الدكتور خليل حسين استاذ القانون الدولي و العلاقات الدولية بالجامعة اللبنانية
من المسلمات ارتباط النظام الدولي بشكل أو بآخر بموازين القوى التي تنشأ عبر التحالفات بين الدول أو المنظمات أو غيرها، وأساس هذه الموازين هي القوة، فما هي أنواعها وطبيعتها وكيفية تأثيراتها ومداها، وانعكاساتها في نشوء الأحلاف الدولية وصراعاتها.
أولاً – ماهية القوة
ليس ثمة خلافات جوهرية، أو ذات شأن، في تعريف القوة أو تحديد المقصود منها. فمعظم التعاريف يقرِّر أن القوة هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين، أو التحكُّم في سلوكهم تجاه قضية معينة. ونظرًا إلى أن هذه التعاريف قد حصرت نطاقها بعملية التأثير، فإن المهتمين بالعلاقات الدولية وشؤونها قدّموا تعاريف أكثر وضوحًا نظرًا إلى ربط القوة بعلاقات الدول، وهو الأساس في تطبيقات القوة وآثارها العملية. وبصورة رمزية، فإن القوة هي قدرة (أ) على دفع (ب) إلى أن يفعل (س)، أو لا يفعل (ص)، بمعنى أن تسمح (أي العلاقة) بقيام إحدى الحكومات بحمل حكومة دولة ما على أن تتبع سلوكاً معينًا لم تقم باختياره بمحض إرادتها، كأن تجعلها تقدم على القيام بأعمال لا ترغب في القيام بها، أو تمنعها من القيام بأفعال ترغب في القيام بها. وتتمثَّل إحدى مشكلات هذا التعريف، في معظم الحالات، في أن يتمَّ التأكد من احتمالات قيام الطرف الثاني بالفعل (س) أو عدم قيامه بالفعل (ص)، إذا لم تكن تأثيرات قوة الطرف الأول قائمة(1) .
ومهما يكن من أمر التباين فإن أي أساس لتعريف القوة يستند إلى العلاقة السلوكية التي تجبر طرفاً على الانصياع لرغبة الطرف الآخر في الاتجاهات والخيارات التي تحقق رغباته، أو تتوافق معها، وذلك في فترة محدَّدة أو ممتدَّة في مجال معيَّن أو عدَّة مجالات. وبذلك يمكن الإشارة إلى عدة عناصر للقوة أبرزها(2) :
أ – تعتبر القوة، بشكل عام، وسيلة لتحقيق غاية معينة بذاتها، ولذلك من الصعب تصوّر أن دولة ما تنفق الأموال والطاقات لامتلاك القوة لمجرد امتلاكها أو لاستعراض قوتها في مواجهة الآخرين(3) . إلا أن المشكلة تكمن في أن القوة قد تكون هدفاً في حدِّ ذاتها، حسبما اتجهت المدرسة الواقعية كما في كتابات هانز مورغانثو التي أكَّدت أن القوة في حدِّ ذاتها قد تمثل قيمة مرغوبًا فيها(4) .
ب – ليست القوة فعلاً ساكنًا إنما علاقة بين طرفين يتم في إطارها تفاعل وسائل تأثير وأساليبه في الإرادات والسلوك Actor، فترة من الزمن تشكِّل في التحليل النهائي إما حوارًا أو صدام إرادات، تتحدَّد بناء عليه ملامح نمط العلاقة القائمة بين الطرفين. وقد تتخذ هذه العلاقة شكل الإيصال الصريح الذي تُستخدَم فيه أدوات القوة وأساليبها بوضوح، كما قد تتخذ أشكالاً إيحائية تتحرَّك عبرها رسائل مختلفة. إلا أنه ينبغي التنبّه إلى أن التأثير لا يسير دائمًا في اتجاه واحد طوال الوقت، فقد تكون دولة ما هي الطرف الفاعل Actor، وقد تكون الدولة الأخرى هي الهدف Target أو العكس، فمهما بلغت قوة أحد الطرفين فإنه معرَّض لردود أفعال، ومهما بلغ ضعف الطرف الآخر تكون لديه قدرة على القيام ببعض الأفعال المؤثرة. كما أن علاقات القوة قد لا تكون ثنائية في كثير من الحالات، فمعظم أنماط التفاعلات الدولية في العصر الحديث متعدِّد الأطراف على نحو يفرز أنماط تأثير شديدة التعقيد، وحتى في إطار بعض أشكال علاقات القوة التي يكون من الواضح أنها ثنائية، ربما يكون ثمة طرف ثالث يتدخَّل بشكل مؤثر.
ج – ليست القوة قيمة مطلقة بل تعتبر نسبية، فمن غير الممكن وصف طرف ما بأنه قوي أو ضعيف إلا في إطار مقارنته بطرف أو أطراف أخرى. وتلك المقارنة هي التي تحدِّد موقعه في هيكل القوة على المستوى الإقليمي أو الدولي(5) . فالفكرة العامة هي أن الدولة تكون قوية بمدى قدرتها على التأثير في سلوك الآخرين بأكثر مما يؤثِّر به الآخرون في سلوكها. إلا إن الأمر لا يبدو بهذه البساطة كذلك، فنسبية القوة لها تعقيداتها هي الأخرى بفعل التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة(6) .
د – تتسم نماذج تأثير القوة بالتعقيد، فالقوة عملية Process تتضمَّن أكثر من مجرَّد قدرة دولة ما على التأثير في سلوك دولة أخرى في حالة محدَّدة، إذ أن عملية التأثير لا تتوقَّف عند رد فعل الدولة على الفعل الموجَّه إليها من الدولة الأولى، بخاصة وأن ردَّ الفعل قد يكون القبول ما يتطلَّب من الدولة المؤثِّرة فعلاً تعاونيًا ما لتدعيم الاتجاه الذي اتخذته الدولة المتأثِّرة، أو قد يكون عدم القبول ما يُضطرُّ الدولة المؤثرة إلى رد فعل مضاد، وبالتالي ثمة سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التالية التي يمتزج فيها الفعل برد الفعل بحيث يصبح كل طرف فاعلاً وهدفًا في الوقت نفسه(7) .
هـ – لكل عملية تأثير محدِّدات خاصة بها تتفاعل الأفعال وردود الأفعال المتصلة بها في مجال أو نطاق معيَّن، ووفقًا لقواعد لعبة معيَّنة تتحكَّم بكل عملية. فوصف دولة ما ـ في سياق تلك النقطة – بأنها قوية، لا يعني أنها قادرة على التأثير في سلوك الآخرين في جميع المجالات، وفي كل القضايا، أي أنها قادرة على هزيمتهم عسكريًا ومنحهم ماليًا والسيطرة عليهم ثقافيًا واختراقهم سياسيًا، فكوريا الشمالية مثلاًً يمكنها أن تؤثر في سلوك كوريا الجنوبية بتهديدها عسكريًا، لكن ليس لديها ما تؤثر به اقتصاديًا أو ثقافيًا من الناحية العملية. كما أن حيازة دولة ما عنصر قوة محددًا لا يعني أنها قادرة على استخدامه في التأثير على كل أنماط السلوك المحيطة بها، بما في ذلك سلوكيات ترتبط بالهدف الواسع من امتلاك هذا العنصر ذاته(8) . إلا أن الأمر الأساسي المرتبط بمفهوم القوة هو أن تأثير أي دولة في توجُّهات الدول الأخرى أو سلوكها، لا يحقق أي نتائج ذات أهمية إلا إذا استندت على إمكانات مادية ومعنوية مختلفة، عبر تعبئة عناصر معينة منها كأدوات للتأثير إما بالإقناع أو الإغراء أو التهديد أو المعاقبة، في مواجهة الأطراف المستهدف التأثير فيها.
