الصمم…عالم موحش؟!!


sourd-

الباحثة: إكرام أحباري/ أجيال بريس
تمر عملية اكتساب اللغة عند الطفل عبر مراحل متتابعة، تمكنه من معرفة مبادئ الاكتساب، والتعلم، وجمع المفاهيم، وتمنحه القدرة على التفكير، والتذكر، والتخطيط، ومعالجة الأفكار عن طريق استخدام الألفاظ؛ إلا أن هذا الاستعداد اللغوي يتعرض في بعض الأحيان لمجموعة من الأمراض والاضطرابات الكلامية واللغوية، التي تعرقل عملية إصدار الأصوات بسبب خلل في الجهاز العصبي، أو اضطراب في الجهاز السمعي، أو عجز أعضاء النطق على أداء وظيفتها بشكل بيولوجي، بما في ذلك الصمم. فما الصمم؟ وما أسبابه؟ وكيف يمكننا النقص من حدة المرض؟
يدخل الصمم ضمن الأمراض الكلامية التي تشوه العملية التواصلية للفرد، وتعرقل جوهر التواصل الممثل في الفهم والإفهام الناتج عن ضعف كلي أو جزئي في سماع الأصوات اللغوية وفهمها. مما يجعل المريض أسيرا في عالم موحش تكسوه العزلة، والانطواء على الذات، وتحيط به كوابيس مجتمعية دونية مغطاة بقناع الجهل والتخلف، تحرمه من إنسانيته وأبسط حقوقه الطبيعية التي تخول له العيش الكريم والحب والحنان والتعلم، مثله مثل باقي زملائه الأسوياء؛ ولهذا يجب مراجعة أنفسنا وإعادة النظر في سلوكياتنا اتجاه المصابين بالصمم بالتفاعل معهم، ومساعدتهم للرفع من ثقة النفس لديهم، ومد يد المساعدة لهم لتحقيق طموحاتهم وأهدافهم.
ومن بين الأسباب الرئيسة المحدثة للصمم نجد أسبابا عصبية تظهر عند إصابة إحدى جهتي الدماغ المسؤولة عن فهم الإشارات الصوتية، وظهور التهابات في أغشية المخ أو اضطراب في أعصابه، أو عند وجود ضعف عقلي؛ كما نجد بعض الأسباب العضوية الناتجة عن حدوث تشوهات بالجهاز النطقي، بإصابة السدادة الصملاخية، أو تمدد سائل الأذن الوسطى، أو وجود أورام بالأذن؛ إضافة إلى ذلك تلعب العوامل النفسية دورا مهما في الإصابة بالصمم خاصة عند الحالات الانفعالية الحادة والهستيريا الشديدة.
لهذا يحتاج المصاب بالصمم لعلاج نفسي وكلامي وطبي، يخفف من شدة الاضطراب، ويعمل على معالجتة عند الإصابة بالصمم الجزئي. ويرمي العلاج النفسي إلى معالجة المشاكل النفسية، والانفعالات والتوترات، والحد من الشعور بالنقص والحرمان والخجل، وتجاوز حالة الرهاب الاجتماعي التي يمكن أن تعترض المسار الحياتي للحالة، ويستدعي هذا النوع من العلاج مشاركة كل من الأسرة والطبيب المختص والمجتمع في جعل الأصم في استرخاء عقلي وعصبي وجسدي، وهدوء تام، والشعور بالأمان، ونقله من دوامة الضغط النفسي والتوتر العصبي، والنفور والاستهزاء والسخرية، إلى عالم منير دافئ مفعم بالود والتعاون والطمأنينة. وعلى هذا يبني الطبيب مراحل علاج الحالة. بترابط مع علاج كلامي يهدف إلى تتبع حالات المريض بعد تحديد جنس المصاب، وسنه، ودرجة الاضطراب ونوعه، ومعدل الذكاء بالقيام باختبار آرثر الذي يكشف القدرات العقلية، وأهم العوامل التي أدت إلى ظهور الحالة، حتى يتم تحديد الوسائل العلاجية المناسبة، والتداريب الملائمة لتقوية الجهاز النطقي والسمعي.
وفي جانب آخر نجد العلاج الطبي الذي يسعى إلى معرفة الأسباب الرئيسة وراء الإصابة بالصمم بإجراء اختبارات لرسم المخ، وإشاعات رسم العضلات لقياس السمع، أو القيام بعملية جراحية لزراعة القوقعة، أو عند ترقيع الطبلة لتكبير الصوت في حالة ضعف السمع.
وقد استقبل قسم الترويض الطبي بالمركز الاستشفائي الإقليمي في تازه، هذه السنة حوالي 182 حالة من الاضطرابات اللغوية وأمراض الكلام منها أربع حالات لأطفال مصابين بالصمم، وهذا دليل على عدم الوعي بضرورة التشخيص الطبي، وجهل الأسرة لأهمية التتبع النفسي والعصبي والفسيولوجي للحالة، الذي يلعب دورا مهما في التخفيض من نسبة معاناة الأصم. مما يحتم ضرورة زرع الوعي والتوجيه والإرشاد في نفوس الأفراد لتقبل الشخص غير السوي باعتباره إنسانا له روح وطموح ومشاعر وقدرات تحتاج فقط لعلاج وتتبع طبي.
خلاصة القول يعد الصمم من بين أبرز القضايا الشائكة في علم اللغة النفسي، الذي يحدث تشويشا في مراحل النمو اللغوي، ويحرم الأصم من اكتساب المهارات اللغوية الممثلة في الاستماع، والقراءة، والحديث، والتعبير، والفهم، وغيرها من القدرات العقلية والفكرية والمعرفية؛ مما يستدعي ضرورة الكشف في وقت مبكر، ومعرفة الأسباب العضوية والنفسية والعصبية والبيئية المؤدية له، لمحاولة النقص من حدته، ودمج الحالة في المجتمع