أجيال بريس/ يوسف العزوزي
يبدو أن مفهوم إسلامي يواصل رحلته المثيرة بين الدال و المدلول، ففي أو ل استعمال له- حسب المفكر المغربي المهدي المنجرة – كان مصطلح "إسلامي" يشير إلى اليهود المتظاهرين بالإسلام خوفا على حياتهم أيام الحظوة الإسلامية بإسبانيا. و بعد تحطيم جدار برلين و انهيار الاتحاد السوفياتي وظفت "إسلامي"ضمن الآليات الرمزية لاختلاق عدو جديد للحضارة الغربية من أجل إيجاد تمايز و فصل بين إسلامي و مسلم .الأول عدو لأنه يحمل ثقافة الإسلام السياسي المعادية للمشروع السياسي و الاقتصادي و الثقافي و الفكري للغرب و الثاني صديق متحالف مع الغرب نفسه ضد مشروع الإسلام السياسي.
بعد أحداث 11 شتنبر التاريخية ارتقى مفهوم "إسلامي" سلم الخطورة ليحتل مرتبة" إرهابي" وشكل وجه العملة التي روجت لإعادت رسم خارطة الجغرافيا السياسية بالعالم العربي من خلال فسح المجال أمام احتلال أفغانستان و إسقاط نظام صدام حسين و إقامة أكبر القواعد العسكرية بقطر الداعمة جزيرتها لما سمي بالثورات العربية، و تركيا أردوغان حضن المعارضة السورية، و السعودية، وظهر معتقل غوانتانامو و أبو غريب والسجون العابرة للقارات. لكن مباشرة بعد القتل الرمزي لبلادن ورمي جتثه في البحر، وقعت طفرة في مفهوم "إسلامي" خصوصا بعد حادث أسطول الحرية التركي الذي رام كسر الحصار على غزة فسطع نجم الإسلامي رجب طيب اردوغان،ليتحول المفهوم ب 360 درجة ، من مرادف لعداء الديموقراطية إلى المفتاح و الحل الوحيد لها في كل من مصر و تونس وليبيا و اليمن و في الطريق سوريا و السودان و موريطانيا و الجزائر .
انعكست هذه التحولات الإقليمية على المغرب فأوجدت معطيات جديدة أصبح المشهد السياسي بموجبها اكثر وضوحا خصوصا بعد الاستفتاء على دستور فاتح يوليوز 2011 والاستحقاق التشريعي 25 نونبر 2011 ، فالاكتساح الكبير لحزب العدالة و التنمية ب 107 مقعد برلماني و إصرار جماعة العدل و الإحسان على البقاء في موقع المعارضة للنظام القائم، و رفض نتائج الانتخابات ـ يدفع باتجاه تعارض سياسي لكيانين سياسيين بمرجعيتين إسلاميتين يتعلق الأمر بجماعة العدل و الإحسان السياسية و حزب العدالة و التنمية .
أهمية هذه الوضعية الصحية تفسح المجال أمام الفكر السياسي المغربي للتأمل من أجل وضع الأسس الفكرية لحسن تدبير العلاقة بين السياسي و الديني خصوصا و أن هناك أحزابا أخرى تعتمد المرجعية الدينية كحزب الاستقلال و حزب النهضة و الفضيلة و غيرهما، و التوضيح ضروري حتى لا يستعمل المسجد للنصرة السياسية لهذا الحزب أو هذه الجماعة على حساب الباقي.
من هنا تبرز أهمية التنصيص الدستوري على مؤسسة أمير المؤمنين بالمغرب للحيلولة دون تأثير الاختلاف السياسي على الوحدة الدينية للمغاربة و استقرارهم الروحي ببقاء المسجد على نفس المسافة من الفاعلين في عملية التدافع السياسي .و بالتالي فإن من شأن الاختلاف السياسي بين العدل و الإحسان و العدالة و التنمية فتح آفاق جديدة للفكر السياسي المغربي لتوضيح حدود الانفصال و الاتصال بين السياسي و الديني للفاعلين السياسيين في الدولة المغربية التي دسترت مؤسسة أمير المؤمنين لتكون حكما ناظما لتجاذبات الإكراهات الاقتصادية و السياسية بين الداخل المغربي و خارجه ،ضمن مناخ دولي تحكمه قوى سياسية و اقتصادية غربية علمانية .
صعود نجم الحركة الإسلامية المبارك غربيا من تركيا مرورا بمصر وتونس إلى المغرب من شانه إحراج من يسمون أنفسهم بالمثقفين الحداثيين أو التقدميين ، فالوضعية الجديدة لما سمي قصرا بالإسلام السياسي و التي تم بموجبها القبول الدولي و المحلي من طرف كل التيارات السياسية اليسارية التي تشتغل من داخل النظام بحزب إسلامي في رئاسة الحكومة ، بعد أن كان في الأمس القريب يوصف فكريا بأنه محضنا و مشتلا للإرهاب خصوصا عقب أحداث 16 ماي ،أصبح اليوم معيار التحالف معه في الحكومة (التقدم و الاشتراكية)أو معارضته( الاتحاد الاشتراكي) سياسيا بالدرجة الأولى ،يتم تلوينه إديولوجيا لرفع الحرج. فمباشرة بعد مباركة الغرب لنتائج الانتخابات بدأ العد العكسي للسحب التدريجي لعملة الإرهاب من سوق التداول الرمزي السياسي .
و النغمات الجديدة التي سيعزفها الغرب و التي سيرددها ببراعة كورال المثقفين المغاربة ، ستطرح بقوة سؤال المثقف و الهوية و الإبداع و التقليد، و غيرها من المفاهيم التي تحتاجها الديموقراطية الفتية بالمغرب من أجل استكمال مسيرة بناء فكر سياسي مغربي كفيل بإخراج البلاد من حالة التبعية الفكرية و السياسية و الاقتصادية.