ومهما يكن من أمر، فقد وصلت أهمية توافر الإمكانات كعنصر من عناصر مفهوم القوة إلى حد تبلور تيَّار بين محلِّلي القوة يطرح تعريفًا آخر للقوة لا يستند إلى كونها عملية تأثير في الإيرادات، وإنما رمزًا لامتلاك القدرات(9) ، فمن يمتلك عناصر قوة (موارد ـ قدرات) معيَّنة يصبح قويًا، ومن لا يمتلكها يُعدُّ ضعيفًا، على نمط ما هو متصوَّر في التفكير العام بشأن القوة، خصوصًا وأن الإمكانات يمكن رؤيتها أو لمسها أو قياسها، بخلاف التأثيرات التي تصعب الإحاطة بأبعادها المختلفة. وعلى الرغم من أن التعريفات القائمة على امتلاك القدرات لم تصبح تعريفات سائدة، باعتبارها لا تقدم تفسيرات كافية لظاهر القوة، كما أنها تطرح إشكاليات أكثر تعقيدًا مما تطرحه التعريفات المتداولة بشأن فكرة التأثير، إلا أن أي تعريف للقوة لا يتجاوز مطلقًا مسألة أن أحد عناصرها الأساسية القليلة ـ التي تُضاف إلى الأفعال وردود الأفعال ـ هو امتلاك القدرات التي تجعل محاولة التأثير ممكنة أو فعَّالة(10) .
ثانيًا – عناصر القوة
تكمن أهمية القوة في قدرتها على التأثير، وتستند القوة بشكل عام على امتلاك الدولة لعناصر أساسية متعلِّقة بالخصائص والموارد والقدرات والمؤسسات التي تشكِّل بمجموعها قدرات الدولة الحيوية التي تمكِّنها من فرض خياراتها على الآخرين وفقًا للوجهة التي تخدم مصالحها. وتظهر هذه العناصر بأشكال متعدِّدة ومتنوِّعة كالمساحة الجغرافية، وعدد السكان، والموارد الطبيعية، والقدرات الاقتصادية، والقوة العسكرية، والبنية التكنولوجية، والفعاليات الثقافية، والمؤسسات السياسية، والحالة المعنوية للشعب وغيرها. و على الرغم من تداخل هذه العناصر وتشابكها لتشكِّل بمجموعها عوامل القوة الشاملة للدولة فإن العبرة تكمن أولاً وأخيرًا في كيفية استعمالها واستغلالها بكفاءة عالية عند تعرُّض الدولة لأي ضغوط خارجية. واستنادًا إلى ذلك تتم عملية تقييم القوة ومدى تأثيرها.
فمصادر القوة، وهي العناصر التي تمثل الموارد العامة التي يمكن أن تستخدمها الدولة على المدى الطويل لامتلاك قدرات معينة أو تطويرها، تُستخدم في عمليات التأثير، كالموقع الجغرافي، وعدد السكان، والموارد الاقتصادية، والقاعدة الصناعية، والإمكانات العلمية ـ التكنولوجية، والقيم الثقافية. فالسكان مثلاً لا يستخدمون مباشرة في الحروب، وإنما العناصر المنظَّمون القادرون على حمل السلاح منهم، والذين يسمَّون عادة جيشًا. وتمثِّل هذه المصادر عمومًا أسس قوة الدولة. أما قدرات القوة، وهي عناصر القوة التي تمثل قدرات محدَّدة، فيمكن أن تستخدمها الدولة مباشرة في عملية ممارسة التأثير في المدى القصير كالقوات المسلَّحة، والاحتياطيات النقدية، والأدوات الدبلوماسية، وأجهزة الاستخبارات. فالجيوش عادة ما تكون في وضع استعداد لاستخدام القوة المسلحة في أي وقت تتعرَّض فيه الدول للتهديد. وتمثِّل هذه القدرات أدوات قوة الدولة. وعلى الرغم من أن القاعدة في احتساب حجم القوة وتأثيرها يرتكز على هذه العناصر إلا إن هناك العديد من الاستثناءات لها، أبرزها:
أ – على الرغم من الدور الحيوي الذي تضطلع به القدرات المحدَّدة (العسكرية، المالية ..) في تشكيل موقع الدولة على خريطة النظام الدولي، إلا أن عدم استناد تلك القدرات على موارد كبيرة يحدُّ من تأثيراتها على هذا المستوى. فتصنيف دول العالم قوى عظمى، وقوى كبرى، ودولاً متوسطة القوة (قوى إقليمية كبيرة)، ودولاً صغيرة، يرتكز عادة على أسس القوة ذات الطبيعة الثابتة نسبيًا(11) .
ب – إن الكمية والكيفية المتعلِّقتين بعناصر القوة المتوافرة لمطلق دولة هما اللتان تحدِّدان طبيعة القدرات ونوعيتها والتي يمكن امتلاكها والتصرف بها في نطاق العلاقات الدولية. فالدول التي تمتلك موارد متواضعة لا تستطيع التأثير في مجرى العلاقات الدولية أو تغيير موازين القوى في النظام الدولي؛ فعلى سبيل المثال لو تمكَّنت سري لانكا أو موريتانيا من إقامة برامج مساعدات مالية لدول أخرى أو إنتاج مواد إعلامية كبيرة موجَّهة للخارج، أو إنتاج أسلحة نووية، لن يكون بمستطاعها التأثير بشكل فاعل في التفاعلات الدولية، بينما يبدو الأمر مغايرًا بالنسبة إلى دول أخرى كفرنسا وبريطانيا، فامتلاك الإمكانات الكبيرة يتيح لهذه الدول بناء جيوش قوية، وقواعد عسكرية خارج أراضيها، وامتلاك وسائل إعلام وبرامج معونات خارجية ذات تأثير فاعل، وإن كان توافر الموارد لا يتيح بشكل تلقائي امتلاك القدرات، فالعلاقة هنا غير مباشرة، لكنها واضحة ومؤثرة.
