الحركات الاجتماعية في العالم العربي


mouvmen-social

عزة عبد المحسن خليل

مقــدمــة:
أصبح الاعتراف بأن السياسات الليبرالية الجديدة تؤدي إلى اعتداء واضح على مصالح فئات واسعة من السكان وخاصة الأكثر فقرا وتهميشا في البلدان المهمشة من النظام العالمي، سائدا في اكثر الدراسات. وعلى هذا، يكون السؤال المطروح الآن بخصوص ما إذا كان هذا التدهور يؤثر بالسلب أم بالإيجاب على طاقات هذه الفئات في المقاومة والدفاع عن مصالحها الرئيسية. وحيث تشهد فئات متسعة من السكان في المنطقة العربية ضغوطا متزايدة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي أيضا، بينما لا ينم السياق الاجتماعي عن دور فعال لهذه الفئات في التصدي لحماية نفسها، فإن ذلك يثير الانتباه إلى أهمية دراسة الحركات الاجتماعية في المجتمعات العربية. وأول ما يلفت الانتباه هو التساؤل بشأن السمات التي قد تكتسبها الحركات الاجتماعية في سياق تكوين اجتماعي تطور من خلال مسار محدد بالمنطقة العربية. ويستدعي هذا التركيز على نشأة الحركات الاجتماعية،وأسلوبها في التعبير عن نفسها،و الديناميات التي تتلمسها للتفاعل مع محيطها وفي حركتها، وما تحمله في مجملها من أفق للتغيير، وما قد تؤول إليه فاعليتها وتفاعلاتها في المستقبل، وما مدى تأثير المعطيات الخارجية المختلفة على مستوى العالم. وتمثل هذه التساؤلات     الموضوعات الرئيسية للعمل الذي بين يدي القارئ **.
ووصولا إلى هدفنا في دراسة الحركات الاجتماعية في العالم العربي، انقسم البحث إلى ثلاثة أجزاء فضلا عن المقدمة والخاتمة. ويتعلق الجزء الأول بنشأة الحركات الاجتماعية في سياق التكوين الاجتماعي للمجتمعات العربية. ثم ركزنا في الجزء الثاني على الخلفية الاجتماعية الاقتصادية السياسية المحيطة بالحركات الاجتماعية الآن. واعتبرنا أن الجزء الثالث هو الجزء الرئيسي في البحث، واستعرضنا فيه أهم الحركات الاجتماعية الساعية إلى الفعل في المنطقة العربية. أما الخاتمة فهي خلاصة تناقش طاقات وتحديات الحركات الاجتماعية في مقاومة السياسات الليبرالية الجديدة.
حول مفهوم الحركات الاجتماعية
عند تحديدنا للمفهوم تجنبنا سيطرة التصنيفات بناء على محددات للتعريف مستعارة من سياقات تختلف عن سياقات المجتمعات العربية، حيث يؤدي هذا المسار إلى نماذج قبلية متوافقة مع الطرح النظري والسياسي لواضع التعريف. وأكدنا على أن غياب الحركات الاجتماعية المتطابقة مع الحركات المعرفة وفقا للسياق الأوربي أو الأمريكي اللاتيني، لا يعني بالضرورة انتفاء وجود حركات اجتماعية أخرى بيننا. وعلى هذا فقد حددنا هدفنا ، انطلاقا مما هو قائم، في محاولة فهم القوى الداخلية والفاعليات في المجتمعات العربية التي تسعى إلى التأثير في الواقع أو تشكيل المستقبل، والتعرف على عملية التنظيم الذاتي لمختلف الجماعات الاجتماعية بصرف النظر عن شكل هذا التنظيم. وأيضا بلورة تصور شامل عن الجماعات الساعية إلى هامش من الاستقلال عن الدولة والتي تعتبر المفتاح لفهم النضال الديمقراطي لمقاومة أوضاع الليبرالية الجديدة وسياساتها ، وما يمكن أن يسفر عنه من بدائل لها. أي إننا إزاء سعي لفهم تفاعلات اجتماعية ملموسة.
وبناء على ما يخدم هذا الهدف من المحددات المختلفة المستخدمة في تعريف الحركات الاجتماعية، فإنه يدخل في إطار بحثنا.
– كل من الحركات الاجتماعية الجديدة التي يشار بها إلى الحركات ذات الأهداف النوعية أو الاجتماعية العامة العابرة لحدود الطبقات الاجتماعية والبناء السياسي، وأيضا الحركات الاجتماعية القديمة وهي ما يشار بها إلى الحركات القائمة على الموقع والهوية الطبقية، والتي تعمل في علاقة مع البناء السياسي.
– وفيما يتعلق بالأبعاد السياسية والاجتماعية للحركات الاجتماعية، فإننا نميز الحركة الاجتماعية (وهي التي يركز عليها بحثنا) عن الأحزاب السياسية. فإن كان بعض الحركات الاجتماعية يسعى للتأثير في صنع القرار، أو يرفع مطالب لدى الدولة، إلا أنها لا تسعى إلى الاستحواذ على السلطة السياسية ولا مراكمتها ولا تعمل من خلال آليات العمل السياسي المباشر، كما هو شأن الأحزاب. وعوضا عن ذلك قد تسعى الحركات الاجتماعية إلى نوع مغاير من السلطة الاجتماعية. ويمكن أن نضيف إن مطالب الحركات الاجتماعية تتعلق في المقام الأول بقضايا اجتماعية، رغم ما قد يكون لها من انعكاسات سياسية غير مباشرة.
– وبالنسبة لعلاقة الحركات الاجتماعية بمحيطها العام والخاص وما يترتب على ذلك من استراتيجية في التغيير، فإنه لا يشترط فيها تحديد برنامج عمل يعكس تصورا لسياسة منهجية للحكم ورغم هذا ينبغي أن تتوفر على وعي بذاتها داخل محيطها وتحديد لهويتها. وهي تسعى إلى إنجاز تغيير في إطار هذا الوعي، كما أن لها نسقًا قيميًا مرجعيًا ورمزيًا وقواعد للمشروعية. كما أنها تسعى إلى الاستقلال والاستقواء بالذات. وفي الوقت ذاته تشارك الحركات الاجتماعية في تهيئة مناخ مختلف سياسيا واجتماعيا وثقافيا، كما أنها تثير الصراعات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية المتشابكة. و ما تثيره من قضايا قد ينغمس في الفضاءات العامة ويكون له تأثير سياسي واضح. و يمكن أن تقتصر على النطاق المحلي الذي وجدت فيه، وليس بالضرورة أن يكون لها بعد وطنى .
– وفيما يتعلق بشعبية أو نخبوية الحركة فإننا نعتبر أن الحركة الشعبية أحد تجليات الحركات الاجتماعية، ولكنها ليست التجلي الوحيد لها. وحيث يضيق المجال أمام الحركات الشعبية في منطقتنا، فإن هناك ضرورة لفهم حركات النخب حيثما وجدت وتلمس اتجاهاتها نحو الفئات الشعبية المختلفة، ودور الأخيرة في رؤية الأولى للتغيير.
– وفيما يتعلق بمستوى التنظيم، فينبغي أن يتوفر للحركة الاجتماعية قادة يمكن تمييزهم عن القواعد، وأيضا آليات لتعبئة الموارد المادية والرمزية. وهي تختلف عن الهبة أو التمرد العفوي الذي يفتقد إلى أي درجات من الوعي والتنظيم. وإذا كان كل تنظيم ليس بالضرورة حركة اجتماعية فإننا نستبعد المنظمات التنموية، والخدمية والخيرية، أو الهياكل التنظيمية الفارغة، التي لا يتوفر لها مطالب اجتماعية تسعى من خلالها إلى تغيير في الحالة الراهنة التي لا تمثل مشكلة بالنسبة لها، أو لا تنطوي على هوية محددة أو مرجعية أو رموز خاصة بها. ومن المعلوم أنها تشكل النسبة الغالبة من عشرات الآلاف من المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية في المجتمعات العربية (سمير أمين(2003)). وإذا كانت الحركات الاجتماعية تنحى إلى البعد عن المؤسسات التي تخضع لتنظيم تراتبي صارم وعضوية ثابتة منتظمة، فإن وجود هذا التنظيم لا ينفي صفة الحركة الاجتماعية.
– وفيما يتعلق بالاستمرارية والحجم، فإننا نأخذ في الاعتبار أن الحركات الاجتماعية تمر بدورات تزدهر فيها أحيانا أنشطتها، وفي أحيان أخرى تخبو وتسكن. كما أننا لا نقتصر هنا على دراسة الحركات الكبرى. وفي هذا الصدد تختلف التقييمات، حيث يعتبر بعضهم أن تعبئة عشرات الأفراد يعد حركة، في حين أن تحرك المئات يعتبر حركة قوية (انظر أندريه جوندر فرانك: 149، محسن مرزوق، محمود ممداني، سيزار فرنانديز:40، 426،Alan Scott: 17-37 ).
– أما ما نعني به هنا الحركات الاجتماعية المقاومة لسياسات العولمة، فهي الحركات الاجتماعية التي تستهدف التأثير في المجتمعات في اتجاه مضاد لتأثير سياسات الليبرالية الجديدة، أو التي تسعى للدفاع عن بعض الفئات الشعبية التي تعصف سياسات الليبرالية الجديدة بمصالحها وأوضاعها. ولا نعني أن تمتلك المقاومة فهما متكاملا لتلك السياسات والوقوف على استراتيجية مقاومتها، فهذا لا يتوافر إلا لقوة سياسية منظمة، وينفي في الوقت ذاته صفة الحركة الاجتماعية.
أولا: تطور التكوين الاجتماعي ونشأة الحركات الاجتماعية في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية في فترات زمنية مختلفة أشكالا متباينة ومتفاوتة من السلطة المركزية المستقرة. كان الاستحواذ على الفائض الاقتصادي يتم لصالحها في نظام ذى هيكل تراتبي متعدد المراحل مما كان يسمح باحتجاز المستويات المختلفة لنصيبها من الفائض في مقابل ولائها لقمة السلطة الذي كان يأخذ طابعا شخصيا. وأدى هذا النظام الأبوي القابض من خلال علاقات زبائنية مع شبكة القيادات المحلية إلى تكثيف استنزاف الفائض وإجهاض تطور التكوينات الاجتماعية المنتجة (فلاحين – حرفين – تجار)، وانصرافها عن الإبداع والتجديد والسعي إلى اكتناز الأموال في صورة ذهب. كما أدى من جهة أخرى إلى كتم التعبير السياسي وتفشي الفساد وفقدان الأمان في الريف والمدن (عبد الله حنا: 22، 31-33).
وشهدت أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ما عرف بتحركات عوام المدن ضد الاستغلال وتدهور الأحوال المعيشية في ظل الدولة العثمانية، ومنها تحركات حلب التي أدت إلى استيلاء العامة على المدينة وهروب الوالي 1818، ثم حصارها وضربها بالمدفعية عام 1821. وأيضا قومة حلب عام 1851 ضد التجنيد الإجباري وضريبة العقارات، وثورة أيلول 1832 في دمشق (حصار الوالي في القلعة أربعين يوما ثم قتله وأعوانه). وشهدت الشام إلى جانب ذلك انتفاضات فلاحية في الريف ضد الضرائب الباهظة وضد الجهاز الإداري وضد المشايخ والمقاطعجية والملتزمين (عبد الله حنا :44 -50 ).
وفي مصر كانت انتفاضة عام 1795، ضد زيادة الضرائب على الفلاحين، ثم كانت ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798، والثانية في مارس 1800 ضد الحملة الفرنسية أساسا، وفي الوقت ذاته تعبيرا عن الغضب الشعبي من تدهور الأحوال المعيشية، وجزئيا ضد الولاة والمماليك الخانعين، وخاصة الثورة الأولى. وأعقب خروج الحملة عددً من تحركات العوام ضد المماليك وحكام المدن في مظاهرات حاشدة – بعضها من النساء- تسير إلى القلعة وترفع إلى الوالي المطالب الشعبية. واستمرت هذه التحركات حتى ولاية محمد على عام 1805 بمعاونة القوى الشعبية والقيادات الدينية. وشهدت تونس أيضا مثل تلك التحركات في تمرد أولاد عزيز عام 1845، وثورة ابن غذاهم 1864 ضد الضرائب والانحياز للأجانب. وفي الأخيرة قدم الثائرون شكواهم ضد الباي الحاكم إلى الباب العالي (عبد الله حنا: 44-50 ، عبد العزيز الشناوي:29، 52، 67، 98).
وتميزت هذه الحركات بأنها تندلع وتخبو سريعا، وأن قوامها من الجماهير المهمشة في مواجهة حكم متعسف وإفقار عام. ونظرا لتدهور مستوى التطور الإنتاجي وضعف تبلور التكوينات الاجتماعية وضعفها إزاء السلطة التي تلجأ إليها في تحقيق مصالحها الاقتصادية (أبوية اقتصادية إذا جاز التعبير)، كانت القيادات على استعداد للتفاهم مع السلطة (رجال الدين) بل إنهم لعبوا في كثير من الأحيان دور الوسيط الذي تحدد السلطة حجمه السياسي بقبولها أو رفضها لوساطته (عبد الله حنا: 51-53، عبد العزيز الشناوي: 208- 218). ومن جهة أخرى، فقد كانت هذه الهبات في مواجهة السلطة المحلية ولم تتجاوزها أبدا إلى السلطة المركزية المتحالفة معها في استنبول. ومثل المركز دائما رمزا رفيعا (الباب العالي) حيث كان الحكم باسم الإسلام. وهنا كان الاستناد على التراث (الإسلامي) الأساس لبناء قاعدة الشرعية كشأن النظم الأبوية لعبت الثقافة السائدة التي رسخها الزعماء من رجال الدين دورا هاما في إجهاض نتائج التحركات الشعبية (عبد العزيز الشناوي: 144-145).
ومع صدمة الحملة الفرنسية، تأكد ضعف النظام الاقتصادي والاجتماعي للإمبراطورية العثمانية إزاء طغيان النفوذ الأوربي. التجأت الدولة العثمانية إلى الإصلاحات التي أخذت اسم “التنظيمات العثمانية”. وهي إصلاحات فوقية صادرة عن السلطة وموجهة إلى نسف الغطاء الشرعي للاستبداد وفتح الطريق لقوى مستبدة أخرى. وفي هذا السياق بدأت إرهاصات العلاقات الرأسمالية والتحديث البرجوازي، وأيضا مستوى جديد من التغلغل الرأسمالي الأوربي (هشام شرابي:75). وشهدت المجتمعات العربية بالتزامن مع ذلك إصلاحات شبيهة مثل حركة خير الدين التونسي في تونس، وداود باشا ومدحت باشا في العراق، ومحاولة محمد على لبناء دولة حديثة في مصر.
