سأبدأ من حيث انتهى السيد عصيد آخر مقالاته التي عنونها ب"الحريات مكاسب غير قابلة للتفاوض أو المساومة " حيث قال: من حسنات هذا النقاش الذي قد يتطور ويتشعب، أن يحسم في حقيقة يتجاهلها الإسلاميون وهي: أنّ حريات المغاربة وحقوقهم الأساسية غير قابلة للتفاوض أو المساومة، لأنها جاءت نتيجة تضحيات جسيمة، فالحصول على بعض الأصوات في الإنتخابات لا يسمح لأحد بتحويل البلد إلى سجن كبير.
تتكلم كثيرا عن الحريات وأنا على يقين انك تتحدث عن الحريات من وجهة نظرك لا من وجهة نظر جل المغاربة، لأن الحرية كما يفهمها المغاربة ليست الحرية التي تنادي بها وتؤمن بها، وذلك راجع لعدة أسباب، فمرجعية الشعب المغربي إسلامية شئت أو أبيت، لذلك فمن الطبيعي أن تكون الحرية التي يؤمن بها غالبية المغاربة مؤطرة بالدين الإسلامي، وهذا شيء لا يتناطح حوله كبشان يا سيدي الفاضل، ثم إن المغاربة الذين تحاول التكلم باسمهم الآن وتدعي انك تحذر من أن تنتهك حريتهم تصفهم بأنهم منافقون، فبالله عليك كيف تصف شعبا بالنفاق( طبعا ليسوا كلهم منافقون،فالحداثيون والعلمانيون ومن سار على دربهم ليسوا كذلك) ثم تتباكى على حريته، وربما نسيت بأنه كما قلت لك آنفا بأن مرجعية جل هذا الشعب بمختلف مكوناته إسلامية، وحتى وان تراءى لك بأن بعض الأشخاص يشربون الخمر ويوقعون على وثيقة تطالب بمنع فتح خمارة ورأيت أنت بأن ذلك نوع من النفاق فانك واهم، لسبب بسيط هو انك لم تعرف تشخيص الحالة المغربية، فالمغربي الذي يشرب الخمر يعرف في قرارة نفسه بأنه مخطئ ويطلب الله بأن يتوب عليه، ويعرف بأن الذي يقوم به مخالف للشريعة، ولا أعرف كيف تجرأت ووصفته بالنفاق مع أن الله سبحانه وتعالى الذي خلقه لم ينعته بهذا النعت، ثم ما رأيك يا سيد عصيد أن تفتنا فيمن يطعن في عقيدة شعب كامل تحت مسمى العلمانية والديمقراطية وهو يقوم بذلك ليس حبا في العلمانية بل لحاجة في نفس عصيد هو يعرفها، فإذا كنت تنادي باحترام حقوق الأقليات، فلماذا لا تطلب في المقابل من تلك الأقليات أن تحترم الأغلبية المسلمة، ويا ليتها كانت حقوقا مشروعة.
أثرت في موضوعك السابق مسألة تخوف الديمقراطيين من شطط الإسلاميين في الحكومة، من هم هؤلاء الديمقراطيون الذين تتكلم باسمهم؟ فتارة تتحدث بلسان الشعب وتارة تتكلم بلسان الديمقراطيين وفي كل مرة تتكلم باسم فئة معينة، من خول لك هذا الحق حتى تصبح ناطقا باسم جميع هؤلاء؟ فأنت يحق لك التكلم في الدين في حين من وجهة نظرك لا يحق للمتدين أن يتكلم في السياسة، لماذا؟
جئت بمغالطات كثيرة في مقالك الأخير يا سيدي الفاضل كما هي عادتك، لأنك تسبح في الاتجاه المعاكس، فبعد أن اتضح لك ولأمثالك بأن زمانكم ولى إلى غير رجعة هاأنت تقوم بالهجوم تلو الهجوم ربما تحافظ على ماء وجه علمانيتكم التي أصبحت بضاعة كاسدة، لا يقبل عليها احد وهي قد دخلت في مرحلة الاحتضار والرمق الأخير، فليس الهجوم على مرجعية الشعب من سيعيد ترقيع بكارتها وتجديد شبابها، لأنه في الأخير لا يصح إلا الصحيح.
