كوبيرنيك و غاليلي

ajialpress15 أكتوبر 2011
كوبيرنيك و غاليلي

ثورة العلم

 

كان كبار علماء أروبا يجتمعون في المدارس(العلمية) لمناقشة مختلف المواضيع الفكرية . تروي  القصة التالية ما جاء في إحدى هذه الجلسات العلمية : ابتدأ النقاش بشأن معرفة عدد الملائكة الذين  يمكنهم الوقوف على رأس الإبرة ، و ما إذا كانت الملائكة   كائنات جسدية أو روحية ، لينتقل الجدال بعد محاضرات طويلة  للخوض في موضوع عدد الأسنان في فم الحصان إذ هب الدكتور "طوني" واقفا  مستندا إلى مفكرين من فطاحلة الكنيسة  بينما عارضه  بشدة الدكتور"براون"  معتمدا على أرسطو و فلاسفة اليونان  ، و بينما النقاش على أشده  وقف شاب  من أصول إسبانية  في طرف خلفي للقاعة  و قال "يوجد  حصان في الخارج ، لمذا لا نفكر لا  في عد أسنانه ؟  "  و تمضي القصة لتقول أن العلماء  تجمهروا حوله و أوسعوه  ضربا  و أخرجوه من حضيرة العلم  بعد اتهامه بالزندقة ، بسبب فكرته الملحدة.

و إذا كانت صحة قصة هذا الشاب الذي ربما سمع عن فلسفة ابن رشد، مشكوك فيها، فإن  التاريخ العلمي يروي   القصة الحقيقية   لقتل  جيوردانو  برونو  الذي أحرق   بأمر من محاكم التفتيش  سنة 1600 بسبب أفكاره ،وكان  أول من أدرك المغزى الكامل لعلم الفلك الجديد  و تحطمت في نظره التفرقة التقليدية بين السماوات و الأرض ، و لم يعد ينظر إلى الأجرام السماوية  نظرة الأشياء الإلاهية  التي لا تقبل التغيير  المصنوعة من مادة روحانية أكثر منها مادية .

إن في هاتين القصتين و غيرهما  ما يمكن أن نستحضر من خلاله بعض صور  المجتمع الأوروبي  التي تظهر العلماء  و هم يعتمدون على الحكم و الأفكار المنقولة بالوراثة  المتضمنة في النصوص الدينية و الفلسفية و تحظى بالإجلال و التوقير باعتبارها  آلية للحفاظ على  توازن  المجتمع و مصدر التشريع  و توزيع السلط  و أي تشكيك فيها  يتضمن تهديدا لبنية  توزيع الثروات ، في هذا السياق  نفهم لماذا ضرب الشاب الإسباني و أحرق برونو   و لماذا اعتبرت  أعمال غاليلي و كوبرنيك  ثورة علمية   و فكرية.

 تكمن الثورة الكوبيرنيكية  في العلوم  في اكتشاف أن الأرض  كوكب يدور حول الشمس  إسوة بالكواكب الأخرى  بدلا من  الأفكار القائلة بأن الأرض هي مركز الكون  وأنها محاطة بتسع هالات  دائرية من البلور  تحمل كل منها الشمس و القمر و الكواكب  و النجوم  و كانت هذه الثورة  إلى جانب عومل أخرى هي العامل الرئيسي في تغيير  النظرة التي سادت  طوال العصور الوسطى  تغييرا كاملا، لذلك ينظر إلى سنة 1543 على أنها  السنة التي نشأ فيها العلم الحديث و فيها نشر كتاب هام  قلب النظرة  عن الطبيعة و الكون  و هو من تأليف  نيكولا  كوبيرنيك لأنه جاء كما سبقت الإشارة  بنظام  فلكي جديد يتناقض و ما كان شائعا من آراء فزيائية و فلكية لذا اعتبرت سنة ظهور هذا الكتاب  بداية العلم الحديث و تحول علم الفلك الرياضي  و انعكاسه على المستويين الفلسفي و الديني  .    و لا بد من التذكير بأن الثورة الكوبيرنيكية كان عليها أن تتخد في جانبها العلمي مظهرين  مرتبطين ، ثورة في علم الفلك  ، و فد أنجزها كوبرنيك نفسه فعليا وأخرى في الفزيلء لم ينجزها  أو بقيت بمثابة  ماهو مسكوت عنه في تصوره العلمي الجديد .ذلك أن تخلي كوبرنيك عن مفهوم الأرض الثابتة  وسط السكون يلزمها التخلي  عن الفزياء الأرسطية و آرائها   خصوصا في الحركة . و هذا الترابط بين الفزياء و الفلك  و عالم الأرواح هو مفتاح المشاكل التي   تخبط  فيها  العلم القديم  و الذي دفع الأوساط الدينية  و العلمية  و الفلسفية  آنذاك إلى أن تقف  موقف العداء و الرفض لأعمال كاليليو 1564-1642  و غيره من فزيائيي و فلكيي القرنين 16 و 17 لأنهم حاولو التصريح بما تعمد كوبيرنيك أن يبقيه مسكوتا عنه، لأن ما طبع مواقف كوبيرنيك هو أنها كبتت مضاعفات الثورة الفلكية على المستوى الفزيائي.  

 وكمثال على الترابط العضوي بين الفزياء و الفلك  نشير إلى أن رأي أرسطو في الحركة ، يقوم على الاعتقاد بأنه في غياب دفعات آتية من السماء تبقى العنلصر الأرضية ساكنة في أماكنها الطبيعية ما لم تخرجها حركة عنيفة ما عن سكونها ، الأرض  نفسها ثابتة في مركز الكون ، ومن المستحيل تصورها متحركة ، لأن كل الأجسام في عالم ما تحت قمر تتجه نحو مركز الكون الذي هو مكانها الطبيعي .

و إذا كا نت سنة 1543 تعتبر بداية علم الفلك الجديد فإن سنة 1600 يمكن اعتبارها سنة النشأة الفعلية للفزياء اللاأرسطية ذلك أنه  تم فيها -و لأول مرة – استعمال التلسكوب في المراقبة الفلكية من طرف غاليليو ، و هذا وحده كاف لأن يشكل منعطفا في تاريخ العلم كما عرفت تلك السنة حدثا علميا آخر عجل بالإسراع بالثورة الفزيائية ألا و هو نشر بومان كبلر لكتاب تحت عنوان (علم الفلك الجديد ) وضعت فيه قوانين جديدة للحركة متجاوزا بذلك نقائص العلم الكوبرنيكي

و تمكن غاليليو من إثبات نجم جديد في الأجواء السماوية مسددا بذلك ضربة لأرسطو .إذ أكد بكيفية قاطعة أن السماء عرضة للتغير و التبدل خلافا لما قال به أرسطو الذي اعتبرها أزلية و غير قابلة للفساد .

كما اهتم غاليليو بإقامة قوانين جديدة لسقوط الأجسام و قدم إسهامات علمية ذات أهمية تتمثل في تحويل الظواهر الملاحظة إلى بنية رياضية أو علاقة جبرية و اعتبار الحقائق الأساسية في الطبيعة توجد في الأشكال الهندسية و الرموز الجبرية .

شكلت إذن أعمال كل من كوبيرنيك و غاليليو ثورة علمية كان لها الفضل في تعبيد الطريق أمام تطور العقل العلمي الذي انطلق مع كيبلر ونيوتن و ديكارت و لم ينته مع انشتاين و ماكس بلانك و غريغور ماندل .                                                                                                                                                  

مستجدات