وتشكلت فئة الخاصة في عواصم الولايات العربية في أواخر القرن التاسع عشر من الفئة الحاكمة (أصول قبلية أو أرستقراطية محلية أو تركية)، ومن كبار الملاك الزراعيين (ظهروا على أثر قانون الأرض الذي يتيح تسجيل الملكيات الخاصة للأرض في 1858)، وكبار التجار وموظفي الدولة والعائلات ذات الثروة والجاه والنفوذ. وكانت الأسر المرتبطة بالمؤسسات الدينية تتولى الأوقاف وتحتكر النظامين القضائي والتربوي، وتعمل على تأييد الدولة العثمانية، ومقاومة الدعوة إلى التطور و الانفتاح على الحضارة الغربية وعرقلة عملية الإبداع. وكان هذا أيضا موقف الأسر الممتهنة للأعمال العسكرية وشبه العسكرية وتجارة الحبوب والمواشي. ووقفت العائلات التجارية (وهي أكثر التصاقا بالسوق والإنتاج المحلي)، وأصحاب المشروعات والمهنيين والمتعلمين من الطبقة المتوسطة الحديثة مع حركة الإصلاح والتغيير (عبد الله حنا:58، 59).وارتبطت تطلعات الفئات الطامحة للتغير بحدود وطموح السلطة فيه، ولم تستطع أن تتجاوزها كثيرا. وكانت الأهداف التحديثية المرتبطة بالتوسع في الخدمات الحديثة من تعليم وصحة ومواصلات.. إلخ، تحقق إنجازات واضحة، بينما الأهداف المرتبطة بتوسيع دائرة السلطة والحد من المركزية تجد مقاومة شرسة وعنيفة وتنتهي بالإحباط (مثال الحركة العرابية في مصر).
وتمثل الرافد الأساسي للأفكار الإصلاحية والنهضوية، في الفئات المتوسطة حديثة العهد. ولم تتوافر في المجتمعات العربية التناقضات الداخلية التي كانت موجودة في المجتمعات الأوربية والتي ولدت الرأسمالية والحداثة كحل لها، بالتالي لم تنشأ الأفكار الحداثية تلقائيا في المجتمعات العربية (سمير أمين(2003)). وتبنى أنصار التحديث نقل النموذج الحداثي الأوربي الذي ارتبطوا به من خلال حركة البعثات التعليمية والترجمة. وقد بدا أن اللحاق بالمجتمعات الغربية المتطورة هو هدفهم الاجتماعي أكثر منه المشروع الذي يمثله النموذج الحداثي في حد ذاته. وقد انعكس على هذه الفئات أن رغبة السلطة النفعية في الاستفادة من الخبرة الأوربية كانت السبب في إتاحة فرصة الوجود لهم. وحيث افتقر التحديثيون لأصالة تبني الأفكار الحداثية المجردة، فلم يكونوا قادرين على مقارعة الأفكار التقليدية الراسخة والمتمترسة بالدين والقطع معها، بل حاولوا تبرير النموذج الحداثي اجتماعيا من خلال التنقيب عن التفسير المستنير للدين الذي يتوافق معه. وسعوا إلى إجازة هذه التوليفة إلى جوار البنى الاجتماعية السائدة وليس في محلها. ولم تنجز الانقطاعات الضرورية مع التقاليد التي تتحدد بموجبها الحداثة (سمير أمين (2003)).
وبعد الاحتلال الأوربي العسكري المباشر، تكتمل ملامح عملية التحديث في النصف الأول من القرن العشرين حيث تبدو ثمار عملية التحديث التي أدخلت من أعلى من خلال إصلاحات ذاتية فوقية أو نقلا عن النموذج الأوربي أو فرضت من خلال النفوذ الاستعماري المباشر وهيمنته على قمة السلطة. أي أننا إزاء مجتمع محدث وليس حديث. ويرى البعض أن عملية التحديث إذ تنطلق كنتيجة لتأثير عامل خارجي على التطور الداخلي مما يدفعه إلى التحول، فإنها تشوه التطور الذاتي الداخلي، فيتخذ شكلا لم يكتمل نضوجه مما يحرمه فرصة النضوج. ويكون التشوه الملازم لعملية “التحديث” ليس ناتجا عن تعثر داخلي (فقط) بل من عامل آخر وهو أن عملية التحديث نفسها تشكل إعاقة متى جرت ضمن إطار التبعية والخضوع، وهو ما أطلق عليه البعض الأبوية المستحدثة أو بعض آخر الحداثة الطرفية (هشام شاربي: 40، أحمد زايد).
وعلى خلفية الحركة الثقافية عرف الانتقال إلى القرن العشرين العديد من الحركات الاجتماعية التي تأتي في مقدمتها الحركة الوطنية. وكانت الحركة الوطنية تعبيرا عن التكوينات البرجوازية التي نشأت في ظل علاقات إنتاج رأسمالية قد تسربت أو أدخلت في بعض القطاعات بالدرجة التي تحقق أهداف الاستعمار، بينما أعيق تطورها بعد ذلك بحكم موقعها في التحالف مع القوى الاستعمارية المهيمنة. فنشأت الازدواجية في المواقف ما بين المقاومة والتبعية وصودرت إمكانات تطور قطاع الصناعة الوليد إلى إقلاع صناعي حقيقي. وكان لتداخل عناصر البرجوازية مع فئة كبار الملاك أثر في عدم جذريتها في حل المسألة الزراعية. وكان لاستمرار مفاهيم الدولة السلطانية في نسيج الدولة العربية المحدثة التي اتسمت بالاستبداد، أثر في دور القرار السياسي العلوي في تحريك التطورات الاقتصادية الاجتماعية، وهو الأمر الذي انعكس على دوران النخب الاقتصادية في فلك السلطة المركزية التي استقرت بعد جذب وشد في تحالف وثيق مع القوى الاستعمارية وأصبحت شرسة تجاه الأهالي وضعيفة أمام الأجانب. وهكذا أدى الإخفاق الصناعي والزراعي، بعد تفكيك البنية الأساسية التقليدية إلى تدهور شديد في الأوضاع المعيشية. وبالمثل فشلت الرموز السياسية في تحقيق الاستقلال الذي طالما عبأت الفئات الشعبية وراءها من أجله. وبحكم عدم استيعاب العلمانية، أي الحرية في إدخال التجديدات السياسية، لم تمارس في المجتمعات العربية الديمقراطية بالمعني الحديث. وانسحب ذلك أيضا على عدم الإقرار الاجتماعي بالحق في الانقطاع عن التقاليد بمعنى الحداثة (سمير أمين (2003)). ويفسر البعض ذلك، بأن التقاليد تكون ملاذا للشعوب المقهورة بالاستعمار ( محمد عابد الجابري: 55)
وظلت نخبة المثقفين والمتعلمين الوطنيين المتطلعين إلى نقل النموذج الأوربي في شد وجذب بين محاولات تحديث التقاليد و”قلدنة” الحداثة. وظلت المعركة بين القديم والجديد، والأصالة والمعاصرة، والحداثة والتقليد، والعلمانية والدين، دائمة التجدد وغير قابلة للحسم (أحمد زايد). واقتربوا من الفئات الشعبية بحكم تحمسها لتطلعاتهم ذاتها، وإن بصورة أكثر جذرية. ولكن بحكم النظام الاجتماعي الأبوي وعلاقاته التسلطية والزبونية الضاغطة، لم يبادلوا الفئات الشعبية الثقة التي منحتها إياهم، ولا امتلكوا الثقة في الذات لنقد الفئات العليا المهيمنة على النظام الاجتماعي جذريا، فتطلعوا بدونية تارة إلى الغرب والأجانب، وتارة أخرى إلى أصحاب النفوذ والمراكز في دوائر الحكم، ونحوا إلى الاقتراب من الفئات العليا وتأمل التغيير من خلالها. فانسحب عليهم ما كان بها من وهن وتشوش. ويمكننا تبين استمرار الملامح الأساسية لأنصار التحديث في القرن التاسع عشر لدى النخب في المجتمعات العربية في ظرفنا الحالي، كما سنتبين فيما بعد.
أما الفئات الشعبية، فقد ربطت مصالحها بمصير القضية الوطنية. وانعكس تداخل الصراع الوطني مع الاجتماعي على تشوش وعيها الطبقي. وبحكم ضعف التبلور الطبقي للعمال والفلاحين، فقد أسلموا قيادتهم للبرجوازية الصغيرة بحكم مزاجها الوطني. وتبنت الحركات الاجتماعية والشعبية الاتجاهات السياسية السائدة من حيث العمل من خلال السلطة بالضغط عليها وتوجيهها إلى طريق التغيير الشامل من خلال التغييرات الجزئية في سياستها وفي تكوينها، أي العمل من خلال الأطر العامة القائمة والتغيير الهيكلي المستمر فيها (طارق البشري: 546). وعلى هذه الخلفية تأججت حركات اجتماعية مخلصة في استهدافها للتغير ولكنها لم تتجاوز أفق التغيير الجزئي. وكان من أهم هذه الحركات الحركة الثقافية النهضوية والحركة الإحيائية الإسلامية والحركة الوطنية والحركة العمالية و الحركة النسائية.
ثانيا: دول ما بعد الاستقلال: الحركات الاجتماعية في محيط الأزمة
أسفرت عملية النضال من أجل التحرر من الاستعمار، بعد وصول حركات التحرر إلى هدفها في الاستقلال، عن تأسيس نمط جديد من الدول عرف بدول الاستقلال. وحيث عرفت الحقبة السابقة على الاستقلال ضعف القوى الاجتماعية والسياسية، فقد مثلت حركات التحرر ودول الاستقلال المنفذ للخروج من أزمة التطور والتنمية الاقتصادية، وكذلك من أزمة الحكم. ومن ثم تطابق مطلب الاستقلال مع بناء الدولة الحديثة، فتركزت أولويات الدولة في تلك الحقبة على تعزيز الاستقلال وتكريس الدولة كرمز للهوية والوحدة الوطنية من ناحية، وإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية تتجاوز التخلف التاريخي، فتلبي الحاجات الأساسية، إلى جانب طموح وتطلعات الفئات التي تمت تعبئتها أثناء النضال من أجل الاستقلال.
وانتهجت الدول للوصول إلى ذلك المركزية الصارمة للإدارة والسلطة، حيث إنها السبيل إلى الحفاظ على الاستقلال و مواجهة التحديات الخارجية التي قد تعصف به، إلى جانب احتواء الانشقاقات الاجتماعية والطبقية الداخلية وإدارة أو تقليص أو مصادرة الصراع بينها. كما أن النخبة الحاكمة (تحالف التكنوقراط وكبار موظفي الدولة والعناصر العسكرية والوطنية)، رأت أن مفتاح تجاوز التخلف التاريخي لابد وأن يمر عبر الهياكل الاقتصادية وبناء اقتصاد مؤمم أساسه الصناعة، وهو ما يستدعي دولة مركزية تخطط لتحديث المجتمع، أو تقوم بالتعبئة العامة لإنجاز التحولات الجذرية المطلوبة في زمن مختزل. ومن ثم كانت الديمقراطية في غير صالح مشروع النخبة الحاكمة، وتم تقديم بناء الدولة على بناء الديمقراطية، وتقديم الوحدة الوطنية على التعددية. وأفرز ذلك في النهاية دولا سلطوية غيورة على وحدانية السلطة (علي أومليل، سعد الدين إبراهيم: 175، 176). وجاءت الدساتير والإعلانات الدستورية في الجمهوريات العربية مؤمنة للحكم الأوتوقراطي القائم على عدم التوازن بين السلطات لصالح السلطة التنفيذية، بل ومركزة للسلطة في يد رئيس الجمهورية، مع ضعف ومحدودية فعالية المؤسسات السياسية الاقتصادية والاجتماعية من خلال الدور الذي تلعبه النخبة العسكرية (أماني قنديل:184-186). وكان في ذلك إحكاما لمسار النظام الأبوي في السياسة والاقتصاد وتكريسا للسلطة الشخصية، وإن اختلف في اتساع نطاق الفئات الشعبية المستفيدة منه.
وبدأت دول الاستقلال ببرامج الإصلاح الزراعي باستهداف تحقيق التراكم الأولي اللازم لبرامج التصنيع والتوسع في البنية الأساسية والتعليم. واعتمدت الدول استراتيجية إحلال الواردات في عملية التخطيط المركزي. وقد حالفها النجاح في التنمية والتصنيع في السنوات الأولى، ولكن بدأت الأزمة في التهام الإنجازات السابقة، بحكم تطبيق السياسة ذاتها. وتفاقمت أزمة التمويل، التي واجهتها الدول من ناحية بتمويل العجز من خلال التضخم فترتفع الأسعار، أو تقليص الإنفاق العام بتخفيض مستوى الخدمات فينخفض مستوى المعيشة، ومن ناحية أخرى بالاستدانة، ومن ثم مواجهة الأزمة مرة أخرى بعد تفاقمها مع تراكم أعباء خدمة الديون. ومع صدمة الهزيمة العسكرية تصاعدت أزمة تآكل الشرعية الشعبية، حيث لم يعد هناك لا تنمية ولا استقلال. وأطلت المعارضة برأسها، وبدأ تصاعد الحركات اجتماعية سواء بالنسبة للحركة العمالية أو الطلابية، أو المطالبة بالديمقراطية. وكما يقول سمير أمين، فقد برهن المشروع البرجوازي- في ظروف التطور الطرفي – عن استحالة “الاستقلال” الذي استند عليه لشرعنة ديكتاتوريته، ومن ثم دخلت ديكتاتورية النظم في أزمة (سمير أمين (1991): 136). ولجأت الدول إزاء هذه الأزمات المستحكمة إلى التحالف مع الدول الغربية، وتطبيق السياسات الليبرالية الجديدة لمؤسسات التمويل الدولية الخاضعة لها. وتطلب هذا الحلف الجديد، وهذه السياسات، فضلا عن محاولة اكتساب قاعدة جديدة للشرعية، شكلا من الليبرالية السياسية. وهو الشكل الذي ولد محاصرا من ناحية بتراث الأبوية والسلطة المركزية، ومن ناحية أخرى بالتوجس من الفئات المتسعة التي تتآكل مصالحها التي حصلت عليها في المرحلة السابقة في ظل تطبيق السياسات الجديدة. واستمرت الدول في اكتساب شرعية سلطتها من التقاليد وخاصة الإسلامية أو الملكية أو القبلية (سمير أمين (2003)).
ومع ازدياد توجه الاقتصاد إلى الريع، أدت سياسة الخصخصة إلى بيع قطاع هام من مشروعات الدولة، وتوسع القطاع الخاص في مجال المقاولات، ثم تشعبه إلى مجالات تجارية مصرفية وخدمية أخرى، وبدرجة أقل إلى مجالات الإنتاج السلعي في الزراعة والصناعة الاستهلاكية الخفيفة. وتشعب القطاع الخاص إلى ممارسة التوكيلات للشركات الأجنبية، وبخاصة متعددة الجنسية. وصاحب هذا التوسع السريع ممارسات طفيلية أهمها المضاربة على الأرض العقارية، وعمليات السمسرة والوساطة والعمولات، فتفشى الاقتصاد غير الرسمي للطبقات العليا. واشترك كبار موظفي الدولة في أنشطة القطاع الخاص ضمنا، قبل تركهم الخدمة الرسمية، ثم صراحة بعد تركهم للخدمة، وامتدت هذه الممارسات إلى كبار ضباط الجيش والأمن. وزادت علاقات القرابة والمصاهرة من تداخل النخب الاقتصادية والسياسية، كما أصبح للنفوذ السياسي دورا واضحًا في الأنشطة الاقتصادية. ويطلق البعض على تلك الاقتصاديات، اقتصاديات “رأسمالية المضاربة” أو “رأسمالية الاقتصاد غير المنتج”. فمن خلالها تعطي الأسبقية لعلاقات التوزيع وتدفع إلى إقامة اقتصاد توزيعي أكثر منه منتج قيم جديدة (برهان غليون: 127، سعد الدين إبراهيم: 275-277).