الحداثة.. طالما رددتم هذه الكلمة على مسامعنا حتى مللنا منها، وعندما بحثنا عن معنى هذه الحداثة وجدنا أن تعريفها غير الذي تنادون به، فهذا المصطلح حملتموه أكثر مما يحتمل.
لا يا سيدي، الحداثة ليست هي التمرد على الأخلاق الفاضلة، فهذه الأخيرة تبقى فاضلة في جميع المجتمعات والمعتقدات، فلا تكذبوا على الناس وتحاولوا أن تلبسوا العري والفسق والمجون ثوب الحداثة، ولتكن لديكم الشجاعة الكاملة بأن تسموا الأشياء بمسمياتها، فالكلام الساقط واللقطات الخليعة والعري ليس فنا، فأن تتعرى فنانة على خشبة المسرح فهذا ليس بفن، وأن تساق الكلمات الساقطة في حوار بعض الأفلام ليس بفن، وأن يصور مخرج فيلما ما فيه زوجته وهو يشاهد ممثلا آخر يقبلها ويتحسس جسدها فذلك أيضا ليس بفن، وزيد وزيد، وإذا كان كلامكم صحيحا فالأولى أن نشاهد الحيوانات فهي على هذا الأساس تقدم فنا راقيا، فهي دائما عارية، ويمكن لها أن تمارس الجنس أنا شاءت ووقتما شاءت، ودعني أسألك يا سيد عصيد، هل انقرضت المواضيع التي من الممكن أن يطرحها مخرجونا وفنانونا في أعمالهم حتى يفضحونا في العالم بأفلام مادتها الخصبة الجنس والدعارة؟ تتحججون بأنها تعكس الواقع المغربي، أليس في واقعنا شيء آخر غير الجنس والعربدة؟
تتحدث كثيرا عن العري الجسدي، ولم أجدك مرة واحدة تناقش العري الفكري الذي أصبح علامة مسجلة باسم بعض من يسمون أنفسهم مثقفين، أصبحوا يناضلون من اجل قضايا تافهة، لماذا لا تتبنون الحداثة من جانبها العلمي وتتركوا عليكم الأخلاق فهي كنز لا يجب التفريط فيه، ثم ما الفرق بينكم وبين بعض العلماء من المسلمين الذين تنتقدونهم، الذين يفتون بفتاوى شاذة كإرضاع الكبير وممارسة الجنس مع الموتى، فأنتم وهم سيان، لا فرق بينكم، تتركون الأمور الهامة وتتجهون إلى سفاسفها.
الشعب يا أستاذي يريد الشغل والتعليم والصحة والقضاء العادل والسكن، ولا يريد أن يرى ممثلات عاريات ولا يريد مناقشة أمور مفتعلة كإفطار رمضان وغيرها من الأمور التي لا تنفعه في شيء، لقد كان الأولى بك يا سيد عصيد أن تطالب الحكومة الجديدة بهذه المطالب وتهددها إن لزم الأمر إن هي لم تلب رغبة من انتخبوها في تحقيق هذه الضروريات فعليها أن ترحل، لا أن تهددها بأن عليها ترك الحرية للعراة والشواذ جنسيا وفكريا، فهذه أشياء ثانوية، وكما يقول المثل المغربي"منين كتشبع الكرش كتقول لرأس غني" عندما تتحقق المطالب الرئيسية آنذاك يمكن أن نناقش جميعا المشاكل الثانوية، فالشعب الآن يريد عملا قارا وسكنا لا ئقا وصحة جيدة وتعليما نافعا وقضاء عادلا، وهذه هي مطالب المرحلة الراهنة.
وفي الأخير أقول لك بأن الديمقراطية التي تتغنى بها في كل محفل، هي حق أريد به باطل، ويكفي أن أحيلك إلى ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق تحت يافطة نشر الديمقراطية، وما تقوم به أيضا حبيبتك فرنسا في ليبيا وهلم جرا، إذن لا داعي للتباكي على الديمقراطية ولا الحداثة فهما يستعملان كحصان طروادة للوصول إلى مآرب يعلمها الله وأصبح الكل يعرفها.
أنا آسف سيدي المحترم أن أقول لكم لقد فاتكم القطار وحتى تي جي في…
يونس كحال
Younescom1@hotmail.fr







