الديسليكسيا أو عسر القراءة :التعريف، التكييف، التكفل


fbthdr

يوسف العزوزي:أستاذ مشرف على قاعة الموارد للتأهيل و الدعم و رئيس جمعية دعم التربية الدامجة و إعلام الحياة المدرسية بتازة.
القراءة مدخل أساسي للتمدرس ووعاء للثقافة و مدخل للتثقيف و العلم و داعم للرقي الاجتماعي و أسلوب للتواصل البينشخصي و المهني، لذا فإن وضعية الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة تحتاج إلى قدرة المحيط المدرسي و الاجتماعي و المهني لاستيعاب هذه الخصوصية. بدءا من التمييز بين صعوبات القراءة(بيئية خارجية قابلة للاستدراك ) و عسر القراءة (اضطرابات نمائية تتسم بالديمومة).

تشير الأبحاث العلمية الحديثة إلى ثلاثة أنواع من عسر القراءة، الاول : عسر القراءة الصوتي (phonologique) و الثاني : عسر القراءة البصري الانتباهي (visuo-attentionnelle) و الثالث هو  عسر القراءة المختلط (mixte)،   لكل واحد مميزاته النفس عصبية و آليات التدخل المناسبة له، مع الإشارة إلى وجود الاضطرابات المشتركة و الاعتلالات المرافقة (comorbidités).

العلامات المؤشرة على عسر القراءة:
تختلف الظروف التي تدفع إلى الشك في وجود عسر القراءة، و قد تعود إلى فترة ما قبل التمدرس و تتمثل في اضطرابات اللغة الشفوية أو تأخر الكلام، فحوالي 40%من الأشخاص الذي يعانون من عسر القراءة عانوا من تأخر الكلام.
كما يعاني من عسر القراءة الأطفال الذين ليس لذيهم سوابق في تأخر الكلام و لم يتم الكشف عنهم لتسامح الآباء أو أستاذة التعليم الأولي مع المشاكل التي كانت تواجههم في الوضعيات التربوية.
و يمكن أن يبقى عسر القراءة اضطرابا صامتا إلى أن يُواجَه بالتعلمات المدرسية و ما يستتبعها من فشل مدرسي غير مفهوم، يستدعي البحث عن أسبابه، حتى  يكشف التشخيص بأن الأمر يتعلق باضطراب عسر القراءة.

التقييم التشخيصي:
يجب أولا تقييم مستوى القراءة من خلال اختبار معياري حسب السن و المستوى الدراسي و التركيز على معايير (الدقة و السرعة و الفهم) لإثبات أن الأمر يتعلق بعسر القراءة مع التأكد من عدم معاناة الطفل من أي مشكل سيكولوجي أو تربوي و بأن القصور غير مرتبط باضطراب معرفي شامل أو اضطراب حسي (مشكل في الرؤية أو السمع).
تحديد مميزات عسر القراءة :
بعددالتأكد من الإصابة بعسر القراءة يجب تحديد نوعها : صوتية أو بصرية انتباهية أو مختلطة..

عسر القراءة الصوتي:dyslexie phonologique
و يتميز باختلال سيرورة المقاطع الصوتية و الاحتفاظ النسبي بالسيرورات البصرية الانتباهية.
و تعزى إحدى  فرضيات اختلال سيرورات المقاطع الصوتية إلى اضطراب المعالجة السمعية المرتبطة بقصور المعالجة الزمنية، فيما تبحث فرضية أخرى في متلازمة عسر القراءة و تفترض أن دور المعالجة الزمنية المرتبط بالقصور الصوتي و مشكل آلية تجميع المقاطع الصوتية ذي أسباب عصبية يصيب اللغة الشفوية و النطق و الفهم النحوي و الانتباه، رغم أن مجموعة من الأطفال الذين يعانون من اضطراب عسر القراءة ليس لذيهم أي مشكل في اللغة الشفوية.
الأعراض التشخيصية: symtomologie diagnostic