وفضلا عن تداخل السياسة مع عالم الأعمال مما يضفي طابعا زائفا على الليبرالية في المجتمعات العربية، فقد اتسمت النخب الاقتصادية في ظل هذا النمط من الاقتصاد بالافتقار إلى الاستقلال الذاتي، حيث لا تعيش إلا خلال ما تقدمه من خدمات مباشرة أو غير مباشرة إلى السوق العالمية. وأصبحت السوق الوطنية تمثل بالنسبة لها وسيلة للتراكم الأولي، الذي يسمح بأن تصبح جزءا فعليا من الرأسمالية الدولية. وأصبح العالم البرجوازي معزولا يستبعد محيطه من العالم الشعبي الواسع الذي يعيش على نمط اقتصادي فقير وتوزيع بسيط، فتفشى الاقتصاد غير الرسمي الفقير. وكان من المنطقي ألا تتحمس فئة بهذه السمات، إلى أي حريات ديمقراطية تصاحب الحريات الاقتصادية المدينين لها بوجودهم. وهم بحكم تبعيتهم للخارج لا يبحثون عن قاعدة اجتماعية حاملة لمشروعهم الليبرالي من داخل مجتمعهم، ويعولون على ضغوط المؤسسات الدولية على الدولة. ومن ثم أصبح التحالف مع الخارج والمتزاوج مع بناء سلطة استبدادية هما شرطان لازمان لبقاء الرأسمالية التابعة نفسها في وجه الاحتجاج الاجتماعي المستمر (برهان غليون: 128، على أومليل، سمير أمين(2003)).
وتواكبت، مع رغبة النظم العربية في التواؤم مع النظم السياسية للحلفاء الغربيين، ضغوط من الدول الحليفة والمؤسسات الدائنة، لتطبيق نمط من الديمقراطية يعني تقليص دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي لصالح النخب الاقتصادية المرتبطة بمصالحها معها، والنخب الثقافية التي تروج لمشروعها الليبرالي وحتمية العولمة الليبرالية الجديدة. وبالطبع لا يشمل تقليص دور الدولة مهمتها في تحجيم فرص الفئات والمنظمات الشعبية للتأثير في القرار الاقتصادي والسياسي ، حيث سيكون هذا التأثير متعارضا مع السياسات الليبرالية الجديدة المفروضة. ولذا كانت التعددية السياسية في هذا السياق، وفي بعض البلدان الانفراجة الديمقراطية، منحة مقيدة من أعلى، يمكن سحبها كما وهبت إذا أسيئ استخدامها. وهكذا استمرت السمة السلطوية مع إعادة التوجيه والانتقال من شكل سلطوي إلى آخر مراقب جيدا (أماني قنديل: 51). بل لقد واكب تعدد الأحزاب، تراجع كبير للوراء في اتجاه النظم المملوكية الأوتوقراطية، والإقصاء الكامل للقوى الشعبية وإمكانيتها للتنظيم المستقل (سمير أمين (2003)). ومثال على ذلك في مصر حيث صدرت في أواخر السبعينيات مجموعة من القوانين القمعية عرفت بالقوانين سيئة السمعة حيث أتاحت الحكم بعقوبة السجن المؤبد في القضايا السياسية، هذا فضلا عن الاستمرار شبه الدائم للحكم بقوانين الطوارئ.
وكان المناخ التسلطي أهم العوامل الموضوعية – إلى جانب أخرى- التي عملت على إضعاف التيارات السياسية والفكرية. وإلى جانب ذلك تكثفت أزمة التيار الليبرالي كنتيجة لعدم وجود قاعدة اجتماعية له نظرا لطبيعة النخب الاقتصادية المشار إليها آنفا. ثم تصاعدت أزمة التيارات اليسارية مع سقوط الاتحاد السوفيتي. وعلى رغم تكثيف المواجهة الأمنية مع تيارات الإسلام السياسي، فإن بعضها امتلك ثقلا في ميزان القوى السياسية، وشكل قوة تفاوضية مؤثرة. ووجدت الأحزاب السياسية دورا لها ضمن اللعبة السياسية التي لم تشارك في وضع قواعدها. وأتقنت مع التجربة ضبط هامش المعارضة في حدود ما تسمح به السلطة، والانهماك في السعي إلى المشاركة في البرلمانات المؤمنة لصالح الحكومة والتي ليس لها دور حقيقي في صناعة القرار. ويلاحظ التفاعل الواضح بين سمات النظام السياسي وسمات الممارسة الحزبية. فرغم المطالبة بالحرية وإدراج كفالات للممارسة الديمقراطية في اللوائح، فإن واقع أمر الأحزاب يشهد بغير ذلك، بما يشكك في مصداقيتها. فمعظم القيادات التي شغلت مواقعها منذ تأسيس الأحزاب، تركز عملية صنع القرار في يدها مع محدودية مشاركة المستويات الوسطى والقاعدية (أماني قنديل: 134). كما يبرز دور الشخص بوضوح في تسيير العمل وفي توفير خطوط الاتصال مع الحكومة.
وهكذا خبرت النخب بمختلف أشكالها أن التغيير لا يأتي إلا من قبل السلطة، وأنه لا يأتي منها سوى بالضغوط الخارجية. وهكذا أصبحت استراتيجية التغيير المتبعة هي محاولة الالتفاف على النظام الأبوي من خلال إثارة الرأي العام العالمي ومراكز النفوذ الخارجية. وكان هذا المنحى الذي سلكه قادة المنظمات غير الحكومية التي تصاعدت في التسعينيات في سياق دعم مؤسسات التمويل والهيئات الدولية لها في سياق التكريس للتحول الليبرالي الجديد، كما سبق وأشرنا.
وإذ يتطابق النموذج الأوتوقراطي العسكري التجاري مع النموذج المملوكي الكمبرادوري الريعي (سمير أمين (2003))، فقد يذكرنا المشهد الثلاثي بين المعارضة والدولة والقوى النافذة في النظام العالمي، بمشهد ثلاثي من القرن الثامن عشر، يوضح تراتبية التبعية و الهيمنة الأبوية بين قادة الحركات الشعبية الساعين لتحقيق مصالح الفئات الشعبية من خلال التوسط لدى السلطة المحلية، ومحاولة الضغط عليها من خلال المركز العثماني المهيمن عليها والمتحالف معها. فهل يمكن للحركات الاجتماعية اختراق هذا المثلث، والانطلاق نحو التغيير بما يتوافق مع مصالح الفئات الشعبية التي يجري انتهاكها؟ وهذا السؤال هو المطروح علينا فيما تبقى من العمل.المحددات العريضة التى عيناها في البداية.
 للمتابعة : الحركات الاجتماعية في العالم العربي
ثالثا: استعراض للحركات الاجتماعية في البلدان العربية
ومع دوران عجلة الليبرالية الجديدة داخل المجتمعات العربية، تثار كثير من التساؤلات حول إمكانية استقرار التوازنات المستحيلة القائمة إلى أبعد من ذلك، وخاصة في ضوء ما تمثله المنطقة العربية من ساحة للأحداث العنيفة. ويشعر المراقبون بأنهم أمام أوضاع يعتريها التغير ، يحس وتسمع أصداؤه يوميا ، وإن كانت عصية على الرصد المتقن والبات. هل ترضي القوى السياسية والاجتماعية عن الدور المحدد لها سلفا بما يعني الانتحار بمعني من المعاني، هل يمكن للفئات الشعبية أن تستقر في وضع القرفصاء إلى أبعد من ذلك، هل آن أوان عودة الغائب؟ (محسن مرزوق).
( 1 ) الحركة العمالية
ساعدت المشروعات الصناعية التي أعطتها الدول بعد الاستقلال أولوية في سعيها لبناء اقتصاد وطني، على إحداث تغيرات في تكوين الطبقة العاملة، لتختلف كيفيا وكميا عن مثيلتها فيما قبل الاستقلال، وهو الأمر الذي انعكس على الحركة العمالية. وإذا كان الاحتلال قد فرض أبعادا وطنية على حركة الطبقة العاملة، فإن وجود الدولة الوطنية بكل خصائصها السياسية كأكبر صاحب عمل، قد ترك بصمته في الجدل بين السياسي والمطلبي والاقتصادي، وبين الجزئي والشامل، وفي علاقة الدولة بالتنظيم النقابي.
وانتهجت بعض الدول العربية سياسات تقضي بإعطاء بعض المكاسب للعمال، مع مصادرة –أو تكبيل- حركتهم المستقلة التي كانت قد قطعت أشواطا فيما قبل الاستقلال، اعتمادا على تنظيم عمالي حكومي مهيمن، وإصدار التشريعات التي تقيد أو تحظر حق التنظيم المستقل، وتسلب أدوات النضال، إلى جانب استخدام الأجهزة الأمنية والعنف إذا لزم الأمر. وكانت الأمثلة الواضحة على ذلك في سوريا ومصر، وإن كانت النتائج التي أسفرت عنها تلك السياسة مختلفة بعض الشيء في البلدين. فقد أدت في مصر إلى محاولة القيادات العمالية الحقيقية الإفلات من الهيمنة الحكومية، وبالتالي أتت حركة عمالية خارج إطار الاتحاد الرسمي، بينما لجأت القواعد العمالية في سوريا إلى الضغط من خلال الاتحاد الرسمي.
وقد بدأت التحركات العمالية الكبيرة – فيما بعد الاستقلال- في مصر في 1968 ليس فقط خارج إطار الاتحاد بل وضد الحكومة. ورغم الدافع الوطني للحركة (محاكمة المسئولين عن الهزيمة العسكرية)، فإن الفترة التي أعقبت 1968، شهدت كفاحًا عماليًا اقتصاديًا اقترنت فيه المطالب الجزئية بالمطالب العامة. و لعب عمال القطاع العام دورًا قياديًا في الحركة- نظرا لتوافر الوعي الأكثر تبلورا وتربية هذه العناصر في ظل المنظمات الشيوعية في الأربعينيات- وكان موقف العمال السلبي تجاه الاتحاد الرسمي واضحا، وقد وصل الأمر إلى طرد ممثلي الاتحاد ورفض التعامل مع النقابة في أحد إضرابات شبرا الخيمة في 1975. أما في سورية، فقد توجه الاتحاد إلى النقابية السياسية بعد تسلم حزب البعث للسلطة في 1963، ورفعه لشعارات منسجمة مع تطلعات العمال. وتحولت الطبقة العاملة إلى شريكة للحكومة، بمعنى أنها متحملة للمسئولية عن الإخفاقات والفشل مقابل بعض المكتسبات. ولازال اتحاد نقابات العمال يمثل حركة ضاغطة. وقد يرجع السبب في ذلك إلى الضغوط من القاعدة العمالية، وتاريخية خطابه المضاد للرأسمالية عابرة القارات، ونشاطه في اتحاد نقابات العمال العالمي، ونشاط بعض العناصر اليسارية داخله. ويثور هنا تساؤل منطقي حول إمكانية استمرار هذا الاتجاه مع أخذ الحكومة لخطوات أبعد في مسار الإصلاح الاقتصادي والسياسي (صابر بركات، كمال عباس، مصطفى مجدي الجمال، سوسن زكزك).
عبرت حالة تونس عن علاقة مختلفة بين الحركة العمالية والدولة، فقد أسفر إدماج الاتحاد العام للشغل في الدولة عن تفاعله مع العناصر الأخرى داخل اللعبة السياسية، حيث أصبح معنيا بتناقضات النظام السياسي وفاعلا فيه. وهو الأمر الذي فتح أمامه المجال ليلعب دورًا تغييريًا أساسيًا في المجتمع بصرف النظر عن مدى استثمار الفرصة. وقد يرجع السبب في ذلك إلى تميز تونس في عهد بورقيبة بوجود واضح لطبقة سياسية طامحة في تداول السلطة، بينما وجد التكنوقراط وثيقي الارتباط بقمم السلطة المركزية في البلدان الأخرى. وصار الاتحاد التونسي للشغل في السبعينيات مجالا يجمع أهم قوى المعارضة، بل مثل أقوى منظمة جماهيرية ذات فروع في كل المدن التونسية. ومن ثم انفرج المجال لتفرض الحركة النقابية برنامجا اجتماعيا للطبقة العاملة يتوافق مع مصالح باقي الفئات الشعبية، ويترافق مع دمقرطة أجهزة الدولة. ولكن انخراط الحبيب عاشور- قائد الاتحاد في ذلك الوقت – في صراعه من أجل خلافة بورقيبة، لم تجعله منتبها إلى هذا الدور، ومنصرفا إلى ما يخدم غرضه فقط. ودفعت القوى المحافظة الاتحاد نحو مواجهة اختارت قانون لعبتها، مما يسر الانقضاض على الاتحاد وتحويله إلى “نقابة المشاركة” مع الحكومة الجديدة في 1987 (محسن مرزوق).
وتعطي السودان نموذجا آخر، حيث أدت المراوحة بين الحكم الديمقراطي المدني والحكم العسكري إلى الانتقالات السريعة للتنظيمات النقابية ما بين قيادة التغيير في المجتمع من خلال العصيان المدني في ثورة 1964 و انتفاضة 1985، ثم إلى المصادرة التامة والانتقال إلى العمل السري مثلما كان الوضع بعد 1970 في ظل حكومة نميري (عثمان سراج الدين).
ولعبت علاقة القوى السياسية بالعمال – اليسار- دورا في بلورة الوعي الطبقي وإكساب النضال العمالي بعدا سياسيا في معظم البلدان العربية. وكان لها أيضا آثار سلبية انعكست في تعميق أزمة استقلال الفعل العمالي من جهة، وفي إقحام الخلافات السياسية بين الفصائل المختلفة داخل صفوف العمال وعلى قائمة أعمالهم، مما أوهن التضامن الطبيعي بينهم وحملهم بصراعات دخيلة. وكان هذا واضحا بصورة خاصة في مصر. أما في الجزائر فقد كان يغلب على العناصر اليسارية الطابع المفرنس. وتواكبت أزمتها مع آثار تطبيق سياسات التكيف الهيكلي لتدخل الطبقة العاملة في مرحلة دفاعية وحالة ضعف أكيدة (صابر بركات، ناصر جابي).
و يكشف ذلك عن أبوية الأنظمة الاجتماعية العربية التي انعكست من جهة في علاقة الدولة الوطنية بالعمال (تحقيق مكاسب ومصادرة الحركة المستقلة)، ومن جهة أخرى في علاقة قوى اليسار بهم (الهيمنة على حركتهم). وقد تتضح الأبوية مرة أخرى في الدور الكبير الذي قد يلعبه الشخص في مسار حركة اجتماعية. ويمكننا التساؤل في حالة تونس عن مدى مسئولية استخدام الرئيس بورقيبة سياسته الفردية لبسط هيمنته على الحزب الحاكم وعلى اتحاد العمال، وبعد ذلك – أو كرد فعل له- الصراعات الشخصية لقادة العمال التاريخيين من أجل خلافة بورقيبة (الحبيب عاشور) في تفويت فرصة تاريخية هامة كان يمكن أن تؤدي إلى مصير مختلف لحركة الطبقة العاملة، بل والبلاد جميعها.

