الجزائر تايمز / إسماعيل القاسمي الحسني
الويل في الحقيقة لا يعـــــني الشعب الجزائري بمفرده، بل شدة انفجاره يصيب شرره بالضرر الجسيم الشعب التــــونسي وجمهوريته الناشئة لحداثتها وانفتــــاحه أكثر على الجزائر، وبذات الخطر على الشعب المغربي لكن بدرجـــة أقل لرسوخ النظام هناك بعمق عشرة قرون، وللظروف التي نشأت بعد اغتيال الرئيس محمد بوضياف 92 وأهمها غلق الحدود، وتحصين الجسم المغربي من ارتدادات التدمير الممنهج مذاك إلى اليوم في الجزائر.
و لن أوجه اليوم العتاب ولا الاتهام لرجال أجهزة المخابرات الجزائرية، فقد تبين لي يقينا أنهم مصممين على المضي بهذا الوطن المكلوم إلى هاوية لا يدركون قطعا نتائجها، أقلها إذا صح القول تمزيقه إربا، خدمة لمصالح أجنبية، لا يمكن بحال توصيف مثل هذا السلوك إلا بالخيانة العظمى؛ وإن كان أحد الضباط السامين نفى تحمل المسؤولية بكاملها لما هي عليه أوضاع البلد وما ستؤول إليه، فواقع الحال يؤكد ما ذهبت إليه، فصناعة السلطة في الجزائر ووجوهها، لم تكن إلا عجينة 'المالغ' النواة الأولى لجهاز المخابرات الجزائرية إبان ثورة التحرير، رجالها من دعموا الانقلاب على الحكومة المؤقتة، ووضعوا أحمد بن بلة رئيسا للدولة بعد الاستقلال، مع أن الرجل يفتقد كل المؤهلات لمثل هذه المسؤولية، وهم أنفسهم من دعموا انقلاب 'الهواري بومدين' على سابقه، وهو كذلك لم يكن شيئا مذكورا أثناء الثورة المباركة، خلعوا لباس الجهاد واستبدلوه ببزة الإجرام فهم أنفسهم من قاموا بتصفية سادة الثورة ورجالها بحق أمثال 'محمد شعبــــاني'، ونفي 'حسين آيت أحمد' و'محمد بوضياف' وشاعر الثورة العملاق 'مفدي زكريا'، هذا على سبيل المثال لا الحصر، وفي الأخير هم من دعم الانقلاب على الرئيس 'الشاذلي بن جديد'، والحـــراسة المقربة وهي الجزء الأخطر لدى جهاز المخابرات، من قامت بالتصفية الجسدية للرئيس 'محمد بوضياف'92، وهي ذاتها من نصبت الجنرال 'اليامين زروال'94 ثم انقلبت عليه فعزلته عام99، بعد أن صنعت له مسرحية انتخابات كومي درامية عامين فقط قبل ذلك، لتأتي في النهاية بأحد توابعها الهامشيين، وهو الرئيس الحالي.
فإذا كان هذا الواقع مع رؤساء الجزائر، فكيف الحال مع صغار الموظفين من وزراء وولاة (محافظين) وغيرهم ؟ هذا الواقع المرير صنع فسادا مقرفا مس القيادات العليا وما دونها لهذه الأجهزة، وإلا كيف يمكن تفسير ما يملكه كبار الضباط من عقارات تصل قيمتها لملايين الدولارات داخل الوطن وخارجه، فضلا عن الشركات باسم أهاليهم، ويعيشون حياة بذخ تجاوزت ترف الملوك؟ هذه ليست اتهامات اعتباطية مع الأسف الشديد وإنما واقع يراه الشعب بأم عينه ويرقبه عن كثب، وهم يجمعون من حولهم الحطب المعلوم لدينا، ولست أذيع هنا سرا، أن لدى جهاز المخابرات الجزائرية في كل وزارة، عقيد (و أتباعه)، يقوم ظاهر الأمر بمراقبة سيرها، ولسان الحال يترجم التحكم المطلق في سير الادارة وموظفيها وعلى رأسهم الوزير نفسه، ذات الشأن بالنسبة لمؤسسات لما يسمى مجازا الدولة من المجلس الشعبي الوطني لمجلس الأمة وبقية الإدارات المحلية منها والجهوية، وتعدى الأمر لجميع وسائل الإعلام، بما فيها تلكم التي تصف نفسها بالمستقلة، وكذلكم الأحزاب المسخرة جميعها؛ وفي مثل هذا الواقع كيف لا تتحمل الأجهزة الأمنية كل المسؤولية عن أوضاع البلد؟ والمصيبة أنهم ينظرون حواليهم ولكن لا يبصرون أنها ذات السياسة التي كانت قائمة في تونس ومصر وليبيا، فقطعا لن تكون النتائج مبدئيا إلا مثل تلك.
