إصدارات: المصطفى بوردة يبدع في روايته”دوار الخطوات”


IMG-20181119-WA0039

 

اجيال بريس

صدر أخيرا عن مطبعة دار المناهل رواية للكاتب و الأستاذ المصطفى بوردة تحت عنوان ” دوار الخطوات” يغوص الكاتب من خلالها في حميمية علاقته بالأرض و الماء  و النبش في التربة  بمنهج أركيولوجي  لاستنطاقها واستحضار  شخوص مروا و تركوا أثرا على أديمها.

و هذا مقطع من رواية دوار الخطوات
وبالجانب الأيسر من الوادي، تربع ضريح الولي” سيدي محمد بن عبد الله ” هناك يرقد جثمانه متلمسا خلدا أبديا ، وما تركوه ينعم بالراحة الأبدية التي يمنحها الموت للأجساد ، مجانا بلا حساب ، كسروا صمت خلوته ، وقضوا مضجعه ، بنعيق أدعيتهم وتوسلاتهم . وما قدرة البشر في أن تمنح البشر شيئا.
لم انقطع الوادي عن المسير ؟ .
لم حجب ماءه ، وعض على قلبه الكسير ؟.
أـ خاف من العين أم جفت العين من الدموع ؟.
لم تنافرت الدور، و قست على بعضها، قسوة من غشيت قلبه غلظة كبيرة ؟
لم استمر الجرح ينزف دون غسله بماء الوادي ، ورتقه بتراب ضفافه ؟
الحزن الكبير أرخى ستارته السوداء على الدوار، وألبسه حلة مرقعة منسوجة من بهدلة الزمان بذنب أو بغير ذنب ، وجعله كاسيا عاريا، إلا من طين استمد لونه من قرمزية الدم . انطلى به كل شيء ، ليشمل حتى الوجوه، لون العتمة والحزن الأليم .
سكان الدوار خليط من أقوام مختلفة ، استفاقوا ذات يوم أغبش ، فوجدوا أنفسهم في مكان قفر، والقفر مترامي الأطراف شاسع الرحاب. والخلاء ضاحك ممن عمروا عليه المكان ، وآنسوا وحشته حتى نسي أنه خلاء ، وصار يعج بالحركة والجلبة . متحابون حينا، متناحرون أحيانا أخرى . هذا حالهم ، وحال أحوالهم . لغة الحوار لا زالت لم تطأ أرضهم بعد، ولم تتلمس النهج القويم . الهراوات والعصي والحجارة هي لغتهم ومنهج حوارهم وتحاورهم ،ومفرداتها الطنانة على الرؤوس تقع ،ولا شرح لمعناها ، إلا بجراح دامية ترتق بتراب الدوار، وتغسل بماء الوادي ، ولا لغة قد تسمو عليها. إرث غني بالجراح والكدمات ، ورثوه عن آبائهم وأجدادهم ، كل نال حظه ، وللذكر مثل حظ الأنثيين .
تركة ثقيلة امتزجت بدمائهم وعششت في أدمغتهم ، ولم يعد عنها محيد . موروث عرقي وإحساس وجداني بالقوة والعظمة . لا عظمة تعلو على عظمتهم، تدعمهم في ذلك قلوبهم الغليظة ،غلظ هراواتهم وعصيهم ، ويزكيهم في ذلك، جهلهم بأن العالم قد تغير من حولهم ، وهم نائمون يحلمون، تجرجرهم غفوة نوم غائر إلى عالم سحيق ، عالم النعرة والتعصب . ومع ذلك فهم طيبون، يستمدون طيبتهم من حياة البساطة ،التي وجدوا أنفسهم مرغمين على التكيف مع أكنافها . كرماء، إذا حللت ضيفا بديارهم ، يرحبون بك ويطعمونك، ما لذ وطاب من دجاج ولحم وبيض وحليب وسمن . ذبح شاة أو خروف ليس بالعزيز عنهم ، فعزة النفس من شيمهم وعاداتهم وثقافتهم البدوية. تجعلهم يحسون بالزهو والنخوة والفخر في إكرام الضيف، بما حملت أيديهم وما قدروا عليه. يتقاسمون معك اللقمة ولو قلت، سواء التجأت إليهم ليلا أو جئتهم نهارا ، فنار كوانينهم لا تنقطع عن التلعلع ، ودخانها يرسم لوحات بهية في السماء، وشعارهم الخالد ” إكرام وفادة الضيف ركن من أركان الدوار “.