ومع انتقال الحكومات في البلدان العربية إلى تطبيق سياسات التكيف الهيكلي، أطلق نمط محدد للقطاع الخاص من عقاله، في حين أن العمال قد جردوا من أسلحتهم النقابية في فترة تبني الدولة للشعارات الاشتراكية، ومزاعم حماية العمال. وبات العمال محاصرين، وقد أطبقت أضلاع أربعة على حركتهم؛ أولها، طبيعة خصومهم من أصحاب العمل. وهم هجين مختلط الشرائح والمشارب ومصادر الثروة، تسودهم روح المقاولين وينتشر بينهم النشاط غير الرسمي، ولا يحد من شرههم إلى الربح السريع أي قواعد اقتصادية أو قوانين أو قواعد تاريخية في العلاقة بين صاحب العمل والعامل. وأخيرا فإنهم يرتبطون بدوائر الحكم وكبار المسئولين بعلاقات القرابة والمصالح المتبادلة (أحمد ثابت، 2002). وتفتح هذه السمات أمامهم مجالات التلاعب والمناورات وتيسر لهم انتهاك حقوق العمال، و في الوقت نفسه تضع العمال في موقع التهديد والضعف. و ثانيا، تتحفز الحكومات ضد حركة العمال المستقلة، حيث هم من أهم الفئات التي تتناقض السياسات الحالية مع مصالحها، وأكثر الفئات قدرة على التأثير في مقاومة المجتمع لتلك السياسات. وثالثا: أوضاع حلفائهم، فحيث لعبت القوى اليسارية تاريخيا دورا في حركة الطبقة العاملة، فمن المنطقي أن ينعكس ضعف هذه القوى، وأزمتها المرجعية، وتدهور قوتها السياسية، وتضاؤل تأثيرها في المجتمع، على حركة الطبقة العاملة، فقد فقدت هذه القوى كحليف بعد أن تأثرت بالعوامل السلبية فيها.

 ورابعا وأخيرا ما طرأ على الأوزان النسبية داخل الجسد العمالي من تغيير بسبب تكييف الهياكل وتغيير الأنشطة الاقتصادية في المجتمعات العربية. فقد تناقصت نسبة عمال القطاع العام لصالح القطاع الخاص، وانضم إلى صفوف العمال وافدون جدد في الأنشطة المستحدثة (المشروعات الصناعية في المدن الجديدة بمصر مثلا). وبذلك تناقصت نسبة العمال الذين حققوا تاريخا خلال مسيرتهم النضالية، ووعيا وطنيا بحكم نشأتهم في ظل الأنشطة الوطنية، لصالح فئات منقطعة الصلة بالحركة العمالية وفاقدة للمعرفة بتقاليدها وقد نشأوا في ظل القيم الاستهلاكية التي تفشت في الفترة الأخيرة. هذا إلى جانب العمال الذين يعملون دون أي حماية قانونية فيما يعرف بسوق العمل الأسود. ويصاحب هذا التكوين ضعف إمكانية التضامن (كمال عباس).

وعمل هذا الحصار الرباعي على شل الحركة العمالية وتحولها إلى احتجاجات متفرقة ومتباعدة يغلب عليها العشوائية و طابع رد الفعل الوقتي. ويطرح هذا عددا من الأسئلة والمعضلات التي تشغل المهتمين بالشأن العمالي. يتعلق أولها بمشكلة ديمقراطية البنيان وآفاق العمل من خلال الاتحادات الرسمية أو السعي إلى تعدد المراكز النقابية. وإذا كان كثير من النشطاء العماليين في مصر يأملون خيرا في تعدد المراكز النقابية في فك أسر الحركة العمالية المستقلة، وقد حاولوا بالفعل تأسيس منظمات مستقلة عن الاتحاد الرسمي، ولكن حرص الحكومة الشديد على احتلال الاتحاد العام للنقابات (الحكومي) لموقع الممثل الوحيد للعمال، حال دونهم وذلك المسعى (صابر بركات). وفي الوقت ذاته، لم تساعد التعددية النقابية في الجزائر على خروج الحركة العمالية من الوضعية الدفاعية نظرا لأنها أتت والحركة العمالية المطلبية في حالة ضعف أكيدة. وتكمن المسألة الثانية في إمكانية التواصل ونقل الخبرة بين الأجيال المختلفة من النشطاء العماليين. وأخيرا تأتي مسألة علاقة القوى السياسية والمثقفين بحركة الطبقة العاملة، وكيفية حل المعادلة الصعبة للوصول إلى تضامن نضالي تتمتع خلاله الحركة العمالية بقيادتها المستقلة. ويرتبط بها إشكالية أخرى، وهي فك الاشتباك بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والمطلبية لحركة العمال.
وبرزت في الآونة الأخيرة بعض المجموعات التي تتضمن النشطين في مجال حقوق العمال وبعض القيادات التاريخية العمالية وبعض اللجان والمنظمات غير الحكومية. وتركز هذه المجموعات على الدفاع عن مصالح العمال التي يتم العصف بها بتطبيق السياسات الليبرالية الجديدة. وتتمتع هذه المجموعات في البلدان العربية المختلفة بنوع من علاقات التضامن والتنسيق فيما بينها (على سبيل المثال بين مصر والجزائر). ويدور نشاطها في عقد الندوات وإعداد البيانات والنشرات والدعاية حول المطالب العمالية وتقديم العرائض والصياغات البديلة للقوانين العمالية. وتشهد هذه الأنشطة زخما في الفترة الأخيرة، إلا أن فعلها محدود من ناحية بمزاج المثقفين والحقوقيين ذوي التأثير الواضح فيها، ومن ناحية أخرى بضيق الهامش الديمقراطي الذي يتقلص بحدة خاصة في وجه الحركة في المجال العمالي. وهناك اتجاه لدى بعض العناصر الناشطة في تلك المجموعات للارتباط بالحركة المناهضة للعولمة في أوربا، والمشاركة في بوادر الأنشطة المشابهة لها محليا، إلا أن الأنشطة المحلية المناهضة للعولمة بعيدة إلى الآن عن أن تكون أنشطة عمالية بالأساس.
(2) حركة الفلاحين
عمدت غالبية الدول العربية عقب الاستقلال إلى تطبيق برامج للإصلاح الزراعي في إطار بناء مشروع برجوازي وطني. استهدفت منه أولا القضاء على نفوذ طبقة كبار الملاك الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وثانيا، تحقيق فائض يستخدم في تأسيس قاعدة صناعية وفي مشروع بناء الدولة. وتمثل أول إجراءات الدولة في مصر عقب ثورة يوليو مباشرة في إصدار قوانين الإصلاح الزراعي التي بدأت في سبتمبر 1952. وبمقتضاها عين الحد الأقصى لملكية الأراضي الزراعية، وتم توزيع بعض الأراضي على صغار الفلاحين. ولم تتجاوز آثار هذا القانون سوى 7% من ملكية الأراضي الزراعية، وزعت على 5% من أسر الفلاحين العاملين في الزراعة.
وظهرت في مصر في تلك الفترة بعض حركات نضالية فلاحية تقاوم تهريب كبار الملاك للأراضي الزائدة، وتتصدى لمحاولات أغنياء الريف للسيطرة على الأرض. وحدثت مصادمات بين الفلاحين وعائلات كبار الملاك، سقط فيها شهداء مثل صلاح حسين ودسوقي أحمد علي وعبد الحميد غندور وغيرهم. ثم تواطأت أجهزة الإدارة البيروقراطية مع كبار الملاك وسماسرة الاتحاد الاشتراكي ضد المكاسب الضئيلة التي تحققت للفلاح فأفرغوها من مضمونها، وأحالوا الجمعيات التعاونية ولجان فض المنازعات واللجان المحلية التي أنشئت لخدمة الفلاح إلى أجهزة تخدم مصالحهم. وبذلك أصبحت مؤسسات لتعبئة الفائض ونهب الفلاح لصالح مشروع الدولة. وقد حصلت الحكومة في الفترة 60 – 1965 على 11% من الفائض الزراعي من الفلاحين. ومع تعثر عملية التنمية في الستينيات و الانفتاح الاقتصادي حلت بنوك القرية محل التعاونيات في 1976، وتحول الائتمان من خلال الفوائد المرتفعة إلى عبء كبير، أدى إلى تدهور أوضاع الفلاحين. واتسعت هجرة الفلاحين من القرى إلى المدن من ناحية، ولجوئهم إلى دول النفط للعمل من ناحية أخرى، وأدى ذلك إلى ظاهرة ترييف المدن وتمدين الريف.
ومع تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة، صدر قانون تحرير إيجارات الأراضي الزراعية في 1992، الذي سلب المستأجرين حقوقهم بالكامل. وأطلقت الحرية لملاك الأراضي الزراعية في تحديد القيمة الايجارية ومدة العقد منفردين. وانتزعت بناء على هذا القانون الأراضي من حيازة بعض المستأجرين فانضموا إلى العمال الزراعيين أو العمال اليدويين. واكتملت ملامح سياسة التحرير من إلغاء الدعم عن مستلزمات الإنتاج الزراعي، وتحرير سعر الفائدة على القروض الزراعية الائتمانية، وحرمان صغار الملاك مما كان مقررًا لهم من إعفاء ضريبي. وأسفر ذلك كله عن هيمنة مافيا الاستيراد والتصدير والقوى الاحتكارية على مقدرات الزراعة والمزارعين، فتفاقمت معدلات البطالة الريفية وتدهورت أوضاع العمالة الزراعية وعمال التراحيل. وبذلك تحولت علاقة فقراء الفلاحين والدولة وكبار الملاك إلى علاقة صراع وصدام. وبات صغار الملاك يشكلون حوالي 95.8% من الملاك ويملكون 50% من إجمالي الأرض، بينما يمتلك 4% نسبة 30% من الأرض، ويمتلك 0.2% من الملاك حوالي 15% من الأرض.
وفي سياق مقاومة هذه الأوضاع تأسس اتحاد للفلاحين في عام 1983 في إطار حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي. كما نشطت في المجال الفلاحي بعض مراكز البحوث والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الصحفية وبعض الأحزاب. وتلخصت المطالب في عودة الاتحاد التعاوني المركزي ليقوم بدور حقيقي في خدمة الفلاحين، وتأسيس بنك تعاوني لخدمة الفلاحين والتصدي إلى الاتفاقيات مع البنك الدولي، وهيئة التنمية الأمريكية والتطبيع مع إسرائيل.
وبدأت منذ التسعينيات تحركات الفلاحين للمقاومة، وهي تحركات مستمرة إلى الآن. بدأت الحركة بإرسال الشكاوى إلى المسئولين والصحف، ثم جمع آلاف التوقيعات من المستأجرين المضارين، وعقد المؤتمرات الفلاحية (بلغت 200مؤتمر، نظمت معظمها أحزاب المعارضة). ثم وصلت الحركة إلى حد التظاهر والاعتصامات أمام مقار الجمعيات التعاونية وما تخلل ذلك من أحداث عنف. وقد اتسعت التحركات التي تستهدف إسقاط قانون الإيجارات الزراعية منذأواخر 1996 لتشمل أنحاء الريف المصري المختلفة. وقد ازدادت حدة مع بداية تطبيقه، وخاصة في عام 1997 الذي تميز بأحداث عنيفة.
وعملت بعض العوامل على تلطيف حدة التوتر والدفع إلى تمرير القانون والتكيف معه، ومنها عدم وعي الفلاحين بانعكاس القانون على مداخيلهم، وقبول آخرين بالحلول التوفيقية بين المستأجرين والملاك. وكان هناك أخيرا تعتيم إعلامي على تحركات الفلاحين. ورغم الاختلافات بين المحللين حول حجم التحركات الفلاحية أو فاعليتها أو استمراريتها فإن هناك إجماعا على أنها كانت تعبيرا عن فقراء الفلاحين وخاصة العمال الزراعيين (حنان رمضان).
في السودان، تكون أول اتحاد لعموم مزارعي السودان كجسم نقابي في عهد حكومة مايو العسكرية (1967)، وإن كان قد سبقه اتحاد المزارعين بقيادة محمد الأمين، وهو قائد شيوعي بارز، في فترة ما قبل الاستقلال. وكان الهدف من إنشاء الأول هو تمثيله في الاتحاد الاشتراكي (التنظيم السياسي الأوحد). وبناء على ذلك اختفى الدور الذي من المفترض أن يلعبه تجاه الفلاحين. وكان يتكون من الاتحادات الإقليمية واتحادات مشاريع الزراعة المروية في السودان. ومع بداية عهد الحكومة الحالية في 1992 أصبح الاتحاد يتكون من جميع مزارعي الولايات في السودان. وتبلغ عضويته المباشرة 560 عضوًا ممثلين عن الولايات حسب الكثافة الزراعية.
ويعاني الفلاحون في السودان من انخفاض أسعار المحاصيل التي تحددها الدولة، كما تحدد المحاصيل التي يتم زراعتها، مما أدى إلى هجرهم لمهنتهم واتجاههم إلى العاصمة الخرطوم. وتمت خصخصة المشروعات الزراعية في 1992، وتمثل ذلك في التصرف في مرافق القطاع الزراعي، حيث تم التصرف في 20 مؤسسة، وفقد 492 عاملاً وظائفهم من بين 2229 عاملاً. ولم يستطع اتحاد الفلاحين أن يفعل أي شيء حيال ذلك.
(3) حركة المثقفين في إطار الاحتجاج الوطني والمطالب الديمقراطية
عملت الدولة الوطنية على استيعاب المثقفين في المجتمعات العربية داخل مؤسساتها عقب الاستقلال. أولا من خلال الشعارات الوطنية التي رفعتها والتي وجدت صدى واسعًا لدى المثقفين باختلاف فئاتهم، وثانيا بالدعاية حول إتاحة الفرص للإبداع داخل مؤسسات الدولة. وحيث صودرت أطر العمل العام والسياسي المستقلة، فقد انخرط المثقفون في المؤسسات الرسمية الصحفية والثقافية واتحادات الكتاب والفنانين،في إطار المشروع الوطني معبرين في الوقت ذاته عن تلاوينهم السياسية المختلفة.
ومع تراجع المشروع الوطني، بدأت علاقات تحالف الدول العربية مع الغرب التي وصلت في حالات إلى التطبيع مع إسرائيل، وترافق ذلك مع إعلان الحكومات للتعددية في المجالات المختلفة. وإزاء الاتجاهات الرسمية السلبية من القضية الوطنية، وتعاظم النفوذ السياسي والثقافي والعسكري للغرب في المجتمعات العربية، وتراكمات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تجسدت في تدهور حاد في الأوضاع المعيشية، إلى جانب شكلية المنحى التعددي والديمقراطي وفقدان الأحزاب لطاقة المعارضة والمصداقية الكافية لاستيعاب رفض المثقفين، فاتجهوا إلى أنشطة متعددة تعبيرا عن احتجاجهم على السياسات القائمة. وتميزت هذه الأنشطة بأنها متضمنة لكافة الاتجاهات السياسية والفكرية (يسارية – ليبرالية – إسلامية) التي يجمع شتاتها الهم الوطني والمطالبة الديمقراطية. واتخذت أشكالاً جبهوية تجميعية مثل اللجان الوطنية العامة، واللجان داخل النقابات المهنية والمراكز البحثية، بخلاف أشكال التعبير الفردي والكتابة الصحفية المعارضة. واستخدموا أساليب للعمل مثل الكتابة المنتظمة وعقد المؤتمرات والندوات وتنسيق الحملات العامة.
وانطلقت هذه الجماعات من أرضية حقوقية ذات مرجعية سياسية ديمقراطية وطنية. وتناولوا في إطار عملهم موضوعات مثل مقاومة التطبيع مع إسرائيل، ودعم الانتفاضة الفلسطينية والشعب العراقي، والحفاظ على التراث الحضاري والثقافي، وتهديد الثقافة الوطنية، والفساد، وتخريب الانفتاح والخصخصة للمجتمعات العربية، والآثار المدمرة لتبعية المجتمعات العربية للنظام العالمي، وتهديد الولايات المتحدة وإسرائيل للبلدان العربية سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وأزمة الحريات التي تعاني منها المجتمعات العربية (محمد إسماعيل). ويلاحظ أن الحقوق الديمقراطية لم تطلب في حد ذاتها، بل أنها تصاعدت في سياق الصدام مع الحكومات من أجل مطالب أخرى، هي غالبا مطالب وطنية. وهذا يشير إلى أن هناك استعدادًا لقبول الاستبداد لو أتى من قبل نظام وطني (سمير أمين (2003)).