ج – إن تأثيرات عناصر القوة بين أي طرفين يمكن أن تكون حاسمة في المدى البعيد. فقد تمكَّنت ألمانيا العام 1942 من إلحاق الهزيمة بالجيش السوفياتي، وأيضًا من التوغُّل عميقُا في الأراضي السوفياتية. بيد أن عدة أمور قلبت موازين القوى من جديد، فنتيجة الطبيعة المناخية الشديدة البرودة واتساع الأراضي التي توغَّلت فيها القوات الألمانية، ونتيجة المقاومة العنيفة، أضطرت ألمانيا إلى الانسحاب. كما أن تمكن اليابان العام 1941 من تدمير الأسطول الأميركي في بيرل هاربور وسيطرتها على المحيط الهادئ لم يمكِّنْها من الاستمرار طويلاُ في هذا الوضع إذ أعادت الولايات المتحدة بناء قوتها من جديد لتعاود اجتياح القوات اليابانية في آسيا ـ الهادئ، وهزيمة اليابان واحتلالها العام 1945 (12) .
إن حصر عناصر القوة أو تحديدها لأي دولة يبدو أمرًا معقَّدًا ومستحيلاً في الوقت نفسه، فقوة الدولة هي مجموع العناصر الأساسية وما يتفرَّع عنها، الأرض والشعب والمؤسسات، وهي العناصر التي تحدِّد حجم الدولة وتأثيراتها في النظام الدولي(13) .
1 – الأرض
يتمثَّل هذا الجانب بالعامل الجغرافي ومميزاته، وقد استند عليه الكثيرون في الماضي، ويرتكز هذا العامل على العديد من العناصر، أبرزها:
أ – الموقع الجغرافي: فثمة دول تحتل مواقع إستراتيجية متميِّزة على خريطة العالم مثل بنما وتركيا واليمن ومصر، بينما تقع دول أخرى في مناطق معزولة كأيسلندا، أو داخلية كتشاد. ووفقًا للمقولات السائدة تمثِّل مواقع الدول عنصر قوة أساسي في تقييم وزنها، بخاصة إذا كانت تسيطر على ممرات مائية دولية رئيسة كقناة السويس، أو باب المندب، أو الدردنيل. ويرتبط بذلك أيضًا موقع الدولة بالنسبة إلى البحار والمحيطات، والذي يحدِّد طول سواحلها ومنافذها البحرية التي تتيح لها انفتاحا على العالم وثروات بحرية إضافية، وكذلك موقعها على خطوط الطول والعرض الذي يؤثر على مناخ الدولة الذي سادت بشأنه نظرية مثيرة في الماضي تربط بين المناخ الحار والتخلُّف، وبين المناخ البارد والتقدم، إضافة إلى ذلك شكل حدود الدولة وطبيعتها، وعدد الدول المجاورة لها وخصائصها، وهو عنصر يؤثر بشكل كبير في سياساتها وأمنها.
ب – ثمة دول تتمتَّع بمساحات شاسعة كروسيا وكندا والولايات المتحدة والبرازيل، ودول أخرى صغيرة كالبحرين وقطر وبلجبكا وفيجي وبروناي، وهناك اعتقاد شائع بأن ثمة علاقة قوية بين المساحة والقوة، فكلما اتسعت المساحة ثمة إمكان لاستيعاب أعداد أكبر من السكان، إضافة إلى إمكان زيادة احتمال وجود الموارد الاقتصادية الطبيعية. وعلى الرغم من صحته له استثناءات واضحة وكثيرة، فمساحة الأرض بالنسبة إلى كندا عامل سلبي مقارنة بالامتداد الجغرافي نحو القطب الشمالي وبرودته القارصة، وعلى الرغم من صغر الكويت ففيها إمكانات نفطية هائلة. كما أن شكل الدولة من حيث التضاريس الطبيعية (جبلية، سهلية)، أو الحدود الخارجية، أو كونها جزرًا أو أقاليم قارية، يؤثِّر بشدة على أهمية المساحة، ويطرح تداعيات معقَّدة بالنسبة إلى قوة الدولة.
ج – يشتمل إقليم الدولة ما تحته من موارد مختلفة تحدِّد قوة الدولة وقدرتها في استعمال هذه الموارد، كمصادر الطاقة (النفط، الفحم، الغاز، المواد النووية)، أو ثروات معدنية (كالحديد والقصدير والنحاس والفضة والذهب)، إضافة إلى ما يوجد على سطح الأرض من تربة (ومصادر مياه) تتيح إنتاج الموارد الغذائية أو الموارد الزراعية، ويشمل إقليم الدولة كذلك ما حول الأرض من مياه إقليمية في البحار والمحيطات، وامتداداتها تحت البحر (الجروف القارية). وتتمثَّل أهمية الموارد الاقتصادية في ما تتيحه للدولة من قدرات مالية تمثِّل عنصر قوة مزدوجًا (موارد + قدرة)، والأساس المادي للنمو الاقتصادي والتبادل التجاري في إطار الاقتصاد الدولي. وتتفاوت الدول بشدة من حيث امتلاك مثل هذه الثروات أو عدمه، وتأثيراتها على قوتها في حالة وجودها أو عدم وجودها.
2 – الشعب
يعبَّر عن هذا العنصر بالعامل الديموغرافي أو السكاني للدولة لجهة تشكيله رافدًا مهمًا للقوى المسلحة وعاملاً لافتًا في إدارة شؤون الدولة واقتصادها. وقد يمارس نمط القيم والثقافة السائدة فيه وإرادته القومية، أدوارًا مباشرة كأدوات قوة تؤثر في الشعوب الأخرى. لكن كل ذلك يتم في ظل تباينات شديدة في تقييم العلاقة بين العامل البشري وقوة الدولة، بفعل المتغيِّرات في تلك العلاقة. ويتضمَّن هذا العامل عناصر فرعية عديدة، أهمها(14) :
أ – تعداد السكان: ويعتبر الأبرز في عوامل القوة للدولة. فثمة دول يزيد تعدادها عن المليار كالصين والهند، وأخرى تعاني قلة السكان الأصليين كالكويت والإمارات العربية المتحدة حيث عدد المقيمين يناهز، إن لم يتجاوز، عدد مواطني الدولة. ويلاحَظ تفاوت نسب نمو هذا العدد من دولة لأخرى، ففي بعضها ينمو السكان بأسرع من قدرتها على الاستيعاب، وفي أخرى يتوازى معدل الولادات مع معدل الوفيات، وفى بعض آخر يلفت اتجاه عدد السكان إلى التناقص. وتتضح معالم هذا المؤشر أكثر بإضافة كثافة السكان إليه، أي نسبة عدد السكان إلى مساحة الدولة القابلة للحياة فيها، وتكمن أهمية ذلك في أنه يوضح حجم الضغط على الموارد، وشكل نمط الحياة في الدولة. وتشكِّل دول مثل بنغلاديش والهند والسويد والدانمرك حالات صارخة لتفاوت الكثافة، وإشكالاتها المختلفة. ووفقًا للمقولات التقليدية ـ التي تقلّصت أهميتها في العصر الحديث ـ فإنه كلما زاد حجم السكان (وانخفضت كثافتهم) كلما كان ذلك يدعم قوة الدولة بشكل عام.
