إلى حزب سياسي يشارك في السلطة، فالاحتجاج يعد شكلا من أشكال التحضر، واتساع مساحة التعبير والحرية، لكن شريطة أن يكون احتجاجا سلميا، مرخصا قانونيا، وتتم معالجته معالجة تتفادى ما أمكن المقاربة الأمنية.
المواطن قد يلجأ إلى العنف أو إلى حرق نفسه أو إلى أساليب مؤذية من الاحتجاج، حين يجد أن صوته الهادئ ظل حبيس فيه، حين لا يجد بيتا من الحوار والإنصات يأويه ويضمه إلى كنفه، حين يصرخ "وامعتصماه"، ولا يجد من يهب لنجدته وإسعافه، ف«من يمنعون الثورات السلمية يجعلون الثورات العنيفة حتمية» كما يقول الرئيس الأمريكي الأسبق كينيدي، لكن هذا لا يبرر أي عنف أعمى كيفما كان شكله ومهما كان مصدره وكيفما كانت دوافعه.
يخطئ من يشبه "ثورة" تازة بثورة سيدي بوزيد، فالثورات العربية كانت وما زالت تهدم لكي تبني، تجرح وتؤلم لتضمد جراحات إنسانية وتاريخية أعمق وأغور، لكن حالة الاحتقان التازي تهدم من أجل الهدم، هدم مكتسبات سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوقية تم وضع أسسها في خطاب 9 مارس 2011، وأوتيت بعض من أكلها عند الاستفتاء على الدستور الجديد في فاتح يوليوز 2011، وعند اجتياز مرحلة الانتخابات التشريعية بسلام يوم 25 نونبر 2011.
ولأعداء التغيير، كفى من حرق حقول ربيعنا المغربي بنار العنف والغضب الأعمى، كفى من الركب على هاته الأحداث الدموية مطية لضرب كل ما تم بناؤه من مكاسب وإصلاحات، كفى من التشويش على هاته المرحلة الانتقالية الثانية التي يعيشها المغرب اليوم في ظل حكومة جديدة مازالت ترتب أولويات إصلاحها.
كفى من استغلال غضب عابر سبيل، للتشكيك في وطنيتنا ومغربيتنا وسعينا الحثيث إلى الإصلاح والتغيير، فالمغاربة قد يستشعرون نوعا من الحيف والإقصاء والتهميش في مغرب يسع الجميع، لكن لا مشكلة لديهم مع وطنهم، مشكلتهم مع مسؤولين انفضوا من حولهم، وحرموهم من تفيء ظلال الحوار والإنصات، مشكلتهم مع عتاة وفاسدين ووصوليين وانتهازيين في كل المجالات سولت لهم نفوسهم تدنيس هذا الوطن، والرقص على إيقاع الفساد والابتذال والأباطيل والمكر والظلم الاجتماعي، ومباركة مغرب من صنيعهم، مغرب نستنكره ونأمل يوما بعد يوم أن يتهدم، لنبني على أنقاضه مغربا جديدا.
فالمغاربة إن اشتكوا وتذمروا، فالمغرب يسعهم بكل تأججهم وبكل لومهم وعتابهم، وسيلتمس لهم دائما العذر، لأنه يعلم مسبقا، أن حماستهم ورفضهم واحتجاجهم ما هي إلا رغبة منهم لتغيير مغربهم إلى الأفضل، وحلم بمغرب لا تغيب عن سمائه شمس التنمية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان …ومن يشكك في مغربية هؤلاء، فلينظر إلى وجوهم المرتبكة المتوترة في مقابلة رياضية تجمع منتخبهم بأي منتخب أجنبي آخر، وإلى سخطهم وغضبهم حين تمس سمعة حرمتهم ونسائهم بسوء في تصريح أجنبي، وبالتالي سمعة بلدهم، فلينظر إلى بعض فنانينا ومبدعينا ممن يرفضون كل إغراء خارجي، ويفضلون البقاء في بلدهم معتزين بفنهم وانتمائهم وهويتهم، ولينظر إلى جالياتنا المغربية ممن ينتظرون إطلالة كل عيد، ليعودوا إن سمحت لهم الظروف طبعا، للارتماء في حضن عائلاتهم بكل شوق ولهفة، والانتشاء بطقوس بلدهم وتقاليدها وأجوائها.
الشباب المغربي قد يصاب بالغضب والنقمة أحيانا، قد يعارض وينتقد مسؤوليه، قد يقف أمام البرلمان محتجا، قد يطالب بحلول لمشاكله الداخلية كأي بلد في العالم، لكنه يهيج و«يفور دمه» إذا مس شبر من بحره أو صحرائه، أو تحولت بلده إلى مخبأ سري لسماسرة الأرواح. قد يجعل جسده طعاما لسمك القرش بحثا عن حياة أخرى يحياها في أحلامه واستيهاماته، لكنه في الأخير يعود ليقول «قطران بلادي ولا عسل بلادات الناس».

مستجدات