ومن الأمثلة على هذه الأشكال في مصر لجنة الدفاع عن الثقافة القومية (1979)، والحركة الشعبية لمقاومة الصهيونية ومقاطعة إسرائيل (1996)، واللجنة الشعبية المصرية لكسر الحصار عن العراق (1998)، واللجنة الوطنية لأعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية لمواجهة الصهيونية (2000)، واللجنة الشعبية للتضامن مع انتفاضة الشعب الفلسطيني (2000)، واللجنة المصرية للدفاع عن الحريات (1997). كما تشكلت بعض اللجان المؤقتة في مناسبات متفرقة مثل الإضرابات العمالية وهي لجنة الدفاع عن عمال السكة الحديد (1985)، ولجنة الدفاع عن عمال الحديد والصلب (1989)، أو أحداث وطنية مثل لجنة الدفاع عن سليمان خاطر ** (محمد إسماعيل).
وفي سوريا تأسس اتحاد الكتاب العرب في القطر العربي السوري (1969) بمرسوم رئاسي وجمع الأدباء من مختلف المشارب السياسية على أساس المبادئ الثلاثة: القومية والالتزام والتقدمية. ولم يستطع الاتحاد استيعاب حركة المثقفين الضاغطة نظرا لأن اختيار قيادة الاتحاد ورئيسه كانت تتم بقرار سياسي. واتجه المثقفون إلى التعبير عن همومهم الوطنية والديمقراطية بصورة أوضح مع الانفراج السياسي، فشكلوا المنتديات مثل منتدى رياض سيف ومنتدى الحوار الثقافي، والاجتماع الأول للجان إحياء المجتمع المدني ومحاضرات د. عارف دليلة. وشكلوا أيضا اللجان مثل لجنة إحياء المجتمع المدني (2000)، واللجنة الوطنية لمقاطعة البضائع والمصالح الإمبريالية (2000)، ومجموعة نصرة فلسطين، ومجموعة نصرة فلسطين والعراق اللتين تأسستا في مواجهة الأحداث الأخيرة (سوسن زكزك).
وفي السودان شهدت فترة الستينيات والسبعينيات نشاطا مكثفا على المستوى الثقافي وسط الكتاب والأدباء في مقاومة نظام نوفمبر 1958 ونظام مايو 1969 العسكريين. واحتلت الشعارات الاشتراكية المناهضة للاستعمار القديم والجديد الصدارة في هذه الأنشطة. وظهرت الحركة الفكرية في إطار الندوة الأدبية، ودعاوى الغابة والصحراء (كمدرستين فكريتين تبحثان في الهوية السودانية)، بالإضافة إلى النشاطات الأهلية في الأندية والدور الثقافية وعلى رأسها أندية الخريجين والعمال. كما ظهرت رابطة أدباء جامعة الخرطوم. وبدأت إرهاصات فكرة اتحاد الأدباء والفنانين في 1970ثم في 1975، ولكن لم تتجسد الفكرة إلا بعد انتفاضة 1985، ثم صودرت ممتلكات هذا الاتحاد، وحل بعد قيام حكومة الإنقاذ في 1989(عثمان سراج الدين).
ويلاحظ بروز حركة المثقفين الوطنية وسط سائر الحركات الاجتماعية الأخرى. ويرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل منها تاريخية المطالب الوطنية، فضلا عن توافر مفجر دائم لها سواء في التبعية للمراكز الرأسمالية في ظل الاستعمار الجديد، أو في إلى الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني لجزء من الأراضي العربية وتهديده لسائر الأقطار. و يجمع الشأن الوطني كافة الفرقاء من مجالات العمل السياسي المباشر، والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية، وكانت القضايا الوطنية هي الموضوعات الوحيدة التي سمحت بعمل جبهوى وتنسيقي تضافرت فيه جهود النشطاء بالمجتمعات العربية، كما جذب إليه الجمهور غير النشيط.
وهناك أيضا ملاحظات على حجم وعضوية واستمرارية هذه الأشكال من العمل. ويعد كثير منها محدود العضوية، ولا تتزايد العضوية مع الزمن. ويلاحظ العضوية المشتركة لكثير من الأشكال. ويعني ذلك من ناحية أن نفس الأعضاء ينتقلون لممارسة أنشطة متشابهة في لجان وأشكال متعددة، ومن الناحية الأخرى، فإن ذلك يعني أن كثرة الأشكال وتعددها لا يعكس ضخامة إجمالي المنخرطين فيها. وأخيرا يلاحظ أن هذه المجموعات تنشط لفترات مؤقتة وتختفي، أو تجمد نشاطها وتعود للعمل مرة أخرى. وترجع العضوية المشتركة جزئيا إلى نشاط الأحزاب السياسية المعارضة وتنافسها والرغبة في تجميع النفوذ السياسي داخل هذه الأشكال، ومن ناحية أخرى قد يرجع إلى الشخصانية والتنافسات الشخصية. ومن خلال علاقة هذه الأشكال بالأحزاب أو انخراط بعض الشخصيات العامة ذات النفوذ أو المنافذ إلى الدوائر العليا فيها، فإنها تمارس نوعا من الموازنات مع الحكومة، بتحجيم النشاط عند الضرورة، أو عدم تجاوز خطوط معينة في الدعاية أو النشاط.
وأخيرا يلاحظ أن هذه اللجان والمجموعات تشهد زخما وتواترا لأنشطتها مع بداية التسعينيات، وخاصة في الثلاث سنوات الأخيرة. وفي الفترة الأخيرة، ومع تغليظ الاعتداءات على الشعوب العربية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، تحتقن المشاعر الوطنية لدى كافة فئات الشعوب العربية وتختلط بالغضب حيال تدهور الأوضاع المعيشية والمعاناة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة . وتمثل المظاهرات المعادية للولايات المتحدة الأمريكية والمناصرة للشعب العراقي والفلسطيني والمناهضة للحرب أحداثا متكررة في الشارع العربي، وإن اختلف حجمها ومداها من قطر إلى آخر. وتعد استعدادات الشرطة المغلظة بشدة لمواجهة المظاهرات في مصر تعبيرا عن المدى الذي يمكن أن تأخذه حركة الشارع إذا ما فتح أمامها المجال الديمقراطي. ولا يملك المثقفون مع سائر الفئات الشعبية سوى الحركة في المجال الضيق المفتوح أمامهم، ولا تملك الحكومة سوى الحفاظ على الهامش المتاح في أضيق الحدود.
( 4 ) المنظمات الحقوقية و الدفاعية غير الحكومية
بادرت الحكومات العربية بعد الاستقلال إلى حل الجمعيات الأهلية القائمة، واستصدار قوانين جديدة لتأسيس الجمعيات التابعة لوزارات الشئون الاجتماعية . وعملت هذه الجمعيات الجديدة في النشاط الخدمي والخيري (الجمعيات الأهلية ) أو في تعبئة القطاعات الاجتماعية في إطار السياسات الوطنية والتنظيم السياسي الواحد الحاكم (شبيبة الثورة والاتحاد العام النسائي في سوريا، ومنظمة الشباب في مصر). وعبرت غالبية الجمعيات الأهلية عن هيئات غير حكومية، وانسحب عليها ما أصاب الهياكل البيروقراطية للحكومات من ترهل وتمدد ومحدودية الفاعلية. ومع تغير التحالفات السياسية للحكومات العربية باتجاه الدول الغربية، وتحول الخطاب الرسمي إلى الليبرالية، ظهرت أشكال من النشاط الرسمي أو شبه الرسمي في مجالات حقوق الإنسان والمرأة، وهي المجالات التي تصاعد النشاط فيها على المستوى العالمي. وتواكب مع ذلك ظهور بدايات لأنماط من التجمعات الديمقراطية تتلمس طريق العمل في المجالات ذاتها. وكان يغلب عليها المرجعية السياسية الديمقراطية نظرا لانخراطعناصر من القوى السياسية التي انغلقت أمامها مجالات العمل الحزبي. فانصرفت إلى أشكال مختلفة من العمل الجماهيري إما يأسا من إخفاق الممارسات السياسية في ذلك الوقت، أو سعيا إلى استثمار هامش تعدد أشكال العمل. وعرفت هذه المنظمات بالمنظمات الدفاعية أو الحقوقية تمييزا لها عن العدد الهائل من الجمعيات الأهلية التي عرفت تاريخيا.
وفي منتصف الثمانينيات وأوائل التسعينيات حدث تحول في الوضع السابق حيث بدأ تأسيس منظمات غير حكومية للعمل في هذه المجالات مع اختلاف المرجعية، حيث سادت المرجعية الحقوقية الدولية، تواكبا مع الظرف الدولي الذي دفع بهذه المرجعية عالميا إلى موقع الصدارة. ومع انتعاش التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية مع بداية التسعينيات، دفع إلى الساحة بعدد كبير من المنظمات، وثار جدل واسع حول قضايا حقوق الإنسان والنساء والبيئة .. إلخ، وحول العلاقة بين الداخل والخارج وبين المحلي والعالمي وبين السياسي والحقوقي والاجتماعي، ولازال الجدل قائما حتى تاريخنا (يسرى مصطفى). ويلاحظ أن تبني المرجعية الحقوقية الدولية يطعم في كثير من الأحيان بدرجات متفاوتة بالاتجاهات السياسية الإسلامية واليسارية، مع الأخذ في الاعتبار أن الأخيرة تعاني من أزمة مرجعية في الفترة الأخيرة.
وهكذا لعب السياق الدولي دورا بارزا في احتضان ودعم وتعزيز وجود المنظمات والمجموعات الحقوقية الجديدة. وحدث تمايز نسبي في المنظمات غير الحكومية في العالم العربي. فإذ حافظت بعض المنظمات على علاقة مع الطرح السياسي والتحيز للفئات الشعبية، فإنها حرصت على التمويل أساسا من المنظمات الخارجية التي لها ذات الطرح أو القريبة منه والتي تعلن مواقف مضادة لإحدى السياسات الليبرالية الجديدة أو أكثر، وبينما حرصت غالبية المنظمات على تواجد لم يكن متاحا إلا من خلال المنظمات الدولية أو الهيئات التابعة لدول غربية، وهي تعتبر جزءًا من السياسات الليبرالية الجديدة والتوظيف السياسي الغربي لقضايا حقوق الإنسان والمطالب النوعية. وحيث إن العناصر التي سعت إلى تأسيس بعض المنظمات كانت مرتبطة في فترات سابقة بأنشطة الاتجاهات والقوى السياسية، فقد انقسمت بناء على ذلك إلى منظمات أسسها اليساريون وأخرى القوميون والناصريون، وأخيرا ثالثة أسسها التيار الإسلامي (وهو الذي احتفظ بنفوذه وهيمنته بدرجة أعلى).
واعتمدت تلك المنظمات على نفوذ المنظمات الغربية والدولية في خلق هامش من الصراع مع الحكومات القائمة. يوسع من هذا الهامش في بعض الأحيان حرص الحكومات على المظهر الديمقراطي من جهة، ومن جهة أخرى علاقة التبعية التي تربطها ببعض الدول الغربية (على رأسها الولايات المتحدة) التي تفرض من خلال اتفاقيات المعونة بعض الشروط السياسية، ومن أهمها إتاحة المجال للمنظمات غير الحكومية. ويضيق هامش الصراع في غالبية الأحيان من ناحية بسبب حرص الحكومات على الانفراد بكافة أشكال السلطة وحذرها من أي منابر مستقلة للتغيير، ومن ناحية أخرى حرص الحكومات على الرقابة المباشرة على التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية. ويتم من خلال هذا الدور الرقابي فرز المنظمات التي يسمح لها بالحصول على هذا التمويل، والأخرى التي لا ينبغي لها، وذلك وفقا لمدى اختلاف الخطاب عن الخطاب الرسمي وتوافقه مع السياسات المساندة، واتساع الصلة بالجمهور. وكما يتحقق هذا للحكومات من خلال التطبيق الانتقائي للقوانين القائمة بالفعل والتي تخول لها في النهاية كامل الهيمنة.
ففي مصر مثلا، أغلقت منظمة نسائية ترأسها نوال السعداوي، حيث تصاعد خطابها السياسي واتسع جمهورها نسبيا، كما أحيل الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان إلى نيابة أمن الدولة عام 1998 بسبب تعدي المنظمة للخط الأحمر في قضية حقوق الأقباط والتعذيب الجماعي في إحدى القرى بالصعيد (الكشح)، واعتبر ذلك تدخلا أجنبيا في السياسات الداخلية (يسرى مصطفى). و حيث تغلظ الحكومات من القوانين الحاكمة لنشاط المنظمات غير الحكومية في الفترة الأخيرة (قانون 153 لسنة 1999 في مصر)، لم تلجأ هذه المنظمات في هامش صراعها الفوقي مع الحكومات إلى الفئات الشعبية التي من المفترض أنها فئاتها المستهدفة، وإنما اعتمدت على الفضاء العالمي من أجل تحقيق ضغط دولي على الحكومات. وهكذا فإن لم تخضع المنظمات غير الحكومية لعلاقة تبعية مباشرة للسياسة الحكومية، فإنها تخضع – حرصا على استمرارها وبقائها – لفرص التمويل وهامش الوفاق والخلاف بين الحكومة وحلفائها الغربيين من جهة، ولالتزامها بالخطوط الحمراء التي تضعها الحكومات من جهة أخرى.
واستقرت المنظمات في الخطاب النخبوي الذي عزز منه الانتقاد الرسمي لها واتهام القائمين عليها بالعمالة للغرب من أجل محاصرتها ثقافيا وسياسيا في نغمة وطنية ناشز عن سياق الخطاب الرسمي. ويساعد على نفس النتيجة غرابة خطاب المنظمات عن النسيج الثقافي للمجتمعات والذي لا يخرج عن رطانة منظمات الأمم المتحدة في كثير من الأحيان. وأخيرا اتهام القوى السياسية وخاصة الحزبية لها بالنخبوية (رغم أن هذه القوى تعاني الداء ذاته) وبالعمالة. وفي لبنان، استطاعت القوى الطائفية أن تنقض على مواقع العمل الاجتماعي وتروضها لخدمة أغراضها الطائفية (عبد الله محي الدين).
وتشير الدراسات إلى أن تلك المنظمات شهدت دخول جيل جديد من المحترفين – وهم أكثر التصاقا بالمرجعية العالمية- ولا يتفاعلون مع هذا المجال إلا بحكم الوظيفة، وخاصة أن الدخل من هذه الوظائف يؤمن صعودا اجتماعيا واضحا. وهؤلاء بالتالي غير مؤهلين لتحمل الأعباء السياسية لهذا النوع من النشاط. كما أن إدارة هذه المنظمات لا تتمتع بممارسة ديمقراطية واضحة مما جعلها أشبه بمنظمات موظفين وليس محترفين (يسري مصطفى). ومع سيادة دور الشخص المحوري في تسيير المنظمة (يزداد نفوذه مع امتلاكه لعلاقات هامة تيسر للمنظمة الحصول على التمويل وتوفر لها منافذ للدعاية)، ولا تخرج هذه المنظمات عن النمط الأبوي السائد في الثقافة السياسية والعلاقات الاجتماعية.
