التربية الدامجة بين التنصيص القانوني و التنزيل البيداغوجي


youssef-azzz70

يوسف العزوزي. 

أستاذ و إعلامي و رئيس جمعية دعم التربية الدامجة و التنشيط الإعلامي للحياة المدرسية. 

 

 

انطلاق برنامج التربية الدامجة

ترأس  رئيس الحكومة المغربية ووزير التربية الوطنية و التكوين المهني و التعليم العالي و البحث العلمي يوم الأربعاء 26 يونيو 2019 اللقاء الوطني لإعطاء الانطلاقة  الرسمية  لتفعيل البرنامج الوطني للتربية الدامجة لفائذة الأطفال في وضعية الإعاقة .

و يأتي هذا القاء الوطني المنظم تحت الرعاية الملكية من طرف وزارة التربية الوطنية بتعاون مع منظمة اليونيسيف تفعيلا للتوجيهات الملكية الداعية إلى تحقيقي تكافؤ الفرص و الإدماج  و ضمان المشاركة الكاملة و الفعلية للأشخاص في وضعية إعاقة في الحياة المجتمعية  و في جهود التنمية تتزيلا لمضامين الرافعة الرابعة من الرؤية الاستراتيجية  لإصلاح منظومة التربية و التعليم  2015  2030  التي تنص على تأمين الحق في الولوج للتربية و التكوين للأشخاص في وضعية الإعاقة أو في وضعيات خاصة، كما يندرج هذا البرنامج في إطار تفعيل الاتفاقيات الدولية  المتعلقة بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة  و حقوق الطفل و خطة أهداف التنمية المستدامة  للأمم المتحدة لعام 2030 و باقي المواثيق الدولية ذات الصلة و في إطار تنفيذ برنامج التعاون بين الوزارة و منظمة اليونيسيف و خاصة المحور المتعلق بمجال الأطفال في وضعية الإعاقة .

تعريف التربية الدامجة

يعرف الإطار المرجعي للهندسة المنهاجية  لفائذة الأطفال في وضعية الإعاقة التربية الدامجة  باعتبارها مقاربة تربوية لها شروطها المؤسساتية و التشريعية و الإدارية و التنظيمات التربوية و البيداغوجية التي تسمح بإقرار و تنزيل حق الطفل في وضعية إعاقة في تربية دامجة ضمن الإطار المدرسي و المجتمعي الخاص به ، و كذلك بضمان إزالة كل الحواجز  و العوائق القانونية و المادية أمام حق الطفل في مسار و سيرورة التمدرس  النظامي الطبيعي  بالمدرسة العمومية، بحيث يصبح لزاما على المجتمع بكل هيئاته ، و على المنظومة التربوية أن تكيف مجمل مقارباتها  و مناهجها  و برامجها التعليمية و إجراءاتها التنظيمية الإدارية و التربوية  و كل مقارباتها البيداغوجية  و كل  المدرسين العاملين  فيها لكي تجعل الفعل التربوي المدرسي يدور تحقيق نجاحه في مسار التمدرس عبر سنوات السلك الابتدائي و الإعدادي على الأقل  و هذا هو جوهر مسار التربية الدامجة للطفل في وضعية الاعاقة .

و يؤكد هذا التوجه أن التربية الدامجة لسيت عملية تقنية و إدارية فحسب إنها مشروع مجتمعي ينخرط فيه الجميع و يهم البلاد بأسرها بحكم ما تتشكل عنه من فلسفة اجتماعية قوامها التضامن الاجتماعي  و العيش المشترك و تقبل الآخر .

و هكذا فإن المشروع المجتمعي الشامل المرتبط بالتربية الدامجة يسمح بتوليد مشاريع فرعية يرتبط كل منها بفاعل أو مؤسسة :

مشروع الأكاديمية

مشروع المدرسة الداكجة

مشروع الأسرة .

مشروع البيداغوجي الفردي .

مشروع الجمعيات .

مشروع القسم الدامج …

إن هذه البنية من المشاريع التي تشكل المشروع المجتمعي و التي ينبغي أن تتميز بالتكامل و الانسجام تستلزم تصورا متكاملا يتجاوز مجرد إجراءات ديداكتيكية  إلى عملية تتعبأ لها كل الأطراف التي لها علاقة بالأطفال في وضعية الإعاقة بمن في ذلك زملاءهم “العاديون” و أباءهم و السياسيون ذوو القرار ووسائل الإعلام و المجتمع المدني و المؤسسات الحقوقية بالإضافة إلى المعنيين  المياشرين بالتربية الدامجة ( المدرسون و المديرون و و آباء الأطفال في وضعية إعاقة …).

