محمد بوخزار
شكلت تسمية، بوشعيب الرميل، مديرا عاما جديدا للأمن الوطني في المغرب، فاتحة اختبار للتفعيل السليم للبنود الدستورية المتعلقة بالتعيين في المناصب الحكومية الرفيعة الذي أصبح متقاسما بين الملك ورئيس الحكومة، وفق آلية تم ضبطها في مجلس الوزراء يوم الثلاثاء، وهو الأول منذ إقرار القانون الأسمى وقيام حكومة عبد الاله بنكيران.
وكانت للتقاليدالمتبعة في الماضي، تقضي بأن لا تظل البلاد بدون قيادة أمنية لمدة طويلة، ولذلك فإن إعفاء أي مسؤول أمني كبير يتبعه في الحين تعويضه بمن يخلفه بسرعة، بل ربما يحتل مكتبه في بعض الأحيان، قبل إجراء مراسيم التعيين واستلام السلط رسميا.
وسرى في الأسابيع الأخيرة اعتقاد بأن الملك محمد السادس، سيسارع إلى تعيين خلف،للشرقي اضريس، الوزير المنتدب في الداخلية في الوظيفة الشاغرة، استنادا إلى أمرين أولهما أن الملك سمى خلال المدة الأخيرة، أثناء وقبل المشاورات لتشكيل الحكومة، عددا من سامي الموظفين بينهم تشكيلة من السفراء، دون الأخذ، على ما يبدو، برأي رئيس الحكومة المعين وإشراكه في قرارات التعيين وهو إجراء وصف بالمخالف للدستور ولم يتفهمه كثيرون إذ كان من الحكمة، من وجهة نظرهم، الانتظار قليلا ريثما تتم التعيينات في إطار من التشاور. وثانيهما أن مسؤولية إدارة الأمن الوطني، لا تحتمل الانتظار أو التأجيل، خاصة في ظروف حراك اجتماعي وسياسي تمر به البلاد وطال عدد ا من المناطق الساخنة
فضل الملك، تلافيا للقيل والقال، أن يترك البلاد بدون مدير عام للأمن، مادامت المؤسسة قائمة بواجبها، إلى أن يتم تفعيل الدستور بعد تنصيب الحكومة. وهكذا جاء تعيين المدير الجديد للأمن مطابقا للدستور وحصل الاتفاق على اسمه في مجلس الوزراء، باقتراح مزدوج من رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران ووزير الداخلية امحند العنصر.
إن أهمية هذا التعيين في السياق الديمقراطي الناشئ، لا تكمن في الشخص المعين أو الوظيفة في حد ذاتهما، على الرغم من الارتياح الذي قوبل به اختيار"الرميل" سواء لدى الرأي العام وكذا أسرة الأمن الوطني التي انتسب إليها، تاركا مهنة التربية والتعليم التي استهل بها مشواره الوظيفي في الإدارة العمومية.
تكمن الأهمية فيما رافق التعيين من الشروط الجديدة التي يجب توفرها مستقبلا في أي مرشح لمنصب رفيع .باتت معايير الكفاءة والجدارة والمصداقية والنزاهة، مطلوبة ولازمة إلى جانب السمات الشخصية والأخلاقية التي انتفت في كثيرين تولوا مناصب عليا في المغرب، فعاثوا فسادا في القطاعات العمومية التي تربعوا على إدارتها، مستغلين ارتباطهم بدوائر النفوذ أو تزلفهم الزائد للسلطات العليا، وكذا أواصر القرابة والمصاهرة والانتساب إلى شبكات المصالح المالية وانتفاعهم من اقتصاد الريع.
وإذا سارت الأمور طبقا للمتفق عليه بين الملك محمد السادس ورئيس الحكومة، فإنه يجوز القول بأن البلاد خطت الخطوة الأولى على درب " النهج الديمقراطي" بمعنى التنزيل الأمثل لبنود الدستور، ما قد يفتح الباب لتطورات إيجابية تتمثل في مراجعة ممكنة لبعض التعيينات السابقة إذا تبين أنها في غير محلها، ولا تجتمع في المستفيدين المواصفات المتعارف عليها، خاصة وقد أصبح من صلاحيات رئيس الحكومة إعفاء أو إقالة أي مسوؤل كبير أو صغير، ثبت تورطه في عمليات فساد أو أخل بواجبات وظيفته التي يتقاضى عليها أجرا محترما وينعم بامتيازات بفضلها.