وفي الفترة الأخيرة، ومع تدهور الأوضاع المعيشية واحتدام المشاعر الوطنية والشحن السياسي ضد مترتبات السياسات الليبرالية الجديدة في حالة من العداء للغرب وخاصة الولايات المتحدة. ظهرت بعض المنظمات المدافعة عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (حق السكن، حقوق الطفل.. إلخ). ونحت بعض منظمات حقوق الإنسان التي تدافع عن الحقوق السياسية والمدنية إلى الانخراط في الأنشطة المعادية للصهيونية وخاصة من خلال المؤتمر العالمي ضد العنصرية الذي عقد عام 2001 في جوهانسبرج (يسري مصطفى).
وتتباين الأنماط المختلفة من المنظمات في موقعها من السياسات الليبرالية الجديدة المعولمة. فتنخرط المنظمات العاملة في مجال حقوق العمال والفلاحين وبعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبعض منظمات البيئة في أنشطة مناهضة لتلك السياسات، كما أنها تشترك في المظاهرات المناهضة للعولمة في أوروبا وأمريكا وغيرها. وصارت منظمات حقوق الإنسان (وخاصة المدنية والسياسية) هي الأبعد عن ذلك المجال حيث لم تكن أنشطة مناهضة العولمة مطروحة على جدول أعمالها.
وفي سوريا، لم يؤد الهامش الليبرالي بعد إلى أفق واضح للتعددية السياسية أو تنوع في أشكال العمل العام، ومن ثم تأخذ علاقة المنظمات غير الحكومية مع الدولة أفقا مختلفا. وقد بدأ تأسيس لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في 1989، وصدرت العديد من البيانات المطلبية بالإفراج عن المعتقلين و إطلاق الحريات العامة وتفعيل الدستور. وصدر تقرير سنوي واحد عن أوضاع حقوق الإنسان قبل أن توجه الحكومة ضربة لهذه الأشكال في 1991. وبدأ العمل من جديد عام 1998 من الخارج وشاركت لجنة عاملة في مجال حقوق الإنسان في كثير من المؤتمرات الدولية والعربية. وضمن سياق حركة المنتديات تشكل المنتدى الثقافي وحقوق الإنسان ولجنة إحياء المجتمع المدني (2000)، والتي توقفت عندما منعت المنتديات عن العمل. وفي عام 2001 أسست جمعية حقوق الإنسان في سوريا، ولكن رفض الترخيص لها. وفي هذا السياق شكلت العديد من اللجان من أبرزها لجنة أهالي المعتقلين ولجنة الدراسات والبحوث (سوسن زكزك).
وفي الجزائر، ومع تفاقم العنف، ركز الخطاب الرسمي على شعارات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، أو ما أطلق عليه الحركة الجمعوية. وفرخ هذا الخطاب عددا هائلا من الجمعيات (80000 جمعية). ارتبطت هذه الجمعيات بالفئات الوسطى الحضرية التي استهدفتها هذه الشعارات. وساعد عديد من العوامل ومنها جو الحرية النسبي (قبل تفشي ظاهرة الإرهاب) والقوانين ذات الطابع الليبرالي المتسامح نوعا، على اتجاه كثير من هذه الجمعيات نحو العمل النقابي المطلبي. وتطرح كثير من الهموم ذات العلاقة الواضحة بالتحولات الاقتصادية الاجتماعية (ناصر جابي).
وارتبطت حركة حقوق الإنسان في السودان ببدايات التحول الديمقراطي في فترة ما بعد 1985، وتأسس في تلك السنة مركز الخرطوم لحقوق الإنسان وتنمية البيئة. وتوقف النشاط بعد الانقلاب العسكري في 1989، وتحول النشاط إلى القاهرة. ومع زيادة الانتهاكات التي حدثت في تلك الفترة لحقوق الإنسان ظهرت أكثر من مجموعة متخصصة في مجال حقوق الإنسان أبرزها المجموعةالسودانية لضحايا التعذيب (عثمان سراج الدين).
(5) الحركة النسوية
تشترك المنظمات النسوية في العالم العربي في كثير من محددات وجودها وسياق نشاطها مع سائر المنظمات غير الحكومية الحقوقية والدفاعية. وهي تتميز عنها في الوقت ذاته من حيث العمق التاريخي لشعارات تحرير المرأة وخاصة عندما ترتبط بالقضايا الوطنية، إلى جانب الصدى الهائل للخطاب العالمي حول تحرير المرأة في الخطاب الرسمي وغير الرسمي واتساع نطاق النسوية الرسمية، وأيضا في ارتباط قضايا النساء بمضمون دعاية التيارات الإسلامية. وقد أعقب مصادرة النظام الأحادي، المنظمات النسائية المستقلة التي بدأت حركة نسائية ذات أبعاد وطنية مع بداية القرن العشرين، تحقيق كثير من المطالب التي طالما دافعت الحركة النسائية المبكرة عنها. وتركز ما تحقق من مطالب في المجال العام من تعليم وعمل، وأهمل ما يتعلق بالمجال الخاص من أحوال شخصية وشئون الأسرة.
وقد نشأت المنظمات النسائية الحديثة على أثر استجابة الدوائر الرسمية للخطاب العالمي حول النساء، والذي تجسد في مجموعة من الأنشطة المرتبطة بالمؤتمرات العالمية. ودخلت إلى هذا المجال من النشاط نشطات من مختلف التيارات السياسية (يسارية – قومية – وفي فترة لاحقة إسلامية) لتؤسس المجموعات النسائية ذات المرجعية السياسية الديمقراطية، وذات الطرح المتميز بربط قضايا النساء بسائر قضايا المجتمع. وانعكس التمويل الأجنبي والدولي (كما هو الحال في سائر المنظمات غير الحكومية) في تضخم هائل في عدد المنظمات النسائية بصورة تعكس تنامي في الكوادر المحترفة، أكثر مما تعني تزايد الاهتمام بقضايا النساء.
وتشكلت في الأحزاب المختلفة أجنحة نسائية أيضا، كما انتظم حول عدد من الشخصيات العامة مجموعات نسائية. وكونت النشطات من كل هذه الأشكال ما يشبه الشبكة المنتظمة من العلاقات أو المجتمع المغلق نسبيا. وينطبق على هذه المنظمات والمجموعات ما ينطبق على المنظمات الدفاعية الأخرى فيما يتعلق بالعلاقة مع الحكومات والفئات الشعبية (جمهور النساء هنا)، ومنظمات التمويل، والمنهج الفوقي في التغيير من خلال السلطة، والأبوية وضعف الممارسة الديمقراطية، والدور الأساسي للشخص.
ويمكن رصد ملامح للاختلاف هنا، يكمن أحدها في أن الحكومات تنتهج أسلوبًا للهيمنة على الحركة يتمثل في الدخول في جسدها مباشرة. ويتضح ذلك في نشاط السيدات الأوائل في المجال النسوي الذي وصل إلى انعقاد قمة نسوية عربية بشكل دوري. وهذا فضلا عن المنظمات النسوية التابعة بشكل رسمي وغير رسمي للحزب الحاكم والإدارة المنوط بها شئون المرأة. وتعمل هذه المنظمات على منافسة المنظمات النسوية الأخرى، بل وإزاحتها على المستوى العالمي والعربي والمحلي والاستئثار بتمثيل النساء. وهي تكرس بالطبع للخطاب النسوي الرسمي وتستخدم المفردات الدينية، والتركيز على خصوصية النساء العربيات والالتزام بالقيم والتقاليد العربية، جنبا إلى جنب مع مفردات الخطاب النسوي الغربي المستخدم في المنظمات الدولية.
وإذا كان لنفوذ خطاب التيارات الدينية المعادي للنساء أثره في تحفيز عدد من النشطات من أصول يسارية للعمل في مجال قضايا النساء، فإنه أيضا حفز عددًا من النشطات الإسلاميات للعمل في المجال ذاته، إما لإبراز الجانب المستنير للإسلام، ونفي ما يروج حوله من موقف معاد للنساء، أو لأنهن اعتقدن في ذكورية الخطاب الديني السائد مما يستدعي دفاع النسويات الإسلاميات عن المرأة المسلمة. وهكذا بدأت في التسعينيات المنظمات النسوية ذات المرجعية الإسلامية.
وإذ ينسجم العدد الأكبر من المنظمات النسوية في إطار النسوية الرسمية والحركة النسوية الدولية والغربية التي تعمل على دمج المجتمعات العربية (وفي العالم الثالث) ضمن المنظومة الليبرالية الجديدة، يوجد عدد غير قليل من المنظمات النسائية التي ترتبط بالمنظمات الدولية المناوئة للسياسات الليبرالية الجديدة. وتنشط في مجال مناهضة العولمة على المستوى العالمي. ومن الأمثلة على ذلك في مصر جمعية تضامن المرأة العربية، ومركز دراسات المرأة الجديدة، وملتقى الهيئات لتنمية المرأة الذي ساهم في المسيرة العالمية ضد الفقر، واتحاد النساء التقدمي، وفي سوريا رابطة النساء السوريات، وفي تونس جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات. ويتميز خطاب هذه المنظمات على المستوى المحلي بتوجيه الأنظار لتردي أوضاع النساء العاملات، وإلى قوانين العمل المجحفة وأوضاع الفقر التي يعاني منها النساء، وأيضا يهتم بالقضايا الوطنية مثل دعم فلسطين والعراق. وتعمل هذه المنظمات أيضا على تسليط الضوء على ما تعاني منه المرأة الفلسطينية في ظل الاحتلال. كما تعبر منظمات إسلامية عن رفض التبعية للغرب، ورفض الخطاب النسوي الغربي، وتعمل على تأسيس خطاب نسوي إسلامي، مثل شبكة الاتصالات الإسلامية، وجمعية المرأة والحضارة في مصر.
(6) الحركات الدينية والثقافية
خلف انهيار المشروع القومي والوطني في البلدان العربية فجوة مرجعية وسياسية ووجدانية لم تستطع أي من القوى السياسية المأزومة حلها. مما ترك الباب مفتوحا على اتساعه لظهور الحركات الدينية. ومع فشل المشروعات القائمة على التفكير العقلاني، وعدم اكتمال دخول المجتمعات العربية في طور الحداثة، كانت الأرض ممهدة لنمو شعبية المشروع الإسلامي المعتمد أساس على رفض الحداثة (سمير أمين (2003)). وشكل غياب برنامج محدد للتغير ميزة نسبية للتيارات الدينية، حيث جنبها أولا الاختلاف بين عناصرها (حيث لا توجد قضايا أو مسائل خلافية)، كما جنبها الاصطدام المبكر مع الدولة. وحدا هذا ببعض الأنظمة إلى تشجيع التيارات الدينية السلامية بغية ضرب القوى اليسارية. وكان ثاني العوامل الدافعة إلى نمو الحركات الدينية انسحاب الدولة عن أداء وظائفها الخدمية مثل التعليم والصحة والتوظيف. مما شكل سانحة للمنظمات الدينية التي انبرت في تقديم هذه الخدمات لدعم نفوذها وتأثيرها بين فئات واسعة من الجماهير (عماد صيام).
ومع تنامي نفوذ التيارات الإسلامية السلامية، استخدم الخطاب الرسمي المفردات الإسلامية للمزايدة عليها والتأكيد على عدم انفرادها بالشرعية الدينية دون الدولة. وأصبح للإسلاميين اليد العليا الأيديولوجية وأصبحوا عنصرا من عناصر القوة. ومهد ذلك لظهور التيارات الجهادية التي لا تربطها هدنة مع السلطة (عزة كرم : 97، 98). وإزاء ذلك تنامى رد الفعل العكسي لدى غير المسلمين الذين سعوا إلى تأكيد هويتهم الدينية والاحتماء بها، حيث تغير وجه الوطن الذي لا يميز في تقديم الحماية على أساس الانتماء الديني. وهو ما دفع البعض إلى بناء حركة دينية مسيحية للدفاع عن خصوصيتهم العقدية وحقوقهم الدينية. وهو ما منح الكنيسة دورا سياسيا باعتبارها معبرة عن المسيحيين ومصالحهم وحقوقهم (عماد صيام).
وقد شهدت مصر في ربع القرن الأخير تصاعد وتجذر كلا الاتجاهين، لدرجة تجاوزت الاحتقان إلى مرحلة الصدام الطائفي في نهاية الثمانينيات. وفجر ذلك صراعا على القوة بين التيارات الدينية والسلطة. وانفرد الإسلاميون بالتمتع بالوزن السياسي والنفوذ الاقتصادي والدعم الاجتماعي من بين كل المعارضين لسياسات الدولة. وسعى الأقباط أيضا إلى مثل هذا النفوذ من خلال قوة الكنيسة أو اختراق الدوائر العليا للسلطة (عزة كرم: 98). وفجر هذا الوضع قضية العلاقة مع الآخر الحضاري (الخارجي) بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية. وبينما قدمت التيارات الإسلامية رؤية سلفية معادية للتحديث والديمقراطية في أن الآخر هو “الغرب الصليبي الملحد الإباحي” الذي يسعى إلى القضاء على الإسلام في كل أرجاء العالم (وخاصة على الثقافة الإسلامية). وقدم الجانب الخارجي على الجانب القبطي بصرف النظر عن مواقفه السياسية على أنه الحامي وطوق النجاة ضد الضغوط الواقعة عليهم، حيث إن هذا الآخر الخارجي ينتمي لسياق ثقافي وحضاري يكرس لحقوق المواطنة والحرية الدينية ويحترمها.
وفي التسعينيات ومع وصول الصراع بين بعض التيارات الإسلامية والدولة مرحلة القتال ظهرت تيارات دينية جديدة ترتكز على المرجعية الدينية في مجالات النشاط العام، وتسعى للتأثير في قطاعات أوسع من الجمهور. وتتميز هذه التيارات (إسلامية ومسيحية) بأنها تهتم بالشأن العام وتطرح قضايا ذات أبعاد سياسية تنموية ثقافية اجتماعية. وتمارس أنشطة ذات طابع جماهيري أو موجهة للجمهور من خلال أطر للعمل الجماهيري. ورغم ارتباط هذه الأطر تنظيمياً أو فكريا بمؤسسة أو ثقافة دينية، إلا أن خطابها السياسي أو الثقافي غير ديني في عمومه.
ويمكن القول بأن هؤلاء النشطاء قد نجحوا من خلال علاقات التعاون والحوار مع بعضهم البعض ومع أبناء نفس جيلهم من الفاعلين في العمل العام على بلورة خطاب فكري وسياسي مشترك يدور حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. وينشط مثل هؤلاء الفاعلين في إطار هذه الأفكار والتوجهات في مصر في عشرات الأطر التي تنتشر في كل محافظات مصر تقريبا. وتتعدد أشكالها بين منظمات غير حكومية ومراكز بحثية غير حكومية وشركات مدنية وصالونات ثقافية وأسر وتجمعات في منظمات نقابية ومهنية وصحف ومجلات حكومية معارضة ومدارس وجامعات ومؤسسات دينية (عماد صيام). ويمكن أن يمثل هؤلاء في دمجهم بين المرجعية الحقوقية الدولية وبين المرجعية الدينية مقابلاً للمنظمات التي تدمج بينهما وبين الأفكار اليسارية، وخاصة فيما يتعلق بالتوقيت الذي انتشرت فيه، والأنشطة والأدوات التي تستخدمها، والاعتماد على التمويل الخارجي. ويبدو أن النمطين يختلفان في سعي المنظمات ذات المرجعية الدينية إلى الانتشار الجماهيري والعمل القاعدي.