تتميز بقصور الوعي الصوتي و فشل المهارات الميطاصوتية ، و يحول ضعف دقة النطق حروف الكلمات عن مواضعها بإبدال حرف بآخر أو حدفه أو تغيير ترتيبه، و يمكن تسجيل نفس الظواهر في الإنتاج الكتابي أو الإملاء و يتسبب ذلك في تحويل المكتوب إلى نص غير مفهوم.
محور التدخل :Axe thérapeutique
حاليا لا يوجد أي بروطوكول تأهيلي مصادق عليه، و من أجل التدخل يقترح مقومو النطق حزمة من التمارين التكميلية تقوم على الأنشطة المحفزة على القراءة، و تتكون أساسا من تدريب القدرات الصوتية و الميطاصوتية و آلية تحويل الحرف إلى صوت من خلال القراءة المقطعية، ألعاب المقاطع الصوتية (إضافة، حذف..)
و عندما يتعلق الأمر باضطراب التمييز الصوتي يمكن الاعتماد على الحركات البصرية للتعلم (مثلا طريقة Borel Maisony) أو القراءة بالألوان مع دعم إغناء الرصيد المعجمي.
 عسر القراءة البصري الانتباهي dyslexie visuo-attentionnelle

رغم عدم إصابة بعض الأطفال باضطراب صوتي لكن قراءتهم غير واضحة و مُرهِقة، و يتعلق الأمر حسب أبحاث حديثة بأسباب عصبية بصرية و انتباهية ذات علاقة بالإنجاز القرائي يفسرها نموذجين (حركة العين oculomoteur و الانتباه Attentionnelle).
نموذج حركة العين :
ترتبط حركية العينين بالمميزات البصرية للنص ( الطول، الكلمات، الألوان..) و هي مؤشرات لفهم برمجة الوضع الجيد للكلمة من أجل تحديدها (أي قراءتها).
النموذج الانتباهي:
يعتبر هذا النموذج أن المعالجة اللغوية للكلمات المكتوبة هي التي تحدد حركات العين ( mouvement oculaire) ، و عند القراءة يحدد النسق الانتباهي المعرفي التدبير الزمني لحركة العين أثناء المعالجة اللغوية حيث يشكل ارتباط الآليات الانتباهية بالمادة الدماغية مكمن القصور عند الاشخاص الذين يعانون من اضطراب عسر القراءة.. ونظرا للدور الذي تلعبه الأنساق البصرية الانتباهية في نمو مهارةرالقراءة،  يمكن لخلل توجيه الانتباه أن يكون مسببا لغياب القدرة على تطبيق مبدأ التماثل ( يمين يسار).
محور التدخل : Axe thérapeutique

يجب التركيز أثناء التدخل التأهيلي على مسارين يهم الأول التدريب البصري أو البصري الانتباهي، و يهم الثاني التهيئة الوظيفية و تقديم الدعم للوضعية القرائية.
و تتم عملية الانتباه البصري من خلال تمارين تتطلب مهاما للتحفيز البصري باستعمال الرسوم و الأشكال و العلامات و الألوان.. في نفس الآن يجب دعم التنظيم الخطي للنظر و المتابعة الآلية الخطية باستعمال الألوان.. و يقترح هذه الأنشطة مقومو النطق أو مهنيون يمتلكون تقنيات تخص عسر القراءة.
عسر القراءة المختلط :Dyslexie mixte.
تتجلى اعراضه في كلا الاضطرابين (الصوتي و البصري الانتباهي) و يصيب القدرة على تجميع الحروف و المعجم.
مقترحات للتدخل:proposition thérapeutique.

يجب الاشتغال علي تنمية المسار الأقل اعتلالا إذا لم يشمل اضطراب عسر القراءة المسارين معا و في هذه الحالة الأخيرة يجب تقديم اقتراحات وظيفية تعويضية ( برامج رقمية بديلة ” logiciels” على الحاسوب تخص القراءة أو التصحيح الإملائي و هذا ما تعتمده بعض المدارس لتمكين التلاميذ من التعلم وفق قدراتهم لضمان ثقة التلميذ بنفسه و تجنيبه التدحرج في وضعية الفشل الدراسي في أفق الإدماج المهني الذي يراعي خصوصيته.
عسر القراءة المُرافق: Dyslexie accompagneé
يعاني حوالي نصف أطفال عسر القراءة من اضطرابات معرفية، ما يدفع للتساؤل عن العلاقة بين مختلف الاضطرابات، و الارتكان إلى التحليل الآتي:
عسر القراءة كعرض لاظطراب آخر: Dyslexie symptôme.
يتعلق الامر بإنجاز يعبر عن قصور في اللغة المكتوبة و يستجيب لتعريف اضطراب عسر القراءة لكنه نتيجة لقصور في نظام معرفي آخر، أي انه عسر قراءة ثانوي عرض (symptôme) لاظطراب معرفي آخر.
عسر القراءة ثانوي لاضطراب اللغة الشفوية:

يمكن لبعض أنواع عسر الكلام (اضطراب اللغة الشفوية) أن تكون عائقا أمام تعلم القراءة بسبب خلل في المسار الصوتي و/أو قصور في ذاكرة العمل السمعية اللفظية. و جرت العادة بإجراء تشخيص عسر الكلام قبل بداية تعلم الكتابة، و في بعض الأحيان يمر اضطراب الولوج ( الصوتي أو الدلالي) للمعجم دون إثارة أي انتباه . لذا يجب أن يستهدف التأهيل Rééducation اللغة الشفوية و المكتوبة في آن واحد لأن من شأن إحراز أي  تقدم في أحدهما الانعكاس  إيجابا على الآخر.
عسر القراءة في إطار عسر الحركة البصري المكاني:
تعاني فئة كبيرة من أطفال عسر الحركة من اضطرابات في تنظيم و دقة الحركة البصرية و لا يمكنهم القيام بقراءة انسيابية، ما يعطي الانطباع بأن الأمر يتعلق بعسر قراءة (Dyslexie de surface.)
فعدم القدرة على ضبط إيقاع الانتقال المتدرج و الدقيق عبر مسار الكلمة المكاني لبناء تمثل إملائي يعطل تكوين المعجم الإملائي و يدفع بالتلميذ إلى الارتكان إلى المرجع الصوتي فينتج أخطاءا إملائية ، في هذا السياق تبرز الحاجة إلى الانتباه إلى عسر القراءة بالنسبة للمشروع العلاجي المرتبط بعسر الحركة اعتمادا على نفس مبادئ التدخل في عسر القراءة البصري الانتباهي.

عسر القراءة الثانوي لمتلازمة عسر التنفيذ:
تتسبب متلازمة عسر التنفيذ في مشاكل دراسية مختلفة و تؤثر سلبا على تعلم القراءة بسبب اضطراب الانتباه و قصور في الذاكرة العاملة (بصرية معرفية) و في هذه الحالة لا يكون عسر القراءة معزولا بل مصحوبا بكوكبة من أعراض اضطراب عسر القراءة المتعلقة بالأبعاد السلوكية أو المعرفية و يشمل اضطراب عسر الحساب و قصور في المعارف الأكاديمية المدرسية، و يجب إيلاء الأولوية إلى اضطراب الانتباه و ذاكرة العمل و يحتل تطوير القراءة هدفا لاحقا.

 

الاعتلالات المرافقة comorbidités

عسر القراءة و اضطراب الحركة أو/و اضطراب الإيماء.
في إطار نظرية “المخيخ” (cérébelleuse) لعسر القراءة تشكل  اضطرابات الحركة أبعادا مندمجة لمتلازمة عسر القراءة ( ضعف التنسيق الحركي، اضطراب التوازن، ضعف المهارة الحركية، عسر الكتابة…) و رغم أن هذه النظرية لازالت تحت ضوء النقاش العلمي فإن نصف أطفال عسر القراءة لا يحملون أي اضطراب حركي بل منهم بالمقابل من يتوفر على مهارات في هذا المجال.
و عندما يتواجد  القصورين فإن الأمر يتعلق باعتلال مرافق( comorbidité) يحتم أخد كل ضطراب حسب خصوصيته، فالاضطراب الحركي/الإيمائي يشكل موضوع اهتمام التأهيل المبكر (تخصص حس حركي) ابتداءا من 8إلى 10سنوات و بالنسبة لعسر القراءة يجب أخدها بعين الاعتبار في زمن سابق بسبب الحاجة لبدء المسار الدراسي.
عسر القراءة و اضطراب الكتابة :

ترتبط في أحيان كثيرة اضطرابات الكتابة سواءا كانت معزولة أو في إطار اضطراب اكتساب التنسيق (TAC) مع عسر القراءة، و في إطار عسر القراءة يمكن وضع عسر الكتابة كنتيجة لضعف الكفاية الإملائية.
و تدفع العلاقة بين اضطراب التمثل الإملائي للكلمة ووعسر الكتابة إلى الانتباه إلى أن أطفال عسر القراءة الصوتية ووعسر الكتابة يعانون من صعوبة استعمال حروف الحاسوب “Clavier” على عكس الذين يعانون من عسر الحركة.
عسر القراءة و عسر الحساب:
يعاني حوالي ربع أطفال عسر القراءة من عسر الحساب و تذهب فرضية “المخيخ”( cérébelleuse) إلى صعوبة الاستئالة و الإجراءات المتمظهرة أثناء التعلمات الرقمية.
كما يرتبط قصور ذاكرة العمل لذى أطفال عسر القراءة الصوتية مع عسر الحساب، و يمكن لبعض الاضطرابات البصرية الانتباهية أن تكون مسؤولةعن اشتراك عسر القراءة البصرية الانتباهية و عسر الحساب.