ويمكن للمغرب إذا أراد، وهو مؤهل لذلك، أن يقلد الأنظمة الديمقراطية بخصوص شغل الوظائف الكبرى التي تراعى فيها المصلحة الوطنية واختيار من يخدمها ويضحي من أجلها وفق معايير مدققة يمكن حصرها والتأكد منها حسب آلية تعتمد في المستقبل من قبيل مثول المرشح لمنصب رفيع، أمام لجنة برلمانية، أو هيئة من الخبراء والمستشارين والباحثين وذوي التجربة المديدة ، يحدثها رئيس الحكومة بتشاور مع الملك، تنحصر مهمتها في تقديم المشورة الفنية والرأي الراجح، لمن تؤول إليه سلطة التعيين للاستعانة به في إطار من الشفافية قبل اتخاذ القرار.
إن الأمثلة كثيرة في الديمقراطيات الغربية كالولايات المتحدة وفرنسا، حيث تبيح الأعراف أن لا يتم استبدال مسؤول كبير في المواقع الحيوية مثل الاستخبارات الخارجية والداخلية، بمجرد تغيير الحكومة وانتقال حزب من المعارضة إلى السلطة. يظل المسؤول القديم في منصبه إلى أن يتم العثور على خلف أفضل منه أو لا يقل عنه إلى حين انتهاء الولاية التي انتدب لها، ما عدا في حالات نادرة يشعر فيها الموظف الكبير أنه يتعذر عليه التعامل مع السلطة الجديدة، فيلتمس استقالته التي لا تنفذ على الفور ريثما يقترح اسم بديل.
تتبع إسبانيا وهي الحديثة العهد بالديمقراطية وجارة المغرب، هذا النهج، بشأن إسناد المسؤوليات الكبرى. وعلى سبيل المثال فإن الحكومة الاشتراكية في عام 2004 أبقت على رئيس الاستخبارات الخارجية المعين من حكومة اليمين، وهي تعلم أنه لا يشاطر الحزب الشعبي أفكاره وإيديولوجيته، ولكن المخبر الأول "خورخي ديثكايار" وكان بالمناسبة سفيرا في المغرب، طلب من الحكومة الاشتراكية، بعد أن استقرت أمورها، إعفاءه من منصبه، متعللا بأسباب شخصية فأسندت له مهمات دبلوماسية جديدة.
وانطلاقا من مبدأ التداول فإن "الخلود" في المسؤوليات السامية وتمديد سنوات الخدمة بعد التقاعد وفي حالة المرض وعدم الاستطاعة، ممارسة يجب تنتهي في المغرب، لفسح المجال أمام النخب الناشئة ولضخ الدماء الجديدة والفعالية والنجاعة في أوصال الإدارة الحكومية، حتى لا يتكلس "الموظف"في المنصب ويعتبره مزرعة يمارس فيها المخالفات،بمنأى عن المحاسبة وانعدام المساءلة وسيادة ثقافة الإفلات من العقاب.
وكان العاهل الراحل الحسن الثاني، قد انتبه إلى بعض أمراض الإدارة الحكومية، فسن مبدأ بدا عادلا في حينه، إذ اشترط أن لا يتجاوز الموظفون الكبار أربع سنوات في مناصبهم،لكن "التدبير" لم يطبقه الملك الراحل على جميع خدامه الأوفياء، بينما عمل الذين صدقوه كل ما في جهدهم من أجل جمع الغنائم قبل انقضاء السنوات الأربع المحددة افتراضا من طرف العاهل الراحل.
ومن المؤكد التعيين المستحق لا يحقق الغاية المرجوة منه ما لم يدعم بالمراقبة الصارمة والمساءلة البعدية والقبلية والتصريح المضبوط بالممتلكات، وعدم الإفلات من العقاب حين ثبوت استغلال في ممارسة المسؤولية.
أشارت وسائل الإعلام إلى العدد الكبير من المناصب التي يمكن للحكومة ورئيسها تعيين من يرونه أهلا للمسؤولية، والمؤمل أن يتم إعمال الشفافية وتغليب الكفاءة.
ذلك ما يقتضيه مبدءا "الحكامة" والتخليق، وقد أصبحا شعار المجتمع المغربي وهيئاته الحقوقية والمدنية ومدونة سير الحكومة الجديدة.