و في سوريا، قامت مظاهرات ضخمة في 1966 على أثر جعل أمين الحافظ من الإسلام دينا لرئيس الدولة وليس للدولة. وبعد قمع هذه الحركة استمرت العلاقة المتوترة بين تيارات الإسلام السياسي وبين الدولة. وخفتت حدة المواجهة مع الدولة قليلا مع التضييقات المتلاحقة على اليساريين (مثل الفصل من الدراسة، ومنع السفر، و الاستدعاءات الأمنية). وفتح المجال أمام التيار الإسلامي عبر المساجد واللقاءات الدينية.
واستمر الوضع حتى تفجرت موجة العنف في أواخر السبعينيات، والعنف المضاد الذي ردت به السلطة والذي أعاد ظاهرة قصف المدن، مما شكل ضربة قوية لتيار الإسلام السياسي، وخاصة مع صدور قانون خاص ضدهم يغلظ العقوبة إلى الإعدام. ومع تطور عمليات التفاوض مع إسرائيل نشط التيار الجهادي مرة أخرى من خلال “حزب التحرير الإسلامي” رغم ما وجده من مواجهات، بينما نشط تيار معتدل مستفيدا من الدعم الحكومي خاصة للتعليم الشرعي (سوسن زكزك).
وتنفرد الجزائر بوضع مختلف كيفيا، حيث أدت أزمات النظام المستفحلة إلى ظهور أشكال جديدة من الحركات الاجتماعية التلقائية. تتسم هذه الحركات بعدم التأطير أو ضعفه والنزعة إلى الفعل المباشر واستخدام العنف في بعض الأحيان كأداة تعبيرية. وتركزت هذه الحركات في الأحياء الشعبية في المدن الكبرى. وحملت هذه الحركات فاعلا اجتماعيا جديدا هو شباب المدن والأحياء الشعبية، الذين عبروا عن رفضهم لأوضاعهم المعيشية الفردية والجماعية بلغة سياسية جديدة يغلب عليها الإبهام والغموض، وخطاب كلي لا يفرق بين السياسي والديني والأخلاقي والفردي والجماعي مع نزعة نحو الجذرية في الطرح.
وتحولت هذه الحركات إلى فاعل مركزي في جزائر النصف الثاني من الثمانينيات، وحازت على تأييد كثير من الأوساط الاجتماعية الشعبية، وخاصة بين الشباب. تمركزت هذه الحركات حول القضايا الحياتية مثل السكن والتعليم وأشكال التهميش المختلفة التي تـم التعبير عنها بمفهوم “الحقرة” (hogra مفهوم شعبي رفعته الكثير من الحركات الاجتماعية في الجزائر، وأصبح مستعملا بالعربية والفرنسية دون حاجة إلى ترجمة). وغزت هذه الحركات ميادين لم تكن معروفة للحركات التقليدية (المصنع والجامعة…) مثل الملعب والحي الشعبي ثم المسجد في مرحلة لاحقة.
وكانت هذه الحركات الاجتماعية الشعبية بعيدة في بدايتها عن أي تأطير سياسي. وكان التيار الديني يرى فيها حركات دهماء لا تتوفر فيها درجة النقاء الديني المطلوبة. وصاحب هذه الحركات ظهور الجديد على المستوى الفني كأغنية الراي المتمردة على القيم والسلوكيات الاجتماعية والمنادية بحرية أكبر. ومع الصعود الأقصى لتلك الحركات في أحداث أكتوبر 1988، تم اللقاء التاريخي بينها وبين التيار الديني الجذري المتمثل في بعض تيارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ (دون التيارات الإسلامية الأخرى). ومنح ركوب التيار الإسلامي لهذه الحركة أبعادا لم تكن لها في البداية، مثل الأبعاد الأخلاقية والقيمية الدينية التي يغلب عليها الطابع السلفي. وقاد هذا التيار الحركة نحو مواجهات عنيفة مع الدولة الوطنية وأجهزتها أو مع كثير من القوى الاجتماعية الأخرى. وتولدت حالة العنف التي ساهمت في تفريخ الإرهاب الذي ضرب بقوة بين صفوف أبناء الفئات الشعبية التي مثلت القاعدة لهذه الحركات.
وبعد انحصار موجة الإرهاب منذ 2000/2001 شهدت الجزائر عودة حالات الانتفاضات والتمردات في شكل حركات احتجاجية تشبه الحركة الاجتماعية الشعبية قبل ركوبها من قبل التيار الديني السلفي، من حيث الدور الذي يلعبه الشباب فيها والطابع غير المنظم والاستعمال التعبيري للعنف وإمكانية التكرار والتنقل وشمول أكثر من منطقة ومدينة. وتطرح في الجزائر مسألة استعمال هذه الحركات من قبل قوى سياسية في إطار الصراعات بينها. ويطرح هذا تساؤلا كبيرا في البلدان العربية الأخرى في ظل تواصل فوقية الصراع السياسي وتردي الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من الشعب.
ويتميز الوضع في الجزائر أيضا بظهور حركات ثقافية كبيرة وهي الحركة الأمازيجية. وقد عبرت هذه الحركة عن نفسها في شكل مطالب خاصة بالأبعاد الأمازيجية للثقافة الجزائرية بشكل مزج بين العمل السياسي الحزبي والشعبي وبين العمل العسكري (1963/1964). ولكن أحادية النظام السياسي ومرحلة صعود النموذج الوطني قلصت الخطاب الثقافوي الأمازيجي إلى بعض الجيوب النخبوية. وعرفت أحزاب المعارضة والأشكال الأخرى للحركات الاجتماعية التقليدية (العمالية – النقابية – الطلابية) وجودا لأشكال تعبير أمازيجية.
وتميزت الحركات الاجتماعية التي برزت بقوة في منطقة القبائل بعد الثمانينيات بقوة تأطيرها وتنظيمها النخبوي. وجندت هذه الحركة الفلاح والعامل والتاجر وصاحب العمل في إطار جغرافي محدد لم يتجاوز منطقة القبائل إلا قليلا، حيث استطاع حزباً المنطقة “حزب القوى الاشتراكية” و “حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” ربط المطالب الأمازيجية مع اهتمامات وطنية أوسع في بعض المناسبات. واستطاعت الحركة أن تعبر عن نفسها أيضا من خلال مئات الجمعيات، وأكثر من نقابة عمالية وهي أشكال لم تتعد الوعاء الجهوي الذي انطلقت منه.
ويعتبر العنف الذي شهدته منطقة القبائل 2001- 2002 من إفرازات الأزمة التي تعيشها الحركة الشعبية الثقافية التي فقدت كثيرًا من خصائصها الأصلية كالسلمية وقوة التأطير. وبدلا من الحضور القوى للأحزاب والجمعيات ظهرت أشكال التعبير من خلال حركة العروش ولجان الأحياء. وأخذ مكان الجيل القديم جيل جديد من القيادات من سماته الانغلاق أكثر حول الذات وجذرية الطرح الذي كانت أحد مؤشراته رفض المشاركة في الانتخابات الوطنية والمطالبة بمغادرة قوات الشرطة للمنطقة (ناصر جابي).
(7) الحركة المناهضة للعولمة
امتدت النشاطات المقاومة للعولمة والسياسات الليبرالية الجديدة في المنطقة العربية عبر جهود مختلف الحركات الاجتماعية. وكان للمراكز البحثية غير الحكومية دور في رفع شعارات مناهضة لتلك السياسات. وينطبق ذلك على المراكز العاملة في المجال العمالي مثل مركز الخدمات النقابية (مصر)، أو في المجال الفلاحي مثل مركز الأرض (مصر)، أو في مجال الحركة الطلابية مثل الاتحاد العام للطلبة (تونس)، وفي سياق حركة المثقفين والحركة الوطنية والحقوقية، مثل مركز البحوث العربية و مركز هشام مبارك للمساعدة القانونية واللجان المقاومة للتطبيع (مصر) و المنتديات الثقافية ولجان المقاطعة ودعم فلسطين والعراق (سوريا). وكما أسلفنا، كان للمنظمات النسوية دورا في رفع هذه الشعارات.
أما بالنسبة إلى طرح بديل اقتصادي واجتماعي لتلك السياسات فقد اشتملت أنشطة المثقفين الوطنية وفي المجال الديمقراطي بعض الأبعاد الاقتصادية الاجتماعية. ومن الأمثلة على ذلك ” ائتلاف المصريين ” الذي تأسس في مصر عام 1979. وكان إطار عمل جبهوي من أكثر من مائة شخص منتمين إلى أحزاب ونقابات مختلفة. وقد وجه هذا الائتلاف نقدا شديدا إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي التي كانت تطبق في تلك الفترة. ولكن ومع تنامي الخطاب العالمي المناهض للعولمة، أخذ جزء من نشاط هؤلاء المثقفين الطابع الاجتماعي الاقتصادي بشكل أساسي. وساهم في هذا المنحى دخول أجيال جديدة من اليساريين إلى حلبة العمل العام، إلى جانب الأجيال القديمة التي جدد بعض منها نشاطه.
واتخذت بعض هذه الأنشطة لافتة مناهضة العولمة بصورة مباشرة، وأخذ بعضها الآخر عنوان الاشتراكية. وعلى رغم رفع اللجان التي تدعو إلى مقاطعة السلع والبضائع الإسرائيلية والأمريكية شعارات ضد العولمة، إلا أن أول تجسد لحركة تقوم أساسا على هذا الشعار كان في “الجماعة المصرية لمناهضة العولمة” التي تأسست عام 2002 في القاهرة, والتي أعلنت من خلال اجتماع ضم ما يربو على مائتي شخص. وتستهدف اللجنة النضال ضد كافة السياسات الليبرالية الجديدة الاقتصادية والاجتماعية، وما ينتج عنها من فقر وبطالة وسحب للخدمات والضمانات الاجتماعية. وتنظم هذه اللجنة الحلقات النقاشية التي تمتد إلى الأقاليم، وتصدر الكراسات الشعبية وتنسق الحملات.
ويمكن اعتبار أنشطة بعض مراكز البحوث في نفس الإطار للعمل، وذلك مثل مركز الدراسات والبحوث الاشتراكية في مصر، الذي تأسس في عام 1999 من عضوية تتميز بتواجد واضح للشباب. ويصدر المركز المجلات والكراسات حول موضوعات مختلفة مثل مناهضة الحرب، وقانون العمل الموحد، وقانون الإيجارات الزراعية. كما طبع المركز العديد من الكراسات والكتب المؤلفة والمترجمة عن التراث الماركسي. وفي سوريا انطلقت اللجنة الوطنية لمقاطعة البضائع والمصالح الإمبريالية بعد بيان المثقفين الذي أعلن تشكيلها عام 2000 (محمد إسماعيل، سوسن زكزك).
وبدأت في السنوات الأخيرة محاولات لتنسيق الجهود المتناثرة في مقاومة العولمة الليبرالية في السنوات القليلة الماضية. واشتركت مجموعة من المنظمات في تنظيم مؤتمر على المستوى العربي عقد في مصر في أكتوبر 2001، في مواجهة انعقاد مؤتمر منظمة التجارة العالمية في الدوحة. وحضر هذا المؤتمر إلى جانب ممثلي منظمات عربية من سوريا وفلسطين ولبنان والأردن والسنغال و نيجريا، ممثلين لمنظمات من أفريقيا وآسيا أيضا. ومع مشاركة ممثلي المنظمات القطرية في أعمال المنتدى الاجتماعي العالمي، والمنتدى الاجتماعي الآسيوي والمنتدى الاجتماعي الأفريقي بدأ الالتفات إلى تشكيل منتديات اجتماعية قطرية وإقليمية على المستوى العربي. وجدير بنا أن ننوه إلى أن كل تلك الجهود لم تخرج بعد عن حدود عدد قليل من المثقفين ونشطاء المجتمع المدني.
(1) الحركات الاجتماعية بين القديم والجديد.
يتضح من الاستعراض السابق أن ما يمكن أن يطلق عليه الحركات الاجتماعية القديمة أو الطبقية هي الحركة العمالية والحركة الفلاحية. وما هي في ظروف العالم العربي سوى تحركات واحتجاجات متباعدة، وتتسم بالتشتت وطابع رد الفعل الوقتي والعفوي مما يحرمها فرص التطور إلى فعل مقاوم قوي. أما المنظمات واللجان الدفاعية والحقوقية والنسوية والدينية، فإذا كان يمكن وصفها بالحركات الجديدة نظرا لأنها لا تعتمد على البعد الطبقي (فيما عدا المنظمات الحقوقية العاملة في المجال العمالي أو الفلاحي ولجان مناهضة العولمة ذات الطابع اليساري)، إلا أن معظمها بمعيار السعي إلى تحقيق المطالب من أعلى من خلال أجهزة صنع القرار، وليس السعي إلى إحداث التحول من خلال الهيمنة الاجتماعية والثقافية والتغيير في أنماط الحياة، فهي لا ينطبق عليها هذا الوصف، سوى حالات قليلة من المنظمات النسائية والدينية ومراكز دراسات حقوق الإنسان الناشطة في مجال التوعية والدعاية (Alan Scott : 18) .
( 2 ) النظام الأبوي والعلاقة مع الدولة والسلطة
تتراوح هيمنة الدول على أطر الفعل الاجتماعي ما بين الهيمنة المباشرة، كما في حالة النقابات العمالية في بعض البلدان العربية، حيث إذا أمكن قبول التعددية في أي موقع فإنه يستحيل في المجال العمالي، أو غير مباشرة كما هو الحال بالنسبة للمنظمات واللجان الحقوقية والدفاعية. وحيث لا تسفر الهيمنة سوى عن علاقات صراعية، فإن العلاقة تبدو وكأن زيادة نصيب طرف من الكعكة يخصم من نصيب الطرف الآخر. ويمكن استنتاج ذلك من العلاقة التاريخية بين الدولة والمجتمع المدني في العالم العربي. حيث تشهد فترات ضعف الدولة ازدهارا في المجتمع المدني، والمثال على ذلك في مصر في الفترة التي أعقبت محمد علي حتى ثورة 1919، وفي الفترة التي أعقبت هزيمة 1967 (محمد السيد سعيد: 9). وبينما تراوحت قوة الدولة نسبيا في الفترات المختلة، إلا أن العلاقة الصراعية في سياق الهيمنة ظلت سمة ثابتة. ولا يعني التحايل على السلطة أو محاولة التوسط لديها لتحقيق المطالب انتفاء العلاقة الصراعية، وإنما يعكس ميزان القوة، حيث المجتمع المدني أضعف من الدول الضعيفة المهيمنة.
ولا تنشغل أطر الفعل الاجتماعي بالاستحواذ على السلطة، ولكنها – وكرد فعل للهيمنة الأبوية والعلاقة الصراعية- تنشغل أساسا في صراع على البقاء بالتعامل مع السلطة السياسية باستهداف التغيير من قبلها دائما، وبالصراع معها من خلال الارتباط بمراكز النفوذ في الخارج. ولا يبدو أن هذه الأطر تنتهج السعي لامتلاك مزيد من السلطة الاجتماعية من خلال مراكمة الشرعية الجماهيرية التي تتبلور من خلال تعبئة مساهميها من أجل الدفاع عن الهوية المميزة لهم (أندريه جوندر فرانك: 148). وقد يساهم فى انشغالها بهذا المنحى دون الآخر أنها نشأت على يد عناصر ذات تاريخ في المنظمات السياسية. وأسفر ذلك عن اشتراك الدولة مع القوى السياسية في محاولة استخدام أطر العمل الاجتماعي. ويكون التحدي الأساسي أمام الأخيرة هو كسر أطر الأبوية، وسعيها إلى الاستقواء الذاتي. ويكون ذلك عبر تعزيز مناخ من الديمقراطية المدنية التي تنعكس في علاقات تفاعل ندية مع الحكومة ومع الشركاء الخارجيين ومع التيارات السياسية المختلفة. ويبدو ذلك كخطوة أساسية بالنسبة للحركة العمالية التي تواجه تحدي البحث عن نموذج للتعددية يكون عامل قوة، ويتلاءم مع عفوية الاحتجاجات وضعف الحركة وتشتتها وضعف حالة التضامن بين مكوناتها.ويستدعي الاستقلال الذاتي مستوى من الثقة في الذات، وفي طاقات الجماهير على التغيير والدفاع عن مصالحها.
