الدكتور إسلام عمارة ينعي أستاذه الدكتور فتحي جمعة


IMG-20180826-WA0007
IMG-20180826-WA0001

 

رحل عن عالمنا طود شامخ في العلم، فضيلة العالم الجليل الداعية الأصولي اللغوي الأستاذ الدكتور فتحي جمعة، أستاذ علم اللغة والدراسات السامية والشرقية في كلية دار العلوم جامعة القاهرة، الذي نذر حياته للعلم والتعليم والقراءة والإقراء.
وكان من أعظم من تلقيت عنهم، وتتلمذت على أيديهم حولين جامعيين في دار العلوم، في كتابيه النادرين:
– ( اللغة الباسلة) وهو كتاب فريد في معناه ومبناه، عجيب في لغته المنتقاة، سهل التناول، عميق الفكرة، قريب إلى القارئ، يستثير الحمية، ويرسخ الهوية، ويحارب التبعية، ويعزز قيم الولاء والانتماء للعربية، ويكشف عن مظاهر الضعف اللغوي وتأثير الغربنة والعولمة والأمركة على الحياة العامة، ويبين أن ( أية لغة لا تنتفع برقي أمة اتفق أهلها على إهمالها وتضييعها، وإهدار حرمتها، والتحول عنها في جميع أمرهم إليها).
ويشير إلى (أن الاعتزاز باللغة مطلب حضاري واجب، لايعني البتة تعصبًا أو جمودًا – كما يظن البعض- بل هو معنى كريم، وشعور مشروع، لاتخجل منه الأمم المتحضرة ولا تخفيه، وإنما تتباهى به وتبديه، للغة في ذاتها وللأمة في جهودها من أجل تثبيت بنائها الحضاري، وأن كرامة أي شعب من كرامة لغته، وذله من ذلها.
ولا غرو، (فالعربية لغة دينية ارتبطت بالدين وارتبط الدين بها في عروة وثقى لا انفصام لها، وليست هناك لغة – حسبما أعلم- تتعين لقراءة كتاب مقدس كما تعينت العربية لذلك الكتاب لساناً، لذا فإن حب العربية من الإيمان، كونها لغة النص القرآني، وحافظة الهوية الإسلامية والعربية، وأن الإسلام قد نزع عن هذه اللغة المجيدة قشرة المحلية فارتاد بها آفاقا رحبة واسعة رحيبة، فتجاوزت بكفاءة نادرة حدود الزمان وحواجز المكان، وصارت لغة الإسلام والمسلمين متى يكونوا وأينما يكونوا، وهي تمتلك من البناء ما يتسع للتعبير عن حاجات الإنسان العصرية، والتصدي لمحاولات التهميش والتغريب والعولمة الساحقة للثقافات الأضعف، ثم إنها وعاء يحفظ للأمة ثمار حضارتها. وينقل فكرها ورأيها إلى غيرها).

والكتاب يشي بأن مؤلفه صاحب رسالة سامية، تنافح عن اللغة، وتذب عنها، وتعلي من شأنها، وترفع من قدرها وقيمتها وذكرها لتتبوأ مكانها في العالمين.
كان – رحمه الله- يخوض من خلال كتابه ومحاضراته ولقاءاته معركة تأصيل اللغة وتوطيد أركانها، وترسيخ جذورها في بيئتها العربية الإسلامية، وهو يراها تسارع الخطى نحو التشويه والمسخ والانسلاخ من الذات.
وكتابِه الآخر: (التراث اللغوي عند العرب) الذي أطلعنا فيه على صور النشاط اللغوي، ومدارس اللغة ومعاجمها والفروق بينها، فناقش وصحح طائفة من القضايا التي كثر فيها اللغط.

أخذ شيخنا على عاتقه مهمة الجهاد في سبيل اللغة العربية، وعدها قضية فكر وعلم ووطن وحضارة ووجود منذ خطواته البحثية العلمية الأولى، فكانت أطروحته للماجستير عن السهام الموجهة إلى النحو العربي وكيفية صدها ، أما أطروحته للدكتوراه فكانت عن النشاط اللغوي للعربية قبل سيبويه وعن أصول اللغة وفلسفة النحو ورصد الحركة اللغوية واتجاهاتها.
عرفَتٰه منابر مساجد مصر في ربوع مختلفة، وكان يتملكني شعور بالزهو والفخار وأنا أستمع إلى أستاذي في دار العلوم وهو يخطب بهذا التمكن والاقتدار اللغوي على منبر مسجد العزيز بالله.
كان رحمه الله خطيبا مفوَّها بارعا، ومحاججا فصيحا، وأديبا بليغا، تنساب اللغة على شفتيه سلسة عذبة رقراقة سلسبيلا، يستمتع المتلقي بجمال لغته، وانتقاء كلماته، وجمال عباراته، وتكتنز خطبه قيما إسلامية سامية، ومثلا رفيعة، ومعاني عظيمة، ولغة فصيحة دقيقة عالية، تمتع القلب، وتقنع العقل، وتثير الوجدان، وتسترعي الآذان، وتأخذ بمجامع القلوب نحو الإصلاح والتغيير.
كان مربيا، عفيف اللسان، قوي البيان، ذا سمت حسن، وأدب جم، وخلق رفيع، وفطنة وحلم وكياسة. وجلُّ مواقفه يتوخى فيها المعاني التربوية والقيم الإيمانية، التي يدركها من يصحبه فلا يسعه إلا أن يتأثر بسمته.
كل مواقفه معي طيبة لا تزال محفورة في ذاكرتي، وكان سكنه في منشية البكري قرب مسكني قد هيأ أسباب الصلة به، فربطتني بأستاذي معرفة وثقت الأيام عراها، وكنت أحرص على زيارته وأتردد عليه كثيرا في سنيي الطلب في دار العلوم، ولربما آنس مني ألفة وقتذاك فكان يدعوني للسفر معه بسيارته التي كنت أقودها، وقد سعدت بتلك الصحبة أيما سعادة، ولما سافرت كنت أتواصل مع أستاذي هاتفيا فيسعد بذلك ويثني على الوفاء، وكانت سعادتي بسعادته تفوق ذلك.

تغمده الله بواسع رحمته، وأسكنه منازل السعداء من جنته، بما قدم للإسلام، وبما بذل من نصح وتعليم وتفهيم وتثقيف وتوعية للمسلمين، وتبصيرهم بمحاولات عدوهم الحثيثة للنيل من قلعة العربية التي هي أقوى حصن يجمعهم ويؤلف بينهم، وبانتصاره لقضايا الأمة على أعواد المنابر، وبذوده عن حياض العربية بقلمه في غير محفل من محافلها.
نعزي أنفسنا وأساتذتنا وكل طلاب العلم ومحبي الدكتور فتحي جمعة الذي فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في يوم القر من الأيام المباركة، واحتضنته قريته (بلقاس) بمحافظة الدقهلية فكانت مرقدا آمنا طيبا مطمئنا له بعد حياة حافلة بجلال الأعمال.
سلام على شيخنا يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًْا.
سلام عليك ورحماته من عالم الدثور والفناء، إلى عالم الخلود والبقاء.