ما لأبي الذلقاء لا يأتينا
وهو في البيت الذي يلينا
يغضب إن لم نلد البنينا
و إنما نعطي الذي أعطينا
تلك أبيات من الشعر القديم لامرأة شاعرة تخاطب زوجها الذي هجرها و تحول عنها إلى بيت آخر لأنها أنجبت له ثلاث بنات و كان ينتظر ذكرا يحمل اسمه و الملفت في هذه الأبيات أن لسان حال قائلتها يشير بشكل واضح و مبسط إلى حقيقة علمية ناصعة قبل أن يولد مؤسس علم الوراثة الحديث غريغور ماندل ، بأنها كامرأة ليست السبب في إنجاب البنات و خاطبت زوجها "المأناث" الذي هجرها لاعتقاده الخاطىء بمسؤوليتها عن الإنجاب المستمر للإناث لتقول له بكل ثقة و إصرار، و كأنها خريجة أحدث المعاهد العلمية؛ و إنما نعطي الذي أعطينا .هذه الحقيقة العلمية التي وردت على لسان هذه المرأة العربية المهجورة ظلما.لم يتم تأكيدها، إلا منذ سنوات قليلة،حيث تبين للعلماء أن خلايا النطاف الذكري هي التي تحدد جنس المولود لاحتواء بعضها على الصبغي الجنسي الذكري و بعضها الآخر، على الصبغي المسؤول عن الأنوثة و الحقيقة أن هده المرأة قالت حقيقة علمية مفادها أن تحديد جنس المولود يعتمد فقط على ما يعطيه الرجل إذ لا علاقة للمرأة ،في ذلك و لكي نساعد أمثال أبي الذلقاء ( و ما أكثرهم في مجتمعنا.) على الفهم المبسط لبغض الحقائق العلمية لما لها من أهمية في حياتنا العملية، و حتى لاتظلم المرأة التازية أو المغربية في عصرنا هذا لأمر لا يعنيها .ننصح قراءنا بالإطلاع على بعض الأسرار التي تحملها خلايانا التي تسيطر على شتى جوانب حياتنا، خلال إلقاء الضوء على علم الوراثة :
إن المتتبع لعلم الوراثة يتذكر دائما ثلاث مواقف يمكنها أن تعطينا صورة واقعية للتطورات التي طرأت على هذا العلم الإنساني .ففي عام 1902 حدثت جريمة مروعة في باريس. و للكشف عن هوية الجاني استخدمت و لأول مرة في التاريخ بصمة الإبهام اليسرى لتحديد المجرم ، الذي ترك بصماته في مسرح الجريمة لأنه لم يتوقع بأنه خلق و هو يحمل شيئا يميزه عن غيره و هو تلك البصمة التي في إبهامه ، وقد تعلم المجرمون بعد ذلك أن يغطوا أيديهم قبل الولوج في جرائمهم . و في عام 1985 حدثت جريمة أخرى و هذه المرة في أنجلترا حيث قتلت فتاتان قرب قرية "لسستر شاير" و لم يعثر رجال الشرطة على أي أثر لبصمات في ساحة الجريمة فقد كان المجرم على ما يبدو عارفا بقصة البصمة، و لكن رغم ذلك ثم اكتشافه بطريقة علمية جديدة، فقد ترك المجرم بعضا من شعيراته و هي تحتوي على مادة ADN و هي البصمة الوراثية التي تميز الفرد عن جميع بني البشر، و في عام1990 حصلت حادثة من نوع ثالث و هذه المرة في أمريكا و لكنها لم تتعلق بعالم الجرائم و إنما بعالم الطب، فقد حصلت أول عملية جراحة لجينوم بشري، و فيها تم إصلاح غلط حرفي مورثة صغيرة كانت قد حصلت عليها الطفلة أشانت من أبويها و بذلك استطاعت العيش مع الأحرف الصحيحة للمورثة التي دخلت في جينومها من جديد.
ولتطوير هذا العلم أنشأت باروبا و بعدها أمريكا أفضل مراكز البحث و كرمت العلماء و الباحثين الذين قدموا للبشرية أفكارا جديدة عن قصة الخلق. و لم يعرف هذا التكريم و التشجيع حواجز العرق أو الدين فكان العالم أحمد زويل المصري الأصل و كانت ماري كوري البولندية الأصل، و هكذا فإن الشيء الوحيذ الذي لا يمكن أن ينتمي إلى أمة واحدة أو عرق واحد هو العلم بأنواعه كافة
قراءة الجينوم
بعد الانتهاء من أكثر من97 في المائة من الحروف التي يتألف منها الجينوم البشري في شهر يونيو 2000 أطلق العلماء أسماء كثيرة تصف الجينوم فقد سماها بعضهم " الكتاب المجهول" أو" الكتاب العظيم " و قد يكون "كتاب الأعمال "الذي تحدث عنه القرآن الكريم."هذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها".
و كل هذه الأسماء تعبر عن نوع من الغموض و الحيرة في أدهان هؤلاء العلماء وهم في حاجة إلى مزيد من البحث و الدراسة . و يجب التذكير أن اكتشاف ADN كأساس للمادة الوراثية عان 1953 بواسطة (جيمس واطسن وفرانسيس كريك) الذي اتفق الجميع على عده من أهم اكتشافات القرن العشرين ، استغرق وقتا من الزمن ، فمعالجة الأمراض الوراثية بواسطة الجينات لم تبدأ إلا منذ فترة قريبة ، و هكذا من المتوقع أن تجد نتائج القراءة الأبجدية التي كتب بها الجينوم بعض تطبيقاتها في 50 سنة القادمة
و تشير المعطيات أن قصة الإنسان الجينومية كتبت بأربع لأحرف و هي عبارة عن أربع عناصر كميائية .كما تجدر الإشارة إلى أن ما يعادل 1.2 مليون صفحة (3.2 بليون حرف) يمكن كتابتها ضمن حيز ضيق لا تتجاوز أبعاده بضعة ميكرونات ( 1 سنتمتر يساوي 10 آلاف ميكرون) و هذه الموسوعة المؤلفة من 4 آلاف كتاب يمكن تقسيمها إلى 46 جزءا و كل جزء يمثل ما يسمى بالصبغي أو كروموزوم و هكذا فإن الحروف التي تؤلف الصبغي تحتاج إلى 60 ألف صفحة ، ويعتقد العلماء أن المليارات الثلاث من الحروف التي يتكون منها الجينوم يمكن كتايتها على خط طوله متران ، وهو الطول الفعلي لمجموع الصبغيات الموجودة داخل النواة . و هنا يبرز سؤال آخر كيف يمكن كتابة حوالي 3.2 بليون حرف على مسافة مترين؟ و كيف استطاع العلماء قراءة هذا الكم الهائل من الحروف و هي مضغوطة بشكل كبير حتى أمكن وضعها ضمن هذه المسافة الضيقة؟..