إن تكاثف جهود كل هؤلاء حول هذا المشروع المجتمعي يأتي من كون التربية الدامجة تستلزم  ليس فقط ممارسات جديدة بل أساسا تغييرا في القناعات و الاتجاهات  و التمثلات  و هو أمر لا يمكن أن يستقيم من دون تعبئة و اشتغال على الذات الجماعية .

أن النزول من مشروع وطني (مجتمعي ) إلى مشروع جهوي  إلى إقليمي إلى مدرسي إلى فردي و أسري يخضع لمبدأ الاشتقاق نزولا و البناء صعودا. و هي جدلية ينبغي الحفاظ عليها حفاظا على حظوظ نجاحه و تأمينا لتيسير تنزيله واقعيا.

التربية الدامجة بين التنصيص و التنزيل:

الرؤية الاستراتيجية 2015-2030

نصت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي وضعها المجلس الأعلى للتربية و التكوين على وضع مخطط وطني لتفعيل التربية الدامجة للإشخاص في وضعية إعاقة  من خلال المشروع المندمج رقم 3 المتعلق بتمكين الأطفال في وضعية إعاقة أو وضعيات خاصة و نصت رافعته الرابعة على تأمين الحق في ولوج التربية و التكوين للأشخاص في وضعية إعاقة  كما نصت رافعته الأولى على تحقيق المساواة في ولوج التربية و التكوين .

و في ذات السياق نصت الرؤية الاستراتيجية على ستة تدابير تتوخى تكوين مدرسين متمكنين من التربية الدامجة.  و إدراج هذه الأخيرة ضمن برنامج التكوين المستمر للأطر التربوية . و توفير مساعدين للحياة المدرسية و تكييف الامتحانات و ظروف اجتيازها لفائذة التلاميذ في وضعية الإعاقة  و تعزيز الشراكة مع القطاع الحكومي المكلف بالصحة مع المجتمع المدني .

الانفتاح على مؤسسات أجنبية لإرساء تكوينات في هذا المجال  و مع مؤسسات جامعية من قبيل كلية علوم التربية .

القانون الأطار 51.17 .

يأتي القانون الإطار 51.17  الذي صدر في الجريدة الرسمية تحت عدد 6805  بتاريخ 9غشت 2019  امتدادا لتوصيات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030  و يعتبر مرجعية قانوية ملزمة  تضع التعليم ضمن الأولويات الوطنية و الاستراتيجيات الكبرى.

و تعتبر المادة 6 من القانون الإطار 51.17 تحقيق أهداف إصلاح منظومة التربية  و التكوين و البحث العلمي و تجديدها المستمر مسؤولية مشتركة بين الدولة و الأسرة و هيئات المجتمع المدني و الفاعلين الاقتصاديين  و الاجتماعيين و غيرهم من الفاعلين في مجال الثقافة و الاعلام و الاتصال .

كما يعتبر في مادته 19 الولوج إلى التعليم المدرسي من قبل جميع الأطفال إناثا و ذكورا البالغين سن التمدرس إلزاميا و يقع هذا الالتزام على عاتق الدولة و الأسرة و أي شخص مسؤول على رعاية الطفل قانونيا .

و تؤكد المادة 20 على أن تعميم التعليم الإلزامي بالنسبة لجميع الأطفال البالغين سن التمدرس يستلزم تعبئة الدولة لجميع الوسائل اللازمة  و تعزيز شبكة الدعم لضمان مواصلة تمدرس المتعلمين إلى نهاية التعليم الإلزامي  ووضع برامج متكاملة و مندمجة للتمدرس الاستدراكي لفائدة جميع الأطفال المنقطعين عن الدراسة لأي سبب من الأسباب.

القرار الوزاري 47.19  .

صدر القرار الوزاري رقم 047.19 في شأن التربية الدامجة بتاريخ 24 يونيو 2019 سعيا بالارتقاء بالمنظومة التربوية و جعلها منظومة دامجة و شاملة و تعزيزا للجهود الهادفة ألى تحقيق المساواة في الولوج إلى المدرسة و دعم تمدرس التلميذات و التلاميذ  في وضعية إعاقة و تأهيلهم و تيسسير اندماجهم و تمكينهم من  التعلم و اكتساب المهارات  ووضع برنامج وطني  يتمحور حول  تدابير و إجراءات عملية على الصعيدين المؤسساتي و البيداغوجي .