ب – توزيع السكان: وهو العنصر الرئيس الذي يتحدَّد عليه بناء القيمة الحقيقية لعدد السكان كمورد قوة أساسي للدولة، ويتضمَّن عددًا لا حصر له من المؤشرات منها:
• التوزيع العمري للسكان الذي يُبيِّن قوة العمل والوعاء التجنيدي في الدولة، ومعدلات التقديمات الاقتصادية في المجتمع، كما يشير إلى بعض المشكلات السياسية المحتملة.
• مؤشر التوزيع الجغرافي للسكان على أقاليم الدولة، أو مدنها وأريافها، ويبيِّن مستويات التحضر، وأوضاع المدن، وتركات السكان.
• مؤشر التنوُّع العرقي ـ الديني للسكان، فوجود مشكلات عرقية، أو حساسيات دينية يؤثر بشدة على التجانس الاجتماعي، وقد يعرِّض الدول لمشكلات حادة، كما هو قائم في العراق، أو الجزائر، أو السودان، أو رواندا وبوروندي، أو منطقة البلقان، أو إندونيسيا، أو بريطانيا وكندا.
يضاف إلى ذلك التوزيعات الأخرى المتصلة بمؤشرات التنمية البشرية المختلفة، من تعليم وصحة وخدمات، حيث ان جميعها توضح حالة السكان في الدولة. ومهما يكن من أمر هذه العناصر ومدى تأثيرها في قوة الدولة، فإن الربط بينها رمزي في الواقع، إذ تختلف ظروف كل دولة مقارنة بغيرها، فعدد السكان بشكل عام يمكن أن يكون مفيدًا في حالات الدول المتقدمة اقتصاديًا، وعاملاً سلبيًا في الدول الفقيرة.
ج – المؤسسات: وهي الإطار القادر على تحويل عناصر القوة إلى قدرات أو أدوات قابلة للصرف في مجال التأثير في غيرها من الدول أو إهدارها وبالتالي عدم فائدتها(15) . وثمة دراسات لتحليل القوة لحظت مؤشرات مختلفة بشأن العناصر المرتبطة بقدرة النظام السياسي، سواء أكان يتم النظر إليها كمتغيِّرات وسيطة تحكم عملية تحويل الموارد إلى أشكال وأنماط جديدة لعناصر قوة الدولة، أو كعناصر قدرة مستقلة تُضاف كأدوات إلى إمكانات الدولة، ومنها:
• أولا – استقرار النظام السياسي للدولة. فهناك نظم سياسية غير مستقرَّة بمستويات أدت إلى انهيار هيكل السلطة المركزية، وتفكُّك الدولة في بعض الأحيان ( يوغوسلافيا، الصومال)، أو تفجُّر العنف المسلح داخل الدولة لفترة طويلة (أفغانستان)، ونظم أخرى تمتلك مؤسسات مستقرة تكفل إدارة العملية السياسية داخل الدولة من دون مشكلات قائمة أو محتملة، وتتيح اتخاذ القرارات القومية على أسس تتسم بالعقلانية وفق قواعد محددة كمعظم النظم السياسية في الدول المتقدمة
• ثانيًا – أداء النظام السياسي. ويرتبط بكفاءة النظام السياسي في إدارة شؤون الدولة، وامتلاكه الكوادر التنظيمية والمهارة الفنية اللازمة لتعبئة الموارد الأساسية واستخدامها لصالح المجتمع، بدءًا بتحصيل الضرائب، مرورًا بتطوير الاقتصاد وتحديث القوات المسلحة، وصولاً إلى إدارة السياسة الخارجية، فهناك دول تفتقر إلى الموارد كاليابان التي تمكَّنت من تعويض النقص عبر تطوير المهارات التنظيمية والفنية، والحالات العكسية تشمل معظم الدول النامية.
• ثالثًا: في قوة الوحدة الوطنية للدولة ومدى مساندة الشعب لحكومته. فالنظم السياسية بدون غطاء شعبي تصبح في مهب الريح.
ومهما يكن من أمر، فإن موارد القوة تمثِّل عنصراً رئيساً للقوة القومية، لكن مشكلتها هي أن تأثيراتها لا تسير في وجهة واحدة، كما أن تحوّلها إلى أدوات قوة يتوقَّف على عوامل مختلفة، وبالتالي فإنها تمثِّل في غالب الأحيان قاعدة لقوة الدولة، حيث يتم النظر إليها كأساس يمكن الاستناد إليه لتحويل القوة الكامنة ـ بدرجة أكبر أو أقل ـ إلى قوة فعلية، إضافة إلى ما تقدّمه في بعض الأحيان من تفسيرات جزئية لعملية التأثير في حالات عديدة(16) .
ثالثًا – وسائل القوة
تتطلَّع جميع الدول بشكل عام إلى التأثير في غيرها من الدول بما يتوافق مع مصالحها وبشكل يحفظ أمنها وتطور اقتصادها ومكانتها الدولية. ولكن تلك الأهداف تظلّ أمنيات ورغبات ما لم تقترن بامتلاك وسائل تنفيذها أي حجم ونوعية ما يمكنها الحصول عليه من أمن ورفاهية أو مكانة(17) . وفي الواقع، تمتلك غالبية الدول بعض الوسائل الهامة التي تراوح بين أدوات رمزية تتشكّل من عناصر محدودة الحجم والمهام، ومؤسسات ضخمة تزيد ميزانياتها أحيانًا عن الدخل القومي لدول أخرى بكاملها كالشركات المتعدّية الجنسية، وأبرز هذه الوسائل هي:
1 – القدرة الاقتصادية
وهي وسيلة هائلة الأهمية في يومنا المعاصر لما للاقتصاد من عوامل مؤثرة في السياسات الدولية. وترتبط هذه القدرة بعدد هائل من الوسائل والأنشطة الخاصة كالتصدير والاستيراد والسلع والخدمات، ومنح المساعدات الاقتصادية، وتبادل الثروة والمعاملات المالية وأدوات الحماية التجارية، والعقوبات والمقاطعات الاقتصادية، ومنح الأفضليات التجارية كوضع الدولة الأكثر رعاية، وأدوات تحديد سعر صرف العملة الوطنية، والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في الخارج، وأشكال المفاوضات كافة الخاصة بتنظيم التعاملات الاقتصادية، والتعاون الإقليمي. فقد أصبح الاقتصاد محور عمليات تفاعل واسعة النطاق بين الدول لا تؤثر فحسب على رفاهية الشعوب وإنما على أمن الدول(18) .
2 – القوة العسكرية
إن طبيعة الدور الذي تضطلع به القوة العسكرية والمهام الموكلة إليها والنتائج المترتِّبة على أي فعل تقوم به جعلتها أكبر وأضخم وسائل القوة بالنسبة إلى الدولة. ففشل القوة الإقتصادية لدولة ما قد يؤدي إلى الفقر، بينما قد يعني فشل القوة العسكرية لها الموت. وتشمل القوة العسكرية لأي دولة، بصفة رئيسة، قواتها المسلَّحة بفروعها البرية والجوية والبحرية، وتسليحها التقليدي وغير التقليدي، وكفاءتها القتالية، ومواقع انتشارها، إضافة إلى العلاقات الدفاعية التي تربط الدولة بالدول الأخرى، بما تشمله من تعاون أو تحالف عسكري، وإلى العنصر العسكري الفرعي المتمثِّل بالصناعات الحربية وتطويرها في المستقبل. كما تشكِّل هذه القوة، في الوقت ذاته، مورد قوة يمكن أن يدعم أسس اقتصاد الدولة ودفاعها على مستويات أخرى(19) .
3 – القوة الاستخباراتية
تعني عمليات جمع المعلومات الخاصة بقدرات الأطراف الأخرى ونواياها وخططها وتحركاتها ذات العلاقة بمصالح الدولة، على غرار ما تقوم به عادة أجهزة الاستخبارات مستخدمة وسائل الاستطلاع والتنصُّت والجواسيس، بالتوازي مع مهام مكافحة المحاولات التي تقوم بها الأطراف الأخرى للأغراض نفسها ضد الدولة المعنيَّة. وفي الواقع، تمتدُّ العمليات الاستخبارية إلى أعمال أوسع كالتي اصطلح على تسميتها في العلاقات الدولية تقليديًا بالنشاطات السريَّة التي تصل بالنسبة إلى بعض الدول إلى تنفيذ أعمال الاغتيال والحماية والاختطاف والتوريط أو تهريب الأسلحة أو الأموال عبر الحدود، ودعم نشاطات أو جماعات أو أشخاص في دول أخرى، وعقد صفقات أمنية وسياسية، والمهام الأخرى كافة ذات الحساسيات الخاصة. وقد اتسع نطاق اهتمامات تلك الأجهزة في السنوات الأخيرة ليتطرَّق إلى مجالات عمل جديدة كالاقتصاد والتكنولوجيا(20) .
4 – الوسائل الدبلوماسية
لم تعد الدبلوماسية ترتبط فحسب بالمراسم أو الترتيبات أو توصيل الرسائل، وإجراء الاتصالات، وتنظيم أوضاع المواطنين في الخارج، وإنما شرح السياسات وتوضيح المواقف، والتنسيق السياسي، وإجراء المفاوضات، وعقد المعاهدات، والتوصل إلى تفاهمات. فقد أصبحت الدبلوماسية إطارًا لأنشطة واسعة النطاق تتمُّ بين الحكومات والمؤسسات والممثلين في المؤتمرات والمنظمات على نحو يصعب حصره. وتعتمد هذه الوسيلة على شبكة واسعة من السفارات والقنصليات والمفوضيات التي لا تضمُّ دبلوماسيين فقط، وإنما ملحقين تجاريين وثقافيين وإعلاميين وعسكريين وعناصر استخبارات، يعملون في إطار أدوات القوى الأخرى(21) .
5 – الوسائل الرمزية
تشتمل هذه النوعية من القدرات على وسائل غير مادية لها وقعها وتأثيراتها القوية في بعض الأحيان على الطرف الآخر، كالأدوات الأيديولوجية الرمزية التي تهدف إلى نشر تصوُّر مثالي شامل لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع في المستقبل، بما يحمله ذلك من قيم تخدم مصالح الدولة الفاعلة في المدى الطويل(22) . وتختلف الأدوات الثقافية عن الوسائل الدعائية والأيديولوجية في أنها ترتبط بتوظيف الإنتاج الثقافي والتراث القومي في التأثير على الشعوب الأخرى، وتشمل وسائل الإعلام/الدعاية التي تصاعدت تأثيراتها بشدة في عصر الأقمار الصناعية. وتقوم هذه الوسائل بمجموعة من الأنشطة الموجَّهة إلى التأثير في أفكار النخب غير الرسمية والأفراد العاديين في الدول الأخرى، بهدف تسويق توجُّهات معيَّنة، أو الدفع في اتجاه تأييد وضع معين أو رفضه، فقد أصبح الإعلام قوة خصوصًا مع تصاعد أهمية تأثيرات الرأي العام في التوجُّهات السياسية للدول(23) .
وفي الواقع لا يتوقَّف الأمر على هذه الأدوات، فثمة وسائل أخرى تلجأ إليها الدول لتقوية أوضاعها ومنها أدوات السياسة الداخلية، فالتأييد الداخلي لأي نظام سياسي يمثِّل أحد أهم عناصر تأثيراته الخارجية. لذا توظِّف النظم أدوات مختلفة لكسبه أو تشكيله أو السيطرة عليه، كما يمكن أن توظِّف أدواتها التشريعية والتنظيمية وأوضاعها السياسية في التعاملات الخارجية، وكذلك الأدوات العلمية ـ التكنولوجية، وترتبط باستخدام المعارف العلمية النظرية، والتطبيقات العلمية المعملية كأدوات أساسية للتأثير، كبرامج التبادل العلمي، والمساعدة الفنية، وبراءات الاختراعات، وبرامج استكشاف الفضاء وغيرها.
ثمَّة بعض التباينات لجهة تقدير حجم كل عنصر من عناصر القوة ومدى مساهمته في قدرة الدولة. فالمدرسة الواقعية ترى أن القوة العسكرية تمثِّل الأداة الرئيسة لقوة الدولة، وتنظر إلى كل وسائل القوة القومية الأخرى كالقدرات الإقتصادية، أو الأدوات الدبلوماسية وموارد القوة كعدد السكان والمساحة الجغرافية من زاوية دعمها أو إضعافها لقوة الدولة العسكرية، أي بالقدر الذي يمكن تحويلها أو عدمه إلى قوة عسكرية. وفي المقابل ثمة فئة أخرى تشير إلى تقلص أهمية القوة العسكرية لصالح القدرات الاقتصادية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، وتيار آخر يركِّز على تحوُّل القوة من الاقتصاد إلى المعرفة بأبعادها الثقافية ـ العلمية – التكنولوجية. وتستند مثل هذه التيارات إلى مؤشِّرات مختلفة ذات أهمية، إلا أنها قد تثبت في واقع الأمر أن أهمية القدرات الاقتصادية أو المعرفية قد تزايدت لتقترب من القوة العسكرية، أو ربما لتتفوَّق عليها في مجالات معينة، لكنها لا تثبت أن وزن القوة العسكرية قد تقلَّص(24) .
وغالبًا ما تمتلك الدول عددًا من قدرات القوة التي تتوافر من مواردها، وتقوم عادة بتوظيف الأدوات المتاحة لها بأساليب مختلفة (كالضغط العسكري، والاتصالات الدبلوماسية، والحصار الاقتصادي) في وقت واحد، لتحقيق أهدافها، وفقًا لأبعاد كل حالة. وقد أثبت بعض الدراسات أن الأدوات الدبلوماسية هي، بصفة عامة، أكثر أدوات التأثير الخارجي استخدامًا من جانب الدول، تليها الأدوات الاقتصادية، ثم الأدوات العسكرية التي تعتبر الخيار الأخير(25) .
إضافة إلى ذلك، ثمة علاقة أكيدة بين امتلاك أدوات القوة والقدرة على التأثير في سلوك الآخرين. لكن كما كل عمليات ممارسة القوة، قد لا يكون وجود القدرات كافيًا وحده للتمكن من التأثير على الآخرين، إذ ثمة عدة متغيرات وسيطة تحيط بذلك، أهمها قابلية أداة القوة ذاتها للاستخدام عمليًا، وتوافر الإرادة والكفاءة لدى الطرف الفاعل في استخدام أدوات القوة في إطار المحددات المعقَّدة المحيطة بعملية التأثير، وبينها موازين القوى القائمة بين الطرفين. ففي أحيان كثيرة يرتبط النجاح أو الفشل في التأثير بصلابة الإرادة أو ليونتها، أو توافر الكفاءة أو عدمه، فالعوامل غير المادية ذات أهمية حيوية مكملة؛ يضاف إلى ذلك إدراك الطرف الآخر وجود عناصر القوة المحددة لدى الدولة، ووجود إرادة مؤكدة ومهارة بشأن استخدامها. فقد تتجاهل أو لا تدرك الدولة الأخرى وجود ذلك ما يطرح احتمالات معقدة بشأن عملية التأثير برمتها، فإدراك القوة يكون أحيانا بدرجة أهمية وجودها نفسه؛ ولا يعنى ذلك أن القدرات قد تكون غير مؤثِّرة، أو أنه يمكن الشك في ذلك، لكنه يعني أن ثمة محددات مختلفة تحيط بعملية التأثير، وتؤثر في نتائجها النهائية، فامتلاك أدوات القوة لا يكفى وحده لتحقيق الأهداف، ولكن من دون امتلاك تلك الأدوات فإن أية دولة تصبح خارج اللعبة.
رابعًا – قياس القوة
قد لا تكون معرفة العدو كافية إذ لا بد أيضًا من معرفة الذات، لكن المشكلة الحقيقية تكمن بالكيفية التي يمكن التوصل بها إلى تقدير سليم لإمكانات الطرف الآخر ونواياه، أو ما يمتلكه الطرف المعني ذاته من إمكانات على نحو يتيح تصوُّر ما يمكن أن يحدث في اللقاءات الفعلية، أو بمعنى آخر قياس القوة(26) .
إن تقييم قوة الدول يتم بالاستناد إلى التجارب السابقة بينها على الأرض. وبما أن الحروب أو اختبارات القوة الحادة، عادةً، لا تتكرَّر كثيرًا إلا في مناطق غير مستقرَّة، فلا إمكان دائمًا لإدراك القوة الحقيقية للدول، لذلك تستبدل عمليات التقييم بالاستناد على أسس افتراضية كالإمكانات الحالية أو المتوقَّعة للطرفين المتقابلين، من خلال معادلات تحاول صهر المقومات الكليَّة لقوة الدولة، مادية ومعنوية، ثابتة ومتغيِّرة، للوصول إلى تقدير تقريبى للقوة. وفي هذا السياق، حاول تيار واسع في الدراسات الأكاديمية، إضافة إلى أقسام التخطيط وجهات التقدير في المؤسسات الرسمية، تطوير أساليب علمية يمكن من خلالها قياس قوة الدولة استنادًا إلى الإمكانات المتاحة لها، بافتراض أن الدولة تكون قوية أو قادرة على تحقيق أهدافها بقدر ما تسمح به عناصر القوة المملوكة لها وفق عدة مناهج لقياس القوة وأهمها اثنان:
• الأول يركِّز على قياس قوة الدولة استنادًا إلى العوامل المادية التي يمكن قياسها مباشرة بمؤشرات كميَّة، واعتمد بعض محلليه على عناصر الدخل القومي وعدد السكان وحجم القوات المسلحة كمؤشرات لقوة الدولة؛ بينما اعتمد آخرون على إجمالي الدخل القومي والنفقات العسكرية، أو الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات استهلاك الطاقة؛ وارتكز اتجاه ثالث على المؤشرات العامة للاقتصاد القومي: الزراعة، الصناعة، التعدين والأرض والسكان والقوة العسكرية للدلالة على قوة الدولة.
• الثاني: حاول الجمع بين العوامل المادية والعوامل المعنوية التي يصعب قياسها، كقياس قوة الدولة استنادًا إلى ثمانية عناصر أساسية هي الجغرافيا والسكان والموارد الطبيعية والقوة الإقتصادية والقوة العسكرية والوظائف الحكومية وعملية صنع القرار. وأدخلت اتجاهات أخرى عوامل مثل الأخلاق القومية أو القدرات الثقافية أو العمل الجماعي ونظام القيم والقدرات التنظيمية، إضافة إلى القدرات التقليدية في عملية التقييم، استنادًا إلى أوزان مفترضة لكل منها(27) . وعلى الرغم من ذلك فإن بعضاً من محللي قياس القوة أنفسهم يعترف بأن مثل هذه المقارنات لا تقيس قوة الدولة (أو تأثيرها)، ولكنها تقيس فحسب القاعدة التي ترتكز عليها قدرتها على التأثير، كقدرتها على شن حرب، أو مكافأة دولة أخرى اقتصاديًا، أو التأثير في توجهات الرأي العام داخلها، وذلك يعود للعديد من الأسباب والاعتبار أهمها:
أ – تتضمَّن عناصر القوة القومية ثوابت (كالمساحة الجغرافية) ومتغيِّرات (كالقوة العسكرية) متداخلة بعضها مع البعض الآخر، ومتفاعلة بدرجة يصعب معها تقييم قوة الدولة على أساسها. فمن الصعب حصر التفاعلات بين العناصر المادية (كعدد السكان) وغير المادية (كالإرادة القومية)، أو تحديد أدوات قياس وتحليل تضمن مستوى مقبول من الموضوعية، فكثيرًا ما استخدمت تلك القياسات لطرح تصوُّرات تبتعد عن الموضوعية بغرض التقليل من قدرات طرف أو المبالغة في قوة طرف آخر(28) .
ب – تتغيَّر مع الزمن أوزان تأثير بعض العناصر الرئيسة للقوة، من حيث أهميتها ضمن أسس القوة أو درجة فعاليتها في التأثير، بفعل تطور وسائل الاتصال وأدوات الحرب وأساليب التجارة وغيرها. وقد وضح ذلك في الجدال الخاص بوراثة الاقتصاد للقوة العسكرية ووراثة المعرفة للاقتصاد، إلا أن بعض عناصر القوة الثابتة ذاتها قد لحق به تغيرات أساسية. فقد تقلَّصت الأهمية الإستراتيجية للموقع الجغرافي إلى حدٍّ كبير، ولم يعد متاحًا للدول أن تغلق الممرات المائية إلا بثمن كبير، كما لم تعد الحدود الطبيعية تشكل منعة دفاعية غير مشكوك فيها في ظل تطوُّر أشكال الحرب وبخاصة الجوية، وانتشار الصواريخ البالستية القادرة على الاختراق. كما لم تعد الموارد أو المحاصيل الرئيسة التي اصطلح على وصفها بالإستراتيجية، كالبترول والقمح، تكتسب أهميتها السابقة نفسها التي اكتسبتها عبر المنح أو المنع، بفعل انفتاح الأسواق وتعدّد الموردين وسهولة النقل ووجود البدائل.
