بدأ يتراءى لي أن مسلسل تكوين الحكومة الجديدة يمكن أن لا يكون قصيرا. في 2002 طال المخاض حوالي شهر لدواع بداغوجية، إذ تطلب الأمر مرور ما يكفي من الوقت لكي تتمعن الطبقة السياسية في فحوى المادة 24 من الدستور المعمول به حينذاك. وحينما قتلت تلك المادة بحثا وقلبت على شتى الأوجه في الصحافة والصالونات، تم الانتقال إلى التطبيق، وتم التسليم بالمنهجية المتخذة. وربما كانت الحاجة إلى تلك البيداغوجية الآن أقوى، من السابق لسببين.
الأول أن هناك نصا دستوريا جديدا أتى بمستجدات يجب التمعن فيها والتكيف معها وتطبيقها نصا وروحا. والثاني أن هناك قوة سياسية جديدة على الحكم بوأتها نتائج 25/11 مكانة الصدارة.
فمن جهة، على الجميع أن يعود إلى قراءة النص الدستوري ويحسن قراءته، بعد أن هدأت – ربما – فورة الحماس التي اكتنفت المصادقة على الدستور، ثم مفاجآت الانتخابات. وكل قراءة ملائمة لابد أن تؤدي إلى استنباط قواعد عمل متطابقة مع قانون السير في مسالك هذا النص الدستوري، بدءا من تشكيل الحكومة ووصولا إلى تنزيل باقي بنود الدستور، الجديد الذي لا يخرج عن القواعد المتبعة، بخصوص ضبط توزيع الدوار وإيقاع الأداء.
ولعله يكون مفيدا لكل الأطراف أن تعيد قراءة بنود الدستور التي تدل كلها على أن هناك منبعا واحدا يأتي منه ماء الحياة السياسية المغربية، قبل الدستور الحالي وبعده. ومما هو ثابت وواضح، ومطلوب استحضاره في هذه الأيام التي تلي فورة حماس يوليو ونوفمبر، هو أن تجربة ستدوم ستين شهرا تستحق التأني اللازم، ولو تطلب الأمر أياما أخر، ولم لا أسابيع أخرى، من أجل استيعاب ميكانيزمات هذه التجربة، حتى يعرف كل ذي دور دوره، حسب ما هو مسطر في الدستور الذي هو المرجع الوحيد لتنظيم الحياة الوطنية، إلى أن يأتي 20 فبراير آخر و9 مارس آخر.
ثم إن التجربة التي غشيناها تقوم على صيغة أساسها أن هناك حزبا هو الأول يجب أن تلتف حوله أغلبية. إلا أن هذا المعيار العددي لا يقول كل شيء. فالأمر يتعلق بقوة سياسية ذات طعم جديد في الحياة السياسية المغربية. إنه حزب جرب التداول على القيادة في حظيرته. وهذا شيء له قيمته التنظيمية وانعكاساته السياسية. ثم إنه حزب أقدم على تمرين جديد في الحياة السياسية المغربية وهو التصويت على لائحة الاستوزار. وهذا شيئ ليس فقط جديدا من حيث الشفافية والمسؤولية، بل إنه ينطوي على أن القيادة حينما تتفاوض على التشكيلة ليس لها هامش خارج القرار النابع من الاقتراع الذي جرى في دواليب الحزب، وإلا فإن أي خروج على القرار المتخذ معرض للمساءلة القانونية أمام المحاكم.
وكل هذا يتبلور في إطار أغلبية متعددة الرؤوس. ومن شأن هذا أن ينتج سيناريو يحتمل مفاجآت، هي إن لم تحصل اليوم فستأتي غدا، بما في ذلك احتمال فشل الجولة الأولى من الاتصالا ت والتحركات والتحركات المضادة، و بدء الحساب من جديد، واحتمال تغيير رفاق الطريق، واللجوء إلى البدائل التي هي غير مقفلة.
و الحديث على هذا النحو ليس من الخيال العلمي أو من باب المستحيلات، بل هو من مقتضيات تتبع حالة الطقس. وهو غير مستقر ولا يرتبط فقط المؤسسات المنصوص عليها في الدستور بل هو عدم استقرار تخلقه مؤسسة الهاتف النشيط في اتجاه الفاعلين واتجاه وسائل الإعلام الغنية بشتى التسريبات المحسوبة.
إن ما يحدث هو شيء أساسي لترتيب الأوضاع في ظل المشهد الجديد. وهذا الاضطراب المرتب هو البديل المغربي لساحات " التحرير" و "التغيير". وهو مقابل مقبول إلى حد ما.
وحتى الآن تم شيء واحد شبه نهائي – إذا لم تبرز طعون جدية تعيد الأمور إلى نقطة الصفر وهي غير مستبعدة – وهو تنصيب رئيس لمجلس النواب. ومعروف أنه تم الإيحاء به لضمان الخطوة الأولى في مضمار خوض العمليات الطويلة النفس لما سمي في القاموس المستحدث بـ" تنزيل " الدستور.
هناك إذن رئيس سيسمع الكلام ويتبع أحسنه. ولتكميل الصورة يجب أن يكون هناك فريق حكومي متناغم مع مقتضيات "التنزيل " الملازم. وسيكون مطلوبا تطويق الحزب الذي يصوت على لائحة الاستوزار حتى يتعلم قواعد النحو، و يستوعب ميكانيزمات التوافق.
ولن يكون مدهشا أن تقع تقلبات مثيرة، لأن التجربة جديدة من حيث وجود نص دستوري جديد، ومن حيث وجود قوة سياسية ذات ثقافة جديدة، يجب ترويضها وصولا إلى إيجاد تناغم مع ما هو مطلوب. ولن يكون شيئا خارقا للعادة أن تتطلب بلورة الأمور شيئا من الوقت وفترة للاستيعاب وحتى مفاجآت لم تخطر على البال.