و تهدق التربية الدامجة حسب القرار المذكور إلى تمكين كافة الأطفال ذوي الإعاقة  من الالتحاق بمؤسسات التربية و التعليم  التي يرتادها أقرانهم  و التعلم ضمن البيئة المدرسية التيتوفر لهم شروط النجاح  من خلال تكييف التعلمات  و طرائق و تقنيات العمل و المراقبة المستمرة و الامتحانات الإشهادية مع قدراتهم و خصوصيات كل صنف من أصناف الإعاقة ، فضلا عن توفير التأهيل المواكب في فضاءات متخصصة يرتادها المتعلم حسب برمجة زمنية وفق مشروعه البيداغوجي الفردي.

و حدد القرار الوزاري إحداث قاعة الموارد للتأهيل و الدعم لتأمين خدمات خاصة للتلاميذ في وضعية إعاقة بهدف دعم تعلماتهم الأساسية و إمدادهم ببعض العادات الفكرية و المهارات السلوكية التي تؤهلهم أكثر لمتابعة الأنشطة التربوية ، بالأضافة إلى الدعم الطبي  و الشبه الطبي و الدعم السيكولوجي و الدعم البيداغوجي .

المشروع البيداغوجي الفردي.

يتعلق المشروع البيداغوجي الفردي…بالهندسة و البرمجة السيكوبيداغوجية و الديداكتيكية للتعلمات و الاكتسابات الخاصة بكل طفل في وضعية الإعاقة كحالة فردية ضمن مجموع تلاميذ القسم  في إطار الهندشة المنهاجية الرسمية المعتمدة مدرسيا ، و و يبنى هذا المشروع على أساس مجموعة من الخطوات التنظيمية و الإدارية و الديداكتيكية بتنسيق تام بين إدارة المؤسسة و المفتش و المدرسة و الفريق المتعدد التخصصات و الأسرة و جمعيات المجتمع المدني .

و ينطلق المشرروع البيداغوجي الفردي من آليات  التشخيص الطبي و الشبه طبي لطبيعة الإعاقة و أنواع القصور و طبيعة إقاعات التعلم عند الطفل على اعتبار أنها ضرورية لبرمجة أنواع التعلمات الداعمة التي يمكن أن تخدم مسار التعلمات الأساس من أجل التأهيل و الدعم .

و ينطلق المشروع البيداغوجي الفردي الذي يتناسب مع خصوصية الحالة الفردية على مستوى طبيعة الإعاقة و سيرورات التعلمات من إجراءات تشخيص حاجيات التعلم الأساس في مجال اللغة ( التعبير الشفوي، القراءة ، الكتابة )و في مجال العلوم ( الرياضيات ، النشاط العلمي ، الحساب الهندسة و القياس) و كذا في مجال التنشئة الاجتماعية و التفتح ( التربية الدينية و التربية الفنية و التربية على المواطنة).

و يمكن التشخيص من وضع صياغة الكفايات و الأهداف المؤطرة و الموجهة للتعلمات داخل كل مشروع بيداعوجي فردي حسب طبيعة الإعاقة و إيقاعات التعلم و الاكتساب عند الطفل و بالمنطق الزمني المتوافق عليه .

و ينبني هذا المشروع على أساس نوعين متكاملين من مسارات التعلمات و هما مسار التعلمات الداعمة و مسار التعلمات الأساس على أساس أنهما يتكاملان في الإنجاز و البناء و تحقيق نتائج التأهيل من أجل الدمج.

مواصفات الأستاذ الدامج.

يشكل المدرس العنصر البارز في أنجاح مشروع التربية الدامجة  فهو الخيط الناظم لمحتلف التدخلات و المبادرات التي تنجز لفائدة جميع الأطفال المتواجدين في فصل دراسي ضمانا لحقهم الكامل في التربية و التكوين و تعليمهم داخل المدرسة ، و من هذا المنظور ف‘ن أول ما يتعين أن يقوم به هذا المدرس هو أن يكون على إلمام واضح بالأدوار و المهام التربوية المنتظرة من مدرس الدمج المدرسي ، ليكون في مستوى رفع التحدياث الكثيرة التي يطرحها الاشتغال في مجال التربية الدامجة  و في طليعتها التركيز على المتعلم في كل ما يخصه ( حاجياته و إمكاناته صعوباته و وثيرة تعلمه..) و تحدي تقبل أي طفل و الوضعية المركبة للفصل الدراسي  و ما يستلزمه ذلك من مرونة و تكييف في مختلف أساليب التدخل  المعتمدة.