( 3 ) تحديد الهوية
يترتب على تحديد أطر العمل الاجتماعي لهويتهم عدد من المسائل الهامة، ومنها شعورهم بالحدود الفاصلة بينهم وبين حدودهم وموقعهم كجزء من كل. وهو ما يعني مستوى من الاستقلالية، وهنا يكمن نوع آخر من التحديات أما هذه الأطر التي تمثل علاقات الهيمنة المختلفة عائقا أمام تعيينها للحدود الفاصلة بينها وبين الحكومة من ناحية وبين نشطاء العمل السياسي من ناحية أخرى.
ويثور هنا تساؤل حول مدى ما تحققه هذه الأطر من انخراط منتمين لهوية معينة للدفاع عن مصالحهم. بمعنى أن تكون أطرًا فلاحية أو عمالية بحكم المنتمين إليها، وليس على سبيل المثال مهتمين يدافعون عن مصالح العمال غير المشاركين فعليا. ويمكن هنا الإشارة إلى تراث توسط القادة لدى السلطة للحصول على مكاسب لفئة شعبية ما. ويكمن هنا تحد آخر يتمثل في تطابق الهوية التي يحددها الإطار مع المنتمين إليه، وتدعيم طاقات الجماهير على تنظيم أنفسهم. كما يمكن التطرق أيضا للجدل بين الاحتراف والتطوع، حيث يمثل المحترفون طاقة داعمة للمنظمات، إلا أنهم يحرمونها فرص التحول إلى حركة نضالية مقاومة(وخاصة مع تحولهم إلى موظفين وأصحاب مهن).
وتثير مسألة الهوية قضية ثانية وهي الهوية الوطنية والهوية العالمية. ولسنا هنا بصدد حسم هذا الجدل، ولكن تجدر الإشارة إلى أن اعتبار الأطر المحلية جزءًا من حركة اجتماعية عالمية لا يتعارض مع تمثلها لهويتها الوطنية. وتخول الأخيرة حالة من الندية في التفاعل مع الحركات العالمية، وهي العامل الأساسي لإمكانية القطع مع التراث المتجدد المتمثل في العمل على نقل نماذج من خارج التفاعلات الداخلية، ومحاولة توليفها مع الواقع المحلي.
( 4 ) المضمون السياسي للعمل الاجتماعي
يرتبط الجدل حول هذه القضية، بالجدل حول استراتيجية التغيير لدى الحركات الاجتماعية. وتشير الدراسات حول الحركات الاجتماعية في العالم أنها تصوغ آراءها ومواقفها في مجرى العمل. وتبقى الوصفات المقدمة من الخارج بشأن الاستراتيجية والتكتيك عديمة الجدوى (أندريه جندر فرانك: 149). ويبقى البديل الذي تحمله الحركات لصيقا بالدفاع المرتبط بهويتها. وفي المنطقة العربية، حيث أدى الفراغ الأيديولوجي المترتب على تآكل ثم انهيار مشروعات المجتمعات الوطنية الشعبوية ثم الاشتراكية (القائمة)، إلى حرمان الصراعات السياسية والاجتماعية من أن تسفر عن بدائل ممكنة (سمير أمين(1991)). وبالتالي لا تقدم الأحزاب السياسية بدائل يمكن أن تغذي نضال الحركات الاجتماعية وتؤثر في أفقه. وأصبحت أطر العمل الاجتماعي مواجهة بمطالبة النشطاء السياسيين لها بأداء واجبهم الذي قصروا عن أدائه . وهنا ينشأ تحد مزدوج أمام السياسيين وأطر العمل الاجتماعي. ويواجه السياسيون تحدي طرح بديل حقيقي لمشاكل الواقع وتعاملهم مع أطر العمل الاجتماعي ليس كبديل للعمل السياسي. وينسحب هذا على علاقة التيارات السياسية بأطر العمالية، حيث يقع على عائق السياسيين صياغة علاقة معها تتيح أن يتولى العمال قيادة حركتهم،ومن ثم يكون تفاعلهم مع اليسار (إذا ما حقق مصداقية في الواقع) رافدا لتحذير البعد الطبقي وبلورة الوعي في الحركة. ويواجه أطر العمل الاجتماعي تحدي السعي للاستقلالية في التكريس لتصور للتحول المرتبط بهويتهم، من خلال المزيد من الانخراط في العمل، ومن خلال تأثير هذا العمل في الفضاءات العالمية ليكون له تأثير سياسي واضح. وهو أمر أبعد عن يكون متحققا على نطاق واسع في العالم العربي.
(5) الأشكال التنظيمية ونخبوية أطر العمل الاجتماعي
تتوزع التركات الاجتماعية في المنطقة العربية ما بين تحركات عفوية تلقائية كما هو الوضع بالنسبة للمجال الفلاحي، والعمالي إلى حد ما، حيث يغلب على التحركات طابع رد الفعل الوقتي والتلقائي. وعلى النقيض من ذلك تخضع معظم أشكال العمل الاجتماعي الباقية لتنظيم تراتبي صارم، وفي غالبية الأحيان يلعب الشخص دورًا أساسيًا وبديلا، عن قواعد المشروعية والأعراف الخاصة بالحركة، تسود السلطة الشخصية، وتتسم العلاقة بين القادة والقواعد بالأبوية. وتسود المنافسة في العلاقات الأفقية، التي يتم الارتكان فيها على العلاقات الرأسية. وفي هذا المناخ يندر قبول الآخر ويصعب العمل الجماعي. ويعتبر هذا المناخ من أكثر العوامل المجهضة لتجارب العمل الاجتماعي والعام عموما، حيث يسود ما يمكن تسميته التماهي بالمتسلط، وهو أهم عوائق تغيير علاقات التسلط من أساسها. ويرى البعض أن انخراط بعض العناصر المنتمية إلى المنظمات السياسية (في الماضي أو الحاضر) لعب دورا في نقل هذا التراث إلى أطر العمل الاجتماعي. ويطرح هذا تحديًا يتمثل في القطع مع هذا التراث وغيره من ما هو متجذر في النظام والعلاقات الاجتماعية السياسية.
ولا يعني تواصل تراث عبر حقبة زمنية طويلة، أن المجتمع اكتسب سمات ثقافية لا سبيل إلى تغييرها. وإنما يعني ببساطة أن مراحل تطور المجتمعات العربية لم تتم بالقطع مع الهياكل والعلاقات القديمة والتكريس لأخرى جديدة، وإنما ظلت هذه إلى جوار تلك، تغلب هذه تارة وتلك تارة أخرى، على نحو معيق للتقدم الحقيقي للمجتمعات.
وفي هذا السياق، يبدو أن مجرد تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ليس هو ما يدعو الفئات المضارة للتحرك دفاعا عن مصالحها. وإنما هناك عديد من العوامل المتقاطعة المتفاعلة، ومنها النظام السياسي الاجتماعي القائم على الأبوية والهيمنة والذي يهمش بناءه السياسي وزن الفئات الشعبية، ويقلص من المناخ الديمقراطي، وانسحاب العلاقات الأبوية القمعية و المجهضة للتطور والإبداع ، على كافة العلاقات في تراتبية تبدأ بمؤسسات وأجهزة الدولة و تمر بالأحزاب السياسية وتنتهي بأطر العمل الاجتماعي. وعدم تأهل أو استعداد النخب لدور سياسي أو اجتماعي فعال، وانخراطها في علاقات زبائنية مع السلطة، وافتقادها للثقة في ذاتها و في إمكانية لعب الجماهير لدور مؤثر . وكل هذه العوامل تضغط على المساحة المتاحة لحركة الجماهير المستقلة.
وحيث تنمو الرغبة في الانعتاق في صدور كثير من الفئات بما فيهم النخبة المثقفة، فإن الأفق مفتوح لترسيخ علاقات ديمقراطية، تفتح من خلالها الأفق من خلال العمل الجماعي والحوار وقبول الآخر للقطع مع ميراث العوائق، والانطلاق نحو دور للفاعلين الاجتماعيين يسعى إلى خوض التحديات التي تواجه فاعليته. ولا يعتبر الجوهري في هذه اللحظة أن يطلق على هذا الفعل الاجتماعي الجماعي مسمى الحركات الاجتماعية أو غيره من المسميات، ولكن الشيء الأساسي هو فتح أفق التضامن بين المهمشين من النظام العالمي على المستوى المحلي أو العالمي.
الهوامش
** سليمان خاطر هو جندي مصري، رد على استفزازات الجنود الإسرائيليين له بإطلاق النيران عليهم في عام 1986. وأججت محاكمته من قبل السلطات المصرية مشاعر الغضب الوطنية التي انعكست في حركة واسعة عفوية – وخاصة في بدايتها- للتضامن معه، و شملت القاهرة وبعض المحافظات. وانتهت الحركة على أثر إعلان السلطات المصرية انتحاره في السجن.
قائمة المراجع
– أحمد ثابت (2002)، نخبة رجال الأعمال في مصر، ورقة مقدمة إلى ندوة النخب والمجتمع في العالم العربي، 23- 25 مارس، تيميمون، الجزائر، مركز البحوث العربية (مصر) و مركز الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية (الجزائر)
– أحمد زايد (2002)، النخبة السياسية والاجتماعية. مدخل نظري مع إشارة خاصة إلى تشكيلها في المجتمع المصري، ورقة مقدمة إلى ندوة النخب والمجتمع في العالم العربي، 23- 25 مارس، تيميمون، الجزائر، مركز البحوث العربية (مصر) و مركز الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية (الجزائر)
– أماني قنديل (1995)، عملية التحول الديمقراطي في مصر (1981- 1993)، القاهرة، دار ابن خلدون.
– أندريه غندر فرانك و مارتا فونتيس (1991)، الحركات الاجتماعية في التاريخ العالمي الحديث، في إيمانويل فالرشتاين وآخرون، ترجمة عصام خفاجي وأديب نعمة، الإضراب الكبير، بيروت، دار الفارابي.
– أنور عبد الملك (1983)، نهضة مصر. تكون الفكر والأيديولوجية في نهضة مصر الوطنية (1805- 1892)، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
– برهان غليون (1994)، “الديمقراطية العربية، جذور الأزمة وآفاق النمو”، في برهان غليون وآخرون، حول الخيار الديمقراطي. دراسات نقدية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
– حلمي شعراوي (1999)، المجتمع المدني في الشمال الأفريقي، القاهرة، مركز البحوث العربية، بحث غير منشور.
– حنان رمضان (2003) ، التحركات الفلاحية في مصر، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية.
– سعد الدين إبراهيم (محررا) (1998)، المجتمع والدولة في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
– سمير أمين (1991)، في أطراف النظام العالمي: نهاية التحرر الوطني؟ في إيمانويل فالرشتاين وآخرون، ترجمة عصام خافجي وأديب نعمة، الاضطراب الكبير، بيروت، دار الفارابي.
– ________ (2003)، المنظمات الشعبية في العالم العربي، في سمير أمين وفرانسوا أوتار (محرران)، مناهضة العولمة. حركة المنظمات الشعبية في العالم، القاهرة، مركز البحوث العربية والمنتدى العالمي للبدائل.
– سوسن زكزك (2003)، الحركات الاجتماعية في سوريا، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية.
– سيزار فرنانديز (1995)، خاص لكنه عام: القطاع الثالث في أمريكا اللاتينية، في التحالف العالمي لمشاركة المواطنين (سيفيكوس)، مواطنون. دعم المجتمع المدنى في العالم، القاهرة، منشورات التجمع العالمي.
– صابر بركات (1998)، الحركة الطلابية والعمالية بعد 1946، في عاصم الدسوقي (محررا)، عمال وطلاب في الحركة الوطنية المصرية، القاهرة، دار المحروسة.
– طارق البشري (1983)، الحركة السياسية في مصر 1945- 1952 (مراجعة وتقديم جديد)، القاهرة، دار الشروق، طبعة ثانية.
– عبد العزيز محمد الشناوي (1967)، عمر مكرم ، بطل المقاومة الشعبية، القاهرة، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، سلسلة أعلام العرب، العدد 67.
– عبد الله حنا (2002)، المجتمعان الأهلي والمدني في الدولة العربية الحديثة، دمشق، دار المدى للثقافة والنشر.
– عبد الله محي الدين (2003)، الحركات الاجتماعية في لبنان، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية.
– عثمان سراج الدين و أكرم عبد القيوم عباس (2002)، الحركات الاجتماعية في السودان . ورقة توثيقية تحليلية ، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية.
– عزة كرم (2001)، ترجمة شهرت العالم، نساء في مواجهة نساء. النساء والحركات الإسلامية والدولة، القاهرة، كتاب سطور.
– علي أومليل (1999)، مفهوم الشراكة، بحث غير منشور.
– عماد صيام (2003)، الحركات الاجتماعية في مصر بين المرجعية الدينية والتجاوز الديمقراطي، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية.
– كمال عباس (1998)، الحركة العمالية المصرية الآن. أسئلة رئيسية، ورقة مقدمة في إطار برنامج التنمية البديلة البحثي، غير منشور.
– محسن مرزوق (2003)، الحركات الاجتماعية في تونس. البحث عن الغائب ، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية
– محمد إسماعيل (2003)، حركة المثقفين المصريين في إطار الاحتجاجات الوطنية والاجتماعية، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية.
– محمد عابد الجابري (1984)، إشكالية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي الحديث والمعاصر: صراع طبقي أم مشكل ثقافي؟، في المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت، السنة السابعة، العدد 69).
– محمود مامداني ، المقدمة، في محمود مامداني (محررا)، ترجمة حلمي شعراوي وآخرون، دراسات حول الحركات الاجتماعية والديمقراطية في أفريقيا، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة القومية، تحت الطبع.
– مصطفى مجدي الجمال (2003)، الحركة العمالية في مصر، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية.
– ناصر جابي (2003)، الحركات الاجتماعية في الجزائر بين أزمة الدولة الوطنية وشروخ المجتمع ، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية
– هشام شرابي (1993)، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
– يسري مصطفى عبد المجيد (2003)، حركة حقوق الإنسان المصرية بين الفضاء العالمي والفضاء المحلي، بحث غير منشور ضمن بحث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة، مركز البحوث العربية.
– Alan Scott (1990), Ideology and the New Social Movement, London, Unwin Hyman Ltd.
ملحوظة
 اعتمد هذا العمل مبدئيا على اوراق بحثية اجريت في مركز البحوث العربية بالتعاون مع شبكة من الباحثين؛ وهم الأساتذة ناصر جابي (الجزائر)، ومحسن مرزوق (تونس)، وعثمان سراج الدين وأكرم عبد القيوم (السودان)، وعبد الله محي الدين (لبنان)، وسوسن زكزك (سورية)، وعبد القادر ياسين (فلسطين)، وهاني الحوارني ورياض الصبح (الأردن)، وحنان رمضان وعماد صيام ومحمد إسماعيل ومصطفى مجدي الجمال ويسري مصطفى (مصر).
نشر البحث في كتاب الحركات الاجتماعية في العالم العربي،  الصادر عن مكتبة مدبولي عام 2006، تحرير عزة خليل.