المغرب يعيش ذكرى استقلاله على وقع انتخابات الدستور الجديد

ajialpress18 نوفمبر 2011
المغرب يعيش ذكرى استقلاله على وقع انتخابات الدستور الجديد

هيثم شلبي: كاتب وصحفي فلسطيني

يحتفل المغرب هذه الأيام (الثامن عشر من نوفمبر) بذكرى استقلاله عن فرنسا عام 1955. وليس غريبا أن يجيء هذا التاريخ بعد يومين فقط من عودة العائلة المالكة المنفية آنذاك إلى بلادها، واسترجاع محمد الخامس عرش آبائه وأجداده، تجسيدا لانكسار فرنسا أمام "ثورة الملك والشعب" التي انطلقت في أعقاب نفي الملك الشرعي وأسرته قبلها بعامين.

ويبدو احتفال المغاربة هذه السنة باستقلالهم مميزا، إذ أنه يأتي في أجواء التغيير التي تدور رحاها في مختلف أقطار العالم العربي، والذي كان المغرب سباقا للتفاعل مع مقتضياتها منذ التاسع من مارس الماضي، عبر خطاب ملكي جريء، وإرادة طموحة ترجمها عاهل البلاد الشاب الملك محمد السادس، الذي أردف التزاماته الواردة في خطاب مارس، بأفعال ملموسة قادت إلى اعتماد دستور جديد كليا للبلاد، ساهم في صياغته والتصويت عليه، وبالتالي اعتماده، مختلف فعالياته وغالبية مواطنيه. دستور يتمنى جميع المخلصين أن تسهم انتخابات الخامس والعشرين من نوفمبر المقبل، في ترجمته بطريقة تليق بالمغاربة، وترسخ استقلالهم، وتعبد طريقهم نحو مستقبل أكثر إشراقا.

وكما كانت معركة نيل الاستقلال ثمرة نضال مشترك بين العرش والشعب، ومصداقا للحقيقة التي أكدتها جميع المحطات الكبرى في تاريخ المغرب القديم والحديث، والتي مفادها أن كسب المعارك المصيرية لهذا البلد، كان النتيجة الدائمة لهذا النضال المشترك واللحمة المتينة بين عرش يحسن الاستماع والاستجابة لمطالب شعبه، وشعب يلتزم بما في عنقه من بيعة للجالس على عرشه، مستعدا لبذل ما يتطلبه الدفاع عن سيادته واستقلاله ونمائه من تضحيات، فإن الرهان كان ولا يزال منصبا على رسوخ هذه العلاقة، والتزام كل من طرفيها بالقيام بما هو منوط به من واجبات مهما عظمت، واستعدادهما لتقديم كل ما يلزم لكسب معارك المغرب المصيرية.

وهكذا، وبعد أن قدم عاهل البلاد ما طلبه شعبه منه، واستمع إلى نبضهم واستجاب إلى مطالبهم بتأمين البيئة القانونية التي تتيح لهم الارتقاء إلى مرحلة ديمقراطية أرقى، والتمكن من إدارة شؤونهم المحلية بصلاحيات أكبر، عبر ممثلين يضطلعون بإدارة الشأن التنفيذي ببرنامج خاص يحظى بقبول غالبية المواطنين، ينتظر من أبناء الشعب أن ينخرطوا في ترجمة مضامين هذا الدستور إلى مؤسسات تنفيذية وتشريعية قوية منتخبة، كفيلة بقيادة سفينة النماء والتقدم بالمغرب خلال السنوات الخمس أو الست المقبلة، على الرغم من أن هذه المهمة ليست منوطة بالمواطنين وحدهم، لأنها تخص كذلك النخب السياسية والحزبية تحديدا، التي يفوضها الناس إدارة شؤونهم المحلية عادة، وهي نخب تتفاوت بطبيعة الحال في قدرتها على التجاوب مع التغيير الحقيقي المطلوب، في هيكلتها وإدارتها الداخلية، وفي علاقتها بالمواطنين وتأطيرها لهم، وكذا إرادتها وقدرتها على تغليب احتياجات المواطنين الحقيقية على مصالح الفئات المتنفذة فيها والمرتبطة بها.