ج – إن التأثيرات المحتملة لكثير من مقوِّمات القوة لا تسير في اتجاه واحد، بحيث لا يعني امتلاك عنصر قوة معيَّن وجود مقدار محدَّد حتمي من التأثير في اتجاه ما، والمثال الواضح بهذا الشأن هو حجم السكان، فعدد سكان الدولة قد يشكِّل ميزة تدعم قوتها، وقد يمثِّل عبئًا يؤدِّي إلى إضعافها وفقًا لحالة التجانس أو مستوى التعليم والصحة. لكن الأكثر دلالة هو الموقع الجغرافي، فموقع الدولة الإستراتيجي قد يمثِّل أساسًا قويًا لتأثيراتها وسيطرتها في المنطقة المحيطة بها، لكنه قد يعرِّضها بشكل دائم لمحاولات الغزو والإحتلال والضغط الخارجي المستمر، وفقًا لمستوى عناصر قوتها الأخرى. كما أن ثمة ما يشبه فرصة بديلة أو تأثيرات جانبية تحيط بكثير من أدوات القوة، فامتلاك الدولة قوة عسكرية ضخمة يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات قوية في الأطراف المحيطة بما يدعم الأمن والمكانة، لكنه قد يرهق اقتصاد الدولة بشدة.
د – يرتبط التأثير بكيفية تقييم النظم السياسية لهذه القوة أو تلك، فما يؤثر في واقع الأمر ليس القوة، وإنما القوة المدركة أو المتصورة، بكل ما يمكن أن يحيط بالمدركات من إعاقات(29) .
هـ – لا تمتلك الدول بالضرورة إمكان تحويل موارد القوة المتاحة لها أو ترجمتها إلى أدوات قوة محددة يمكن استخدامها مباشرة في التأثير بحكم مشكلة الخصائص النوعية لها(30) .
خامسًا – موازين القوى والأحلاف الدولية
يأتي تحليل علاقات القوة عبر تحليل دور القوة في العلاقة الثنائية بين دولتين أو عدة دول، أو تحديد اتجاهات تأثيرها في صراع ما، وهو لا يتوقَّف على حجم عناصر قوة طرف واحد ونوعيتها، وإنما على شكل ميزان القوة بين قدرات الطرفين ومضمونه. فالقدرات التي تمتلكها دولة من الدول، مقارنة بقدرات الدول الأخرى، تعتبر من العناصر الأساسية في عملية التفاوض أو المياومة التي تشكل جوهر صدام الإرادات الدولية وحوارها. فأهمية موازين القوة كمفتاح لفهم التفاعلات الدولية تأتي من عدم وجود قواعد ملزمة وأدوات تنفيذية عامة في معظم فترات التاريخ تحكم علاقات الدول، مثل القوانين داخل الدول، فالمخالفة أو الجريمة داخل الدول تواجه بالعقوبة، أما على المستوى الدولي فذلك لا يحدث إلا في حالات استثنائية لا يمكن الركون إليها، فالدول قد تقصف الأطراف الأخرى، أو تحاصرها اقتصاديًا، وربما تغزوها، من دون أن تجد بالضرورة ما يوقفها
(31) .
إلا أن العقود الأخيرة شهدت تحولاً بارزًا وبخاصة بعد نهاية الحرب الباردة التي تتشكَّل فيها أسس العولمة، والتي شهدت نوعًا من التبلور لما يسمى مجازًا قواعد لعبة تحيط بسلوكيات الدول، وتنظِّم بعض أنماط علاقاتها في ظل قيم عالمية كالتدخل الإنساني والأمن الجماعي، وضبط التسلح والاعتماد المتبادل. لكن انضباط العلاقات الدولية لم يصل إلى الدرجة التي تجعل من العالم أشبه بدولة ذات حكومة مركزية فلا تزال القوة تستخدم استنادًا على رؤى الدول لمصالحها الخاصة، ولا يزال من المتعذِّر الاستناد على نوايا الآخرين أو أخلاقياتهم، وبالتالي ظلَّت قدرات الدول هي المعيار الأكثر استقرارًا.
وتأتي في هذا السياق أهمية موازين القوة التي تتحكَّم بالتفاعلات بين الدول في إقليم معيَّن أو على المستوى الدولي، إذ أنها مفهوم متعدِّد الأبعاد ويستخدم في ظل عدم وجود تعريف دقيق، فيشير بعض التعريفات إلى نمط توزيع القوة بين أطراف إقليم معيَّن، أو في النظام الدولي، ويستخدمه بعض الكتابات بمعنى توازن القوى الذي تحكمه نظريات وقواعد معقدة تتصل بالتحالفات أو التحالفات المضادة التي تقوم بها الدول لمنع الهيمنة والحفاظ على الاستقرار. وبعيدًا عن المعنى الأخير، يمكن رصد أهم الإشكاليات المتصلة بموازين القوة في أمرين أساسيين:
الأولى: مستويات علاقات القوة بين الدول. فعناصر القوة المقارنة للدول تطرح بشكل عام كمستوى قدراتها الشاملة وقدراتها العسكرية، أبرزها:
1 – مفهوم التوازن الاستراتيجي: ويقصد به العلاقة بين محصلة القوة لأطراف علاقة دولية ما، وهو بهذا المعنى يتخطَّى مفهوم الميزان العسكري الشائع الاستخدام، إذ يتضمَّن أبعادًا اقتصادية وثقافية وسياسية، إضافة إلى البعد العسكري. فهو حالة التوازن الناتجة عن قياس عناصر القوة القومية لطرف ما مقارنة بقياس العناصر نفسها لدى الطرف الآخر، بما في ذلك تحالفاتها الدولية وعلاقاتها الثنائية والمتعددة الأطراف في النظام الإقليمي الذي ينتميان إليه(32) .
فحالة التوازن أو التعادل أو التكافؤ في القوى تخلق موقفًا من الشعور بالقدرة على الحركة، وإمكان المناورة والمساومة، وتتيح فرصًا وبدائل متعددة. أما حالة الاختلال الإستراتيجي فتخلق وضعًا مختلفًا، ففيها يشعر أحد الأطراف أن بوسعه حسم الأمور بالقوة، وأن الطرف أو الأطراف الأخرى لن تغامر باللجوء إلى السلاح، بحكم كون النتيجة معروفة مسبقًا. أما الطرف الآخر فيجد نفسه في مأزق عليه أن يكافح باستمرار للبقاء في إطار اللعبة بأقل خسائر ممكنة. وبينما تؤدى حالة التوازن إلى نوع من الردع المتبادل والحسابات الدقيقة لكل طرف قبل الإقدام على خطوة حادة، فإن حالة الاختلال تفتح الطريق إلى احتمالات عدم الاستقرار في ظل رغبة طرف في الهيمنة، ومقاومة الطرف الآخر لذلك.
2 – مفهوم الميزان العسكري: ويعتبر أشهر مفاهيم علاقات القوة إذ يشكل العنصر الأساس في عملية التأثير خلال الإصطدامات الشديدة، باعتباره يحدِّد عامل القدرة على الإيذاء واستخدام العنف المسلَّح أو التهديد به خلال عملية التفاوض أو المساومة، لذا لا توجد موازين اقتصادية أو ثقافية أو دبلوماسية وإنما عسكرية فحسب. ويعنى الميزان العسكري الوضع الناتج عن قياس عناصر القوة العسكرية، تقليدية كانت أم غير تقليدية لطرف من الأطراف مقارنة بمثيلاتها لدى الطرف الآخر، فهو محصلة الأوزان المقارنة لتلك العناصر بين دولتين، وهو مصطلح محايد لا يشير إلى حالة معيَّنة لعلاقات القوة كالتوازن أو الاختلال. وتكمن أهمية المفهوم في أن الميزان العسكري يمثِّل مفتاح البحث في إمكان نشوب حرب أو عدم نشوبها في منطقة ما، فالطرف الأضعف لا يقوم عادة باستخدام القوة المسلحة بحكم واقع الميزان الذي يميل ضده، أما الطرف الأقوى فإنه يمتلك خيار التهديد بالحرب في ظل تقديراته الخاصة لحجم ما يمكن أن يحصل عليه مقابل خسائره المحتملة، وهى قاعدة صحيحة بشكل عام(33) .
لقد أدى ظهور الأسلحة النووية تحديدًا، ودخولها ضمن علاقات القوة بمستواها الاستراتيجي والعسكري، إلى جعل مفهوم القوة ذاته أكثر تعقيدًا، فالتطورات التكنولوجية تؤدي كل خمسة أعوام إلى انقلابات في نظم التسليح، والدول تواجه بألفاظ مثل التفوُّق والتوازن والتدمير المؤكد من دون تفسير واضح لأهميتها في مجال التطبيق من الناحية العسكرية، وبالذات من دون اتفاق على ما تتضمَّنه سياسيًا. وما تزال الأسلحة النووية ومعها الأسلحة الإستراتيجية غير النووية كالبيولوجية والكيميائية مصدرًا لتعقيدات لا نهاية لها بالنسبة إلى موازين القوة.
الثانية: أنماط علاقات القوة بين الدول: ترتبط أنماط علاقات القوة بين الدول، على المستوى الدولي أو الإقليمي، بمقوِّمات قوة الدول داخل كل نطاق إضافة إلى طبيعة العلاقات القائمة بين الدول على ساحته، وبخاصة طبيعة استخدام القوة بين دول النظام المعني. فالعالم أو أي من أقاليمه يتكوَّن من دول، وتختلف عناصر قوة كل دولة عن الأخرى، وبالتالي قدرتها على التأثير في التفاعلات الدولية أو الإقليمية، اختلافًا كبيرًا، إلى درجة يمكن الإشارة معها إلى أن بضع دول تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في الأحداث والتطورات الرئيسة التي يشهدها العالم(34) . و يتم عادة تصنيف الدول في العالم إلى عدة فئات رئيسة، أكثرها شيوعا هي:
1 – القوى العظمى التي تمارس تأثيراتها في معظم أنماط التفاعلات على مستوى العالم كالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق.
2 – القوى الكبرى التي تمارس تأثيراتها في نطاقات متعدِّدة على مستوى العالم، كفرنسا والصين واليابان وبريطانيا.
3 – الدول المتوسطة التي تمارس تأثيراتها في معظم أنماط التفاعلات على مستوى الأقاليم كالبرازيل ومصر والهند وإندونيسيا.
4 – الدول الصغيرة التي لا تمارس تأثيرات ذات أهمية خارج حدودها، ودائرة الجوار المباشر كنيكاراغوا وكينيا والبحرين وبلجيكا.
وقد مرَّ العالم خلال القرون الماضية بعدة حقب زمنية اتسمت كل منها بوجود شكل معيَّن لهيكل القوة فيه، استنادًا إلى توزيع القوة بعناصرها وتأثيراتها، بين أطرافه، بخاصة أطرافه المحورية التي تتحكَّم في التفاعلات الأساسية خلال كل حقبة. وعادة، كانت كل حقبة تُنسب إلى نمط هيكل القوة المسيطر فيها، والذي يمكن عبره فهم معظم ما يدور خلالها من تطورات. ويتمّ التمييز في هذا الإطار بين ثلاثة أشكال رئيسة من هياكل القوة الدولية التي ظهرت في فترات تاريخية مختلفة وهي:
أ – نظام القطب الواحد الذي يتسم بتركز القوة أو مواردها إلى حدٍّ كبير في دولة واحدة، أو تحالف محدود من الدول، وقد شهد العالم تاريخيًا هذا الوضع عدة مرات، عندما سادت الإمبراطورية الرومانية في العالم، وعندما شكَّلت بريطانيا العظمى ما سُميَّ الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، كما كادت ألمانيا أن تحتل هذا الموقع مرتين خلال فترات حكم بسمارك في أواخر القرن التاسع عشر، وهتلر في القرن العشرين. وقد عاد هذا الهيكل في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة في ظل سيطرة الولايات المتحدة نسبيًا على التفاعلات الرئيسة في العالم. وقد عمل كل قطب مهيمن على فرض قيمه وسياساته على الكتلة الفعالة من العالم في ما عُرف باسم السلام الروماني قديمًا، ويشار إليه باسم السلام الأميركي في المرحلة الحالية.
ب – نظام القطبية الثنائية ويتسم بتركز موارد القوة وقدراتها، واتجاهات التأثير في دولتين أو كتلتين رئيستين بشكل جامد أو مرن، في ظل وجود صراع أو تنافس كبير بينها، وتمركز للتفاعلات الدولية حول مواقعها. وقد شهدت فترات تاريخية سابقة مثل هذه الهياكل، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبداية القرن العشرين؛ وأشهرها نظام القطبية الثنائية البريطاني ـ الفرنسي الذي تمَّ خلاله اقتسام مناطق النفوذ في أقاليم مختلفة من العالم، كما حدث في المنطقة العربية، وكانت أهم نماذجه هي التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين حتى العام 1991 بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي.
ب – نظام تعدد الأقطاب ويتسم هذا النظام بانتشار القوة في ما بين عدد كبير نسبيًا من الدول، تقوم بينها عادة حالة من توازن القوى التي تكون في معظم الأحيان غير مستقرة، بفعل تأثير التحالفات والتحالفات المضادة المستمرة عليها. وتدور التفاعلات داخل هذا النظام حول أكثر من صراع دولي رئيس. وقد شهد العالم كذلك مثل هذا النظام عدة مرات، خصوصًا خلال فترة م







