الأستاذ الحسناوي: قراءة تقويمية لكتاب “تازة على عهد الحماية”، لصاحبه د. عبد السلام انويكة


nouiga

التاريخية من خلال: قراءة تحليلية وتقويمية لكتاب “تازة على عهد الحماية: مقاومة القبائل للاستعمار الفرنسي البرانس نموذجا 1912-1956″، لصاحبه د. عبد السلام انويكة

(تابــــع)

ذ.محمد الحسناوي، مفتش تربوي ثانوي/ المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية تازة

 

3 مقومات  البحث التريخي

إن الباحث تخلى بطريقة غير واعية عن لحظة تاريخية أساسية من تاريخ قبيلة البرانس، وهي لحظة تاريخ الحياة اليومية والمعيش اليومي، حيث لم يلتفت إلى سنة 1945، ووطأتها على قبيلة البرانس موضوع مونوغرافية الباحث والتي تميزت بشح المواد الغذائية وموجات الجفاف ووباء الحمى الراجحة والمسماة بـ “عام الجوع” أو “بوهيوف” فكيف عاشت قبلية البرانس هذه المحنة ؟ في ظل سياق عام كانت سمته الأساسية “الشح والندرة؟ وكيف دبرت هذه اللحظة الحرجة من تاريخها؟

– كان على الباحث اعتماد مقاربة “التاريخ التراجعي” أو “الاسترجاعي” للربط بين المجاعات التي عرفها المغرب وإبراز السلوكيات والأنماط الغذائية الجماعية كلما حلت المجاعات الشديدة ولعل أهم هذه السنوات التي وشمت الذاكرة الجماعية برمزية القحط والجوع، ما عرف بعام “الصندوق” وعام “البقول ” “وعام البلوط”…. وعام “البون” وعام “الجوع”..

وكيف كان السكان يلتجؤون خلال هذه السنوات العجاف  إلى “مواد التعويض” حيث يذكر بوجمعة رويان أن الناس التجؤوا إلى أكل نبتة “إيرني” و”الخروب”، “والبلوط” و”الدوم”…..

فاختل النظام الغذائي لدى المغاربة، عامة بما فيهم قبيلة البرانس لذلك كان على الباحث أن يكون استرجاعيا ويناقش على الخصوص المرحلة من خلال الانتقال من “عام البون” إلى “عام الجوع” في إطار جدلية الاستعمار – الجفاف – الأوبئة، وغزو الجراد….. والانعكاسات السوسيولوجية الاقتصادية بقبيلة البرانس .

         وفق ما يسميه Paul Ricoeur  بالواقعة الاجتماعية الشاملة” Fait social total .

لم يتمكن صاحب الكتاب (موضوع القراءة) من اقتحام مجال التاريخ الاجتماعي وتاريخ الحياة اليومية لقبيلة البرانس من أجل استجلاء التمفصلات السوسيو- اقتصادية من خلال المقاربة الاسترجاعية approche regressive التي ستفضي حتما إلى خلخلة المستويات السكونية في البحث التاريخي، وإبراز الأحداث والثوابت (…).

إن غياب الباحث ومروره بمحاذاة هذه الفترة الحرجة من تاريخ قبيلة البرانس تركت هفوة منهجية ومعرفية عميقة، حيث كان عليه وعبر ما يسميه مارك بلوك M.Block “بالتاريخ التراجعي” أو “الاسترجاعي” H. regressive، رصد الآفات البيولوجية (المجاعات خاصة مجاعة 1945 “عام الجوع”، والأوبئة …) اشتداد الجفاف، القحوط، لجوء المغاربة إلى “تعزيز سلوكات غذائية رهيبة” ظهور أغذية تعويضية”.

إنه ومن خلال القراءات المعززة، تتقاطع فكرة Nicola Michel  بخصوص “اقتصاد الكفاف” ومفهوم “اقتصاد القلة” الذي اقترحه احمد توفيق في كتابه “إينولتان”.

من العيوب المنهجية هو الكتابة في اللازمان، ذلك أن الكتابة حول التاريخ الاجتماعي والمعيش وتاريخ الحياة اليومية في ظل هذه العوامل  المتكاثفة (“استعمار، جفاف، جراد، أوبئة، مجاعة) باتت مطلبا أساسيا وأفقا منشودا في مجال التناول المونوغرافي، لذلك وحسب ما يرى د. حبيدة، عندما نكون بصدد التاريخ الاجتماعي والذي لا يخضع لاكراهات التقطيع الزمني الذي يفرضه التاريخ السياسي (وهذا ما أبعد الباحث عن الوقوف عند هذا  المستوى من الاشتغال) فبنية المجتمع المغربي بنية ممتدة في الزمن بوتيرتها الرتيبة وشبه التابثة على مدى قرون عديدة إلى غاية التدخل الاستعماري.

يتضح أن الباحث لم يستفد من التحولات المنهجية التