..فرَّ الكلب وحلت الضباع تنهش من جسد الهواء
كل شيء جائز الآن
يسيل الدم غزيرا من الجسد الذي انتفض وقد تحررت أنفاسه تتمرَّد على أعضائه المحبوسة في قفص الغبن ..ينزف حتى الموت وبدل أن يرقص ذلك الجسد حرية فيصير لون الهواء أحمر وإيقاع النشيد أحمر وطعم التفاحة أحمر…. يتحول كأس الدم عند بعضهم كأس نبيذ لاستكمال سهرة على نخب 'الثورة'.
كل شيء جائز
بين ليلة وضحاها يصير الهواء الفاسد بدوره ثوريا ويطلع علينا باعة روبافيكيا الكلام بموديلادت حديثة من الصيغ المطرزة باستعارات وبلاغات وفق مصطلحات ثورية مشدودة إلى ربطات عنق تجهِّز القصيدة لاعتلاء مقصلة الإعدام الجمالي..؛ تتعملق ظلال المرابين القدامى تحت الأضواء الكاشفة تُبرز مؤخراتهم اللغوية وقد نال السوس من قماشهم الأبجدي المتآكل؛ وهم يعدون من قدِّيد الكلام وليمة لأعراس معدة سلفا بطبال وزكرة ومشتقات عبارات الشكر والتصفيق الجار بحذف المجرور واستبعاد من لا يُجيد الضرب على الدفوف وإقصاء من تيقَّن ان الهامش هو الأصل مهما بلغت الثورة قممها واقتلعت جذور العفن من الأعماق ..
لا محالة ؛فكرة الإقصاء أصيلة في طبائع الفرد على اعتبار ان البطولة شأن شخصي لا بد ان تدفع فواتيره المجموعة العامة، أما الاحتفال بـ'الثورة' فهو لا يخصُّ إلا من اعتاد أن يخرج للعموم ببزة رسمية وقصيدة رسمية وموسيقى منضبطة لقواعد السلم الموسيقي ومتعهد حفلات معترف به حكوميا لإقامة الحفلات الثورية ..
هل هي ثقافة ما 'بعد الثورة'؛ أم 'ثقافة ما بعد 14 جانفي' أم 'سياسة وزارة الثقافة والمحافظة على التراث النوفمبري والبورقيبي' أم هي ثقافة 'التيك أواي'، واللهاث وراء الموضة الثورية وما تستدعيه من عمليت السطو بما في ذلك السطو على حمار سانشو بانشو .
يؤكد إدوارد سعيد ان المثقف يتحول إلى خائن حين يتخلى عن دوره كناقد لذاته وللمرحلة التي يعايشها ويهرع إلى تمجيد المرحلة دونما تفحص أو مقاربة نقدية خالية من الذاتوية والانطباعية؛ يسقط في فخ اللحظة وما قد تتسم به من مظاهر التجاوز التي بدورها قد تنعكس على شخصية هذا المثقف ويعتقد انه وصل الى مرحلة الألوهة.. ليس الأمر معقدا إلى هذه الدرجة؛ ثمّت من يجلس على كرسي في السماء الثامنة ويرى انه كان الهة منسية وجاء دوره يتخلى عن صورته التقدمية أو بُشرِّع لها باعتبارها الصورة الأمثل لينفذ شريعته ويبعث رسله فالسفينة قد 'استوت على الجودي' ..
آلهة قديمة أنجبت وفقا لترتيب جيني مشوه آلهات لم تجد ما تفعله سوى التعويض عن دور الضحية باستمناء مستمر لكرامات أولياء خرجوا حفاة عراة بعد انتهاء صلوحية موتهم السريري ..
هو تبادل للأدوار إذا وجني محاصيل الفوائض السنوية من سنوات إيداع الكلام في مصارف المكر السياسي وكل حسب قيمة تداول اسمه في بورصة المعارضة.. ليتكرر المشهد مجددا لكن من جهة كانت غائبة عن الأضواء وإذا المحنة اكبر من هروب ديكتاتور ولكنها نرجسية سيكوباثية وسكيزوفرانية ثقافية، هو إذا تغيير المواقع ومن كان هناك أصبح هنا وحتى من كان هنا أصبح هنا يكفي ان يغير من اللوك الذي دأب الظهور به ليتحول وبعصا سحرية من حاكم إلى اكبر ثوري…ومن ثوري إلى منظر في الشفافية الانتهازية..