 

الأدوار المنتظرة من المدرس الدامج:

ترتبط الأدوار الأساسية للمدرس(ة) الدامج بمشروع التربية الدامجة ككل، على اعتبارأن عمل المدرس  الذي يكتسي أهمية كبيرة ليس سوى حلقة من حلقات عدة تستلزم تدخل أطراف مختلفة بشكل تكاملي (مدير المؤسسة، الطاقم التربوي، تلاميذ القسم ، آباء و أولياء التلاميذ ـ الجمعيات الشريكة ، الفريق الشبه طبي…..) .و يوجه المدرس اهتمامه إلى القسم الدامج و لتدبير أنشطته وفق منظور التربية الدامجة  التي تفترض أن يجد فيه كل متعلم مكانه وجدانيا  و معرفيا و اجتماعيا، لذلك تتحدد الأدوار الأساسية في العناصر التالية :

الاشتغال على الذات من أجل تطوير وظؤفة المدرس من ملقن للمعارف و المعلومات للمتعلمين بالطريقة نفسها و ينتظر منهم تحقيق النتائج ذاتها إلى وسيط بشري يساعدهم على اكتساب المعارف و فهمها و توظيفها.

تخطيط العمل التربوي برمته على أساس التمركز حول المتعلم و ذلك بمراعاة طبيعة و حاجات جميع الأطفال المتواجدين في الفصل الدراسي و جعلها في قلب الأنشطة التربوية التي ينجزها المدرس.

تكييف المحتويات الدراسية و طرائق الاشتغال و تفريدها بما يلائم الفروق الفردية القائمة بين المتعلمين .

خلق الفرص المتوعة للتعلم التي تتيحللمتعلمين استثمار إمكانياتهم الفعلية و تطويرها ، و ترتقي بالتعلمات بشكل تدريجي بما يعزز تقدير الذات و يحفز على الاستزادة من التعلم بإيجابية بناءة .

التواصل مع مختلف فرقاء المؤسسة و شركائها في اتجاه دعم مشروع الدمج المدرسي في أفق تمدرس ذي جودة  لكل متعلم و متعلمة كيفما كانت وضعيته الفيزيزلوجية أو النفسية أو السوسيو ثقافية .

عناصر ملمح المدرس الدامج :

بصفة عامة يتشكل ملمح المدرس الدامج من الاستناد إلى مرجعية قيمية و كفايات مهنية و ترتبط بها ، و تحدد هذه المرجعية القيمية معظم الأدبيات التربوية المهتمة بموضوع التربية الدامجة في أربعة عناصر:

1 تقدير التنوع بين المتعلمين و اعتبار الاختلاف بينهم موردا لإثراء العمل التربوي.

2 الاهتمام بجميع الأطفال و مصاحبتهم و مساعدتهم  على استثمار إمكانياتهم .

3  الاشتغال مع الآخرين يشكل تعاوني.

4 الاستمرار في التكوين المهني الذاتي للانفتاح على المستجدات و تطوير الأداء.

كفايات المدرس الدامج:

يستوجب المدرس الدامج توفره على أربعة كفايات هي كالآتي: أولا، كفاية التشحيص و تحليل الاحتياجات الخاصة . ثانيا : كفاية تكييف المحتويات و الأتشطة مع خصوصيات المتعلمين. ثالثا: كفاية التدخل التفريقي و القدرة على إظهار إمكانيات المتعلم و تقديرها و تعزيز التعلمات و مواكبتها. رابعا كفاية التعاون المشترك (المتعلمين و المدرسين و الشركاء و الفريق الطبي و الشبه طبي و القدرة على التصرف مع الدميع بالتزام و مسؤولية .

دور المدرس الدامج في تفعيل الشراكات:

يتمثل دور المدرس الدامج بصفة أساسية في التعاون مع مدير المؤسسة من أجل تعبئة جميع الأطراف المعنية من داخل المدرسة و خارجها و حثها على الانخراط في مشروع التربية الدامجة و الاسهام بالارتقاء بهذا المشروع عبر القيام بالأدوار المنوطة بكل طرف..

المرجع:

وثائق الإطارات المرجعية للتربية الدامجة  لفائدة الأطفال في وضعية الإعاقة.