توصيات عامة لتأهيل أطفال عسر القراءة :
يجب توضيح التشخيص للطفل وومحيطه ( أستاذة ، آباء،..) و إزالة أي شك للطفل في ثقته بنفسه و مجمل قدراته و تقوية إرادته ووعزيمته.
وتوضيح العلاقة بين التمارين المقترحة للتأهيل ووضعيته المدرسية للحفاظ على حافزيته، و تسهيل تقبل إجراءات التكييف في الوسطين المدرسي و الأسري، مع الحرص عدم تقديم كل المساعدات للطفل أمام أقرانه، و تفادي النصوص القرائية الطويلة.
التكفل بعسر القراءة: La prise en charge de la Dyslexie.

استراتيجية التأهيل:
لم يمنع عدم وجود استراتيجية علاجية مصادق على علمية نتائجها من الاجماع على الإجراءات التالية :
لمواجهة عسر القراءة الصوتي أو المختلط يجب التركيز على التمارين الفونولوجية مع معرفة الحروف و الكلمات و العلاقة بين الصوت phonème و الاملاء و دعم المعجم.
بالنسبة لعسر القراءة الانتباهي يحظى توجيه مقوم النطق بالأولوية، بالإضافة إلى التمارين البصرية الانتباهية، و التأهيل بوثيرة حصتين أو ثلاثة في الأسبوع، ليبقى تكييف التعلمات في الوسط المدرسي محتلا لأهمية كبرى لتجنيب الطفل السقوط في وضعية الفشل الدراسي.
مساعدة التمدرس.. البدائل التعويضية:

يجب تمكين الطفل من تعلم استثمار ذكائه (تعدد الذكاءات) و تغذية فضوله المعرفي، ليتذوق طعم نجاحه و يستعد لمستقبله، متعايشا مع اضطراب عسر القراءة و متكيفا معه، و لتحقيق هذه الغاية يستحسن أجرأة التوجيهات التالية:
التأكد من فهم الطفل قبل بدء العمل و إعادة صياغةرالتعليمة”consigne” أوالنص-المشكل وقراءته له، و إعادة قراءته حسب الحاجة أو استعمال حامل صوتي إذا لزم الأمر، كلما كان ذلك متاحا.
تجنب معاقبة الطفل في كل المواد، وعدم احتساب الأخطاء الإملائية في الفروض كالتاريخ و الجغرافية و التربية الاسلامية و الرياضيات و النشاط العلمي…..
الأخد بعين الاعتبار للبطء في الكتابة، و حاله الإعياء الناتجة عنها، مع إضافة وقت إضافي إذا لزم الأمر، و اللجوء الى الشفوي كلما كان ذلك ممكنا.
التأهيل (الصوتي و الميطافونولوجي و ذاكرة العمل و الانتباه البصري..) و التدرب على البدائل الفعالة و المناسبة.

المساعدة التقنية:
يُحَضرُ الدعم التقني وفقا للمشروع المدرسي و المادة المُدرسة ووضعية التعلم و التكييف و المراقبة و الامتحان… و يمكن تنظيم المساعدة التقنية حسب خصوصية كل حالة و إعداد المساعدة البشرية ( القراءة من طرف الآخر (تلميذ، أستاذ ،مرافق) او استعمال آلة تسجيل أو تقنية رقمية تُحوِل المكتوب الى منطوق( برنام صوتي).
و يفضل استعمال هذه المساعدة بشكل استباقي لسلوك  الفشل لتفاذي الإحساس بالفشل، بالإضافة إلى تشجيع المسرح و الموسيقى و الزيارات لتمكين الطفل من بناء معارفه حول العالم و ثقافته و إعداده للاندماج في المجتمع.

المصدرNeuropsychologie et troubles des apprentissages chez l enfant par Michèle Mazeau et Alain Pouhet. … بتصرف