أجيال بريس
محسن زروال
من فضل هذا الوطن أنه معطاء.. ولود.. قد يبدو لك في كثير من حالات اليأس.. أن بطنه قد جف وأصابه البوار.. لكنك ما إن تصغي السمع لنبضه حتى تتراقص أمامك أسماء وأسماء هي من صنع هذا الوطن.. صناعة محلية وماركة مسجلة.. استطاعت أن ترسم لحياتها مسارا استثنائيا.. لا تدري كيف لم تنتبه لها ولا لوجودها.. حتى تفرض نفسها عليك.. وتدفعك لكي تفعل شيئا استثنائيا أنت الآخر.. ربما لا تجد ما تفعله غير أن تنتبه لها.. أن تكتب عنها.. وذلك هو أضعف سنن الاعتراف.
نزهة قبلي..واحدة من النساء المغربيات اللواتي وجدن أنفسهن يبحثن عن المجد في بلاد العم خوليو.. امرأة بملامح باسمة.. تشربت أولى أبجديات التحدي من تاريخ مدينتها..من مدينة القراصنة جاءت تبحث عن جزيرة الكنز.. فرماها قدرها في طنجة.. ومن أسوارها وقصبتها تعلمت أولى دروس كينونتها..كانت كلما وقفت عند باب البحر.. رنت بعينيها إلى الأفق البعيد.. وابتسمت.. لم يكن طارق يغريها ولم يغريها حرق السفن ولا خطبته الطويلة العصماء.. كانت تعرف أن قدرها ككل النساء والرجال الذين يستهويهم البوغاز.. قدرهم خلف البحر ببضع كيلومترات.. كانت تعرف أيضا أن قدرها أن تكون كحمامة سليمان.. لابد أن تحلق بعيدا عن طوفان مدينة لا تفتح عينيها إلا ليلا.. لتعود حاملة بعضا من الطين إلى طنجة.. وتعيد تشكيل تاريخ جديد بها.. عرفتها حين داهم الخوف يوما هذا الوطن.. حين حل الربيع فجأة.. ربيع أطاح برؤوس واقترب من أخرى..فكانت كنحلة فايسبوكية تتراقص بين كل المجموعات.. تحاول أن تزرع بعضا من رحيق الثقة هنا وهناك.. لم تكن تمل ولا تتعب.. كانت تحس أنه لابد لكل هذا التعب أن ينتج في الأخير عسلا.. كنت أحس بزغاريد الأطلس تتدفق من عينيها كلما خطى الوطن خطوة نحو ربيع بملامح مغربية.. كانت هناك عند بوابة المنصور.. تجلس كطفلة خلف حاسوبها تسترق السمع لنبض الشارع هنا.. كنا نحسها بيننا.. لم تكن بعيدة بما يكفي.. قادها هوسها لتؤسس جمعية بملامح متوسطية.. جمعية تستمد من البحر شموخه وهدوءه.. ومن المتوسط تاريخه وتفاصيله.. لكنها ككل الحالمات.. لم يقنعها أن تبقى مجرد متفرجة عما يحاك في الظلمة والنور.. فخرجت إلى عالم الصحافة.. اقتحمته عنوة.. فاحتضنها.. فنزهة كزهرة اللوتس.. لا يمكنها أن تنمو إلا في تربتها.. فكان أن خلقت جريدة إخبارية تهتم بشؤون الجالية بالمهجر.. ومنذ الولادة وهي تناضل.. تتنقل هنا وهناك.. تارة نحلة تزرع رحيق الأمل في كل اليائيسين.. وتارة زنبورا يلسع كل من تقدوه نفسه المريضة للنيل من الوطن.. نزهة نموذج استثنائي لامرأة استثنائية.. مثقفة.. أكاديمية.. لم يمنعها عالم الاقتصاد والماركوتينغ والتسيير عن حب الوطن.. ولأنها تعرف أن الحب فن يمكن أن تستوعبه كل اللغات.. فقد راحت تتغنى به وبطريقتها… بلغتها الخاصة جدا.. بالأمس فقط عرفت أن بداية هذا الوطن كان امرأة ونهايته ستكون امرأة.. بالأمس عرفت أننا حقا اسودا.. لكنني عرفت أيضا..أن من طبع الأسد الخمول وأنه يبني مجده على تعب اللبؤة.. وعرفت أيضا.. أن الكثير من اللبؤات منفيات في ربوع العالم لا يعلم بهن أحد.. يخرجن كل صباح ليجلبن للوطن بعضا من القصص لتحكيها الجدات للأحفاد قبل النوم.. عرفت أن هناك نزهة ومينة وبلقيس وسكينة وهند وفاطمة وسهام ورجاء.. ولائحة طويلة من منتجات الأمل.. عرفت أن زنوبيا ليست إلا صورة مشوهة من الملكة تيهيا التي حكمت المغرب منذ آلاف السنوات.. وعرفت أيضا أن كل النساء المغربيات هن حفيدات تيهيا.. لذا تشربن منها الحكمة والفطنة وقوة الشخصية والدهاء…فهل يا ترى كما قتل حسان بن النعمان تيهيا.. سنقتل نحن تيهيا مرة أخرى؟.. نقتلها بجهلنا وتجاهلنا لها.. تقتلها ذكورتنا المغشوشة التي تأبى أن تترك مكانها يوما لامرأة.. فمتى نعيد لها بعض من عنفوانها.. بعضا من مجدها؟.. ومتى ينفض الأسد عن نفسه تراب الكسل ويعرف أنه ليس أكبر من ضبع لا يحسن إلا أكل الجيفة..