ويزخر أرشيف صحيفة 'القدس العربي' سواء للكاتب أو لغيره، منذ عامين على الأقل بكم هائل من المقالات، تحذر بكل وضوح ودون مداراة من انفجار شعبي قد يعصف بالكل، وسخروا حينها من قراءاتنا بما فيهم هيلاري كلنتون، وأجهزة استخباراتها، غير أن الأيام أثبتت أن نبض الشارع الواقعي والأصيل كان هنا.
إن الفساد الذي نفثه رجال 'المالغ'، ومنهم استشرى في معظم عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية كوباء الكوليرا، لينتقل إلى كافة خيوط الشبكة العنكبوتية لهذا اللانظام، وأخطرها سلك العدالة، مرده أساسا لانعدام الخلفية الأسرية لهؤلاء فضلا عن الاجتماعية، وما ترتب عن ذلك من افتقار للقيم والأخلاق والمبادئ ناهيكم عن التربية والعلم؛ بالمختصر المفيد هم أقرب وصفا لأي عالم سفلي موبوء.
ولعلني بكل بساطة إن أردت الوقوف على جزء بسيط للغاية من الفساد المفزع لهذه السلطة المتحكمة، يستوقفني واقع حال المواصلات في الجزائر وتحديدا سكة القطارات، فليلحظ القارئ الكريم أن مرسوم الحكومة الفرنسية المحتلة آنذاك، الصادر بإنشاء أول سكة حديد كان بتاريخ8/4/1857 بطول 1859كلم، يربط معظم المدن آنذاك، بعد عقدين فقط تلاه بتاريخ 18/7/1879 انطلاق انجاز 1614كلم، يعني خلال 40 عاما تخللتها ثورات دامية في وجه المحتل تمكن من انجاز شبكة بطول 3473كلم. ثم بعد ذلك ودون الخوض في التفاصيل والتواريخ تسلمت هذه السلطة عام الاستقلال 1962 شبكة تزيد عن 6000كلم. والسؤال لم يعد ماذا أضافت هذه السلطة؟ لا ولا حتى هل حافظت على ما استلمت؟ وإنما ويا للمصيبة بات السؤال: بعد ستين عاما من الاستقلال كم بقي من شبكة سكة الحديد التي ورثناها عن المحتل؟. يقر معالي الو- زير 13/09/2011 (الشروق) بأن ما تبقى الا 4000كلم، يعني سلطة العالم السفلي خلال ستة عقود من تحكمها الجائر لم تزد ولم تحافظ بل أتلفت 2000كلم. مع التذكير أنه على امتداد نفس الفترة قام المحتل بانجاز 4000كلم مع اختلاف الظروف طبعا والإمكانيات.ليس أمر على المواطن من أن يوازن بين ما أنجزه المحتل وما أنجز بعد نيل الحرية، ليقف على كارثة التدمير الذاتي الممنهج بشكل تلقائي
و ليت الأمر ينتهي ها هنا، فحين تقف على تصريح مدير الوكالة الجزائرية للدراسات، لقناة الجزيرة 20/8/2008 يعني منذ أربع سنوات، مفاده أن الحكومة خصصت 18 مليار دولار لتحديث(لاحظ تحديث فقط) 6000 كلم يعني تركة المحتل فحسب، وفي المقابل تنقل صحيفة الحياة اللندنية 24/12/2010 أن الحكومة المغربية خصصت غلاف 2.3 مليار دولار لبناء وليس تحديث، شبكة قطار فائق السرعة تي جي في بمسافة 600 كلم. بالمختصر 18 مليار تنجز ما يزيد 4600كلم للتي جي في، وليس تحديث تقريبا نفس المسافة لقطار من الغابرين بسرعة 60كلم/س، وما يزيد الطين بلة أن تصريح المدير الجزائري لقناة الجزيرة مضى عليه اربع سنوات ولم ينجز شيء يذكر، والتصريح المغربي له سنتين ويتم تدشين الانجاز بعد عامين.
و لعلني اختم بالمضحك المبكي، وهو العقد الذي نشرته صحيفة الخبر في 13/04/2011، لشركة نمساوية مع الحكومة الجزائرية أو العالم السفلي، يتم بـمــــوجبه انجاز 1500 كلم سكة حديد على امتداد 20 عاما، يعني بمقاييس المغرب الزمنية والمالية، يتم انجاز 10.000كلم سكة تي جي في.
خلال عشر سنوات هذا غيض من فيض، المشكلة أنه لم تعد تفاصيل معلومات التخريب حكرا على العالم السفلي أو ما يسمى بالأجهزة الأمنية وواجهتها الحكومة والرئيس، وإنما أصبحت في متناول المواطنين، وهي تزيد من تراكم الكراهية والتململ مما يجرون إليه ظلما، ولا شك لدي كما بالأمس، أن الانفجار قادم لا محالة، والويل ساعتها للجميع.
الجزائر تايمز / إسماعيل القاسمي الحسني