فرَّ الكلب وحلت الضباع تنهش من جسد الهواء
كل شيء جاهز للتبدل والانقلاب على كل شيء طالما أن الكراسي الفارغة تنتظر من يجلس عليها وهو زمن الغنائم التي تركها الفارون لتعود إلى خزائن الشعب المقهور والشعب المقهور هو تحديدا الذي يمارس وصايته الثورية وهو وقت للصعود إلى الأعلى وزمن قبض المنح على سنوات الحبس وسنوات النفي ..زمن للنهب ..النهب السياسي والعاطفي وزمن النهب الإيديولوجي والنهب الثقافي بما سيعمل على تنفيذه من سياسات الوصاية على كل ما هو إبداع والسطو على الحلم وامتلاك الأحقية في كل شيء بما في ذلك كتابة رواية عن شهيد أو إعداد مسرحية عن حرية لا تلبس الحجاب أو ترتيب لقاء بين عاشقين في قصيدة، وهو بشكل آخر استكمال مشروع التصحر الثقافي وتجفيف منابع المعرفة وتأكيد مبدأ بطولة الشاعر الأوحد وزعامة الممثل الأقدر ونجومية الفنان ألأوسع انتشارا، بما يعني أن الغايات الكبرى من الثقافة هى في جانب منه الترفيه، وفي جانب آخر توفير المنح للظواهر الاجتماعية التي تجيد لعب دور الضحية في كل وقت، ولعلها من البنود التي ستكون بارزة في الدستور الجديد في الفصول المتعلقة بالثقافة هذا إذا كان في الدستور فصل يتعلق بالشأن الثقافي طالما انه لا أحد يعنيه المجال الثقافي لا الأحزاب الجديدة ولا المثقفون في شتى قطاعاتهم ولا الحكومة المؤقتة التي أبقت على نفس السياسة القديمة لوزارة الثقافة التي لم يتغير فيها شيء، بل وصارت نهبا لمن هب ودب وقال اني ثوري يغني الالتزام ويكتب شعر الالتزام ويرقص الالتزام أيضا؟
قال ابو القاسم الشابي حين تركه أصدقاؤه المثقفون وحده فصرخ:
'يئست من المشاريع التونسية'
ما يحدث الآن مجرد تبادل أدوار بشكل رسمي تبادل مواقع بين من كان قريبا من هنا وبين من كان هناك ليأخذ كل واحد حظه وينال من غنائم بن خيبر وبني قينقاع حتى ولو لم يؤمن ولكل واحد الحق في خراج ثروة الثورة لكأن الفن الثوري برز بعد 14 كانون الثاني/يناير فقط وكأن كل الشعر الذي قيل قبل هذا التاريخ لم يكن معنيا بشكل من الإشكال بكفاح الشعوب ومسيرة النضالات مهما كانت؟
فجأة هكذا وبجرة قلم يصبح من كان مداحا ثوريا، ويتحول من غنى للحاكم المخلوع تقدميا، ويصبح من كان مقاولا لنشر الأعمال الممجدة للنظام الديكتاتوري ناشرا مناضلا؛ يطبع كتبا أقل ما يقال عنها كلام مؤقت يؤبّد حكومة مؤقتة هي بدورها تؤبد نظاما لا يريد له أهل السياسة ان ينحلَّ ..هكذا سوف يكون المثقفون في الفيلق الأول للثورة المضادة .. وهو أمر جائز طالما انه وأثناء سقوط الضحايا برصاص الطاغية كان هؤلاء يراقبون سير الأمور من شرفاتهم او من خلال استعاراتهم التي لم تكن ثورية ولن تخرج عن الصك العائلي، والحال ان الثقافة هي الهامش الخارج عن القطيع دائما.






