عرف مفهوم الثورة رواجا في السوق الرمزية، في المجال السياسي والإعلامي والاقتصادي، و بتنا نسمع عبارات من قبيل"الثوار اللبيون حققواتقدما ميدانيا على جيش القدافي" و قيادة الثورة اليمنية" و" الثورة السورية تريد الإطاحة بنظام الأسد"بالإضافة "ثورة الياسمين "و "أسرع ثورة في العالم" و غيرها، لكن ما يجمع هذه الرموز أنها في مجملها من إنتاج المطبخ الإعلامي لبعض المنابر الغربية الناطقة بالعربية و قناة الجزيرة القطرية التي تحول موظفوها إلى ضباط إيقاع في غرفة عمليات، لعزف سانفونية ربيع الدمقراطية العربية 24/24 حتى ترسيخ كل مقاطع السانفونية الجديدة، و البدإ في ترديدها من قبل جل المستمعين لأن اللحن يغري بذلك، ويسلب القدرة على التحليل و التركيب و الدراسة. لكن تسجيل بعض المفارقات و التناقضلت يستوجب لحظات من التأمل لإعادة ربط الكلمات بالأشياء. و إن كان الموضوع يستدعي من ذوي الاختصاص تخصيص دراسات علمية أكاديمية بما يليق بمقام الموضوع، إلا أننا في هذا المقال،سنكتفي بالسؤال الصحفي، انطلاقا من التناول الدياكروني لرحلة المفهوم في العصر الحديث.
يحيل الحديث عن الثورة إلى تواريخ محددة علمت مسار حركة الشعوب و شكلت نقاط انعطاف في تحولها فسنة 1689تاريخ الثورة الإنجليزة المجيدة، و إعلان الحقوق و القضاء على الملك الإلاهي.و 1789 مرتبط بالثورة الفرنسية و1916 بالثورة العربية الكبرى، ..وصولا لثورات رومانيا و أوكرانيا التي عجز قائدها يوشينكو عن محاربة الفساد، و غيرها.
لكن يبدو أن الثورة الفرنسية ، تبقى من أهم الثورات في العصر الحديث لأنها أعقبت حركة فكرية امتدت على عشرات، بل مئات السنين،أنتتجت من خلالها روحا ثقافية و فكرية و سياسية جديدة، و انتقدت النظام القديم، ومن أهم زعمائها مونتيسكيو الذي طالب بفصل السلط وفولتير الذي انتقد التفاوت الطبقي، و جان جاك روسو الذي ركز على المساوات، و غيرهم من أعلام الفكر الذين مهدوا للثورة التي دامت عشر سناوات من 1789إلى 1799 وقامت على شعارالعدل و المساوات، واستطاعت إبدال النظام الملكي بالجمهوري،وإنزال مبدأ فصل السلط،على أرض الواقع، وفصل المسيحية الإقطاعية عن الدولة و فرض حرية التعبير .
لكن و بالمقابل كان هدف الثورة العربية الكبرى سنة 1916 التي اشتغلت كحركة مسلحة دعت إليها الجمعيات العربية في المشرق العربي بزعامة حسين الشريف بن علي أمير مكة بدعم بريطاني، هو إطاحة الحكم العثماني و خلق دولة عربية مستقلة، تضم الجزيرة العربية و المشرق العربي.
لكن و على عكس الظاهر المصرح به من هذف هذه الثورة العربية، كانت الدوائر الاستعمارية الاوروبية في نفس السنة(1916) ترسم الخطط السرية فيما بينهالاقتسام الدولة العثمانية، و تم بالنتيجة توقيع معاهدة سايس بيكو الشهيرة، نسبة للمحادثات الي دارت بين مارك سايس البريطاني و جورج بيكو الفرنسي و التي بموجبها قسم المشرق العربي إلى مناطق نفوذ تابعة للدولتتين.
و بالعودة إلى ما يسمى بالثورات العربية الراهنة، ومن خلال الربط المنطقي للماضي بالحاضر، و استنادا للمفهوم الأمريكي للثورة الخلاقة، تبرز الحاجة ملحة للتساؤل حول الأهداف الحققيقية للدعم الأوروبي الإعلامي و السياسي، بل و العسكري لما يسمى بثوار ليبيا،بعد أن كانت في الأمس القريب(أوروبا) هي الداعم الأول و الأقوى لكل رموز الفساد وطغيانهم، والراعي الأساسي لإعادة إنتاج التخلف. يحق لنا كذلك أن نتساءل عن جدوى ثورة بدون نخبة مفكرة و ذات بنية بعناصر متناقضة تحمل في طياتها أسباب تفجيرها، علما أن الثورة الفرنسية مهدت لنفسها كما سبقت الإشارة بالعلم و الفكر و الفلسفة و التنظير السياسي، في وقت كان الفاعل السياسي القوي في المعادلة هو إرادة الشعب ،عكس تعدد القوى السياسية المتدخلة في الداخل و الخارج في الحراك العربي تبعا للمصالح الخاصة لكل طرف، ومنه نستحضر دعم الخطاب الأمريكي لتوجه الشعب العراقي نحو جنة الازدهار والدمقراطية قبيل إسقاط نظام الرئيس السابق صدام حسين .
إن المتابع لمسار تطور الأحداث في ليبياو سوريا و اليمن، و الدور الغربي في المنطقة لايمكنه إلا أن يكتشف أن مفهوم الثورة كإطار جميل و مغامرة مغرية، لا يمكن أن يخفي بشاعة الصور القاتمة لشعوب تفتقد إلى نخب فكرية و سياسية مؤهلة لقيادة المعارك الدموقراطية، وفي ظل واقع الأمية السياسية و الثقافيةو الاقتصادية، وبوجود مجتمع ضبابي، لا يمكن التكهن بمآل التيه العربي الجديد.
فإذا كان المشرق العربي قد قسم كما سبقت الإشارة على مقاس فرنسا و بريطانيا من خلال سايس بيكو تمهيدا لخلق دولة إسرائيل فما يمنع الآن من لف لفهما التخطيط لتقسيم جديد للمنطقة العربية إلى دويلات طائفية و مذهبية و إثنية و دينية خدمة و امتدادا لنفس المشروع.
و يبقى المدخل الطبيعي و الصحي لأي ثورة عربية ناجحة، هومراكمة ثروة من المعرفة و الثقافة الدمقراطية و العلم و القوة .