ولأن التغيير في حياة الأمم لا يقاس بالأيام ولا بالشهور، وأن عمليات التحول الديمقراطي الحقيقي تحتاج لفترات زمنية أطول، مع ما تتطلبه من تغيير لآليات ممارسة السلطة من قبل عموم المواطنين، وتزايد وعيهم بأهمية دورهم وكذا بقدرتهم على ممارسة هذا الدور، إضافة طبعا لما تتطلبه كذلك من تغيرات عميقة في هيكلة النخب السياسية التي تتصدى لإدارة الشأن العام، وقدرتها على التعبير عن المصالح الحقيقية للمواطنين، فإن المؤمل من المحطة الانتخابية المقبلة أن تشكل إضافة نوعية لمسيرة المغرب الديمقراطية، تتناسب وحجم التغيير الذي تحتاجه البلاد، وتم تجسيده في دستور 2011.

وأمام تشكيك البعض بإرادة وقدرة النخب السياسية على التخلي عن أساليبها المعتادة في كسب الانتخابات وتقاسم إدارة الشأن المحلي، وعدم وجود فسحة زمنية ما بين اعتماد الدستور والانتخابات الحالية تجعلنا نتفاءل بقدرتها على التغير بطريقة تستجيب لمضامين دستور 2011 المتقدمة، يمكن القول أنه وعلى الرغم من الصحة النسبية لكل ما سبق، والاعتراف بأن العلاقة بين المواطنين ونخبهم السياسية، لا تحظى بنفس رصيد الثقة الذي تتمتع به علاقتهم (أي المواطنين) بعرشهم والجالس عليه، إلا أنه بالمقابل، فهذه الثقة الراسخة بين العرش والشعب، هي الكفيلة بتعضيد كل طرف في مواجهة تحديات المستقبل، وفي إجبار النخب الحزبية والنقابية والمحلية على ترشيد ممارستها السياسية ، بطريقة تقود في النهاية إلى تأمين مسير المغرب نحو مستقبل أكثر استقلالا ورسوخا ونماءا وازدهارا، بالاستفادة طبعا من ترسانة القوانين التي جاء بها الدستور الجديد، والتي من جهة تحمي المواطنين وتقنن حقوقهم وتوسع حرياتهم في التعبير والمراقبة والاجتماع، ومن جهة أخرى تثبت مبدأ اقتران المسؤولية بالمحاسبة، وتنزع الحصانة عن كل فعل مخالف للقانون يمكن أن يقترفه مسؤول حكومي او برلماني، هذا بالإضافة إلى المضامين المتقدمة التي لم تأخذ حقها من النقاش والاهتمام والمتمثلة بالجهوية المتقدمة، والتي ستعتبر بحق مدرسة تعلم المواطنين وتدرب كوادرهم على إدارة شؤونهم المحلية بطريقة أكثر استقلالا عن المركز وسلطته التنفيذية، بشكل يجعلها (أي الجهوية المتقدمة) ورشا لتخريج الكوادر والنخب المؤهلة والمدربة والخبيرة بالشؤون المحلية للمواطنين، من أجل تسلم المسؤولية في الأحزاب والهيئات التي تضطلع لاحقا بإدارة الشؤون التنفيذية للمملكة.

وختاما، وفي غمرة احتفال المغاربة بعيد استقلالهم، يطيب لنا ان نهنئهم فردا فردا، ونشاركهم أجواء التفاؤل بالمستقبل، دون أن يقلل ذلك من تقدير صعوبة المراحل المقبلة من تاريخ المغرب، والتي تتطلب درجة عالية من المسؤولية من مختلف نخبه السياسية والحزبية، ووعيا عاليا من المواطنين بأهمية دورهم، وإلحاحا على انتزاع حقهم في ممارسة هذا الدور، متمتعين بالثقة الراسخة بينهم وبين من قلدوه أمورهم، وبايعوه على قيادتهم نحو المستقبل، وبالإحساس الوطني والاعتزاز بأن تكون مغربيا، والذي يبقى حيا وحاضرا عند الغالبية الساحقة للمغاربة مسؤولين ومواطنين، وفي مختلف المؤسسات والمواقع، الأمر الذي يبرر الاطمئنان على هذا الجزء العزيز من وطننا العربي، ويؤهله للبقاء مصدرا للإشعاع لمحيطه الإقليمي والقومي، ووطنا للمبادرات الأصيلة والخلاقة في تنظيم العلاقات بين العرش والمواطنين، بين المواطنين والنخب، وبين النخب والقوانين، والتي تضمن الإبحار الهاديء والراسخ للأوطان في خضم التغيرات العنيفة التي تجتاح العالم بأسره.

بواسطة ديوتن أصدقاء المغرب

 

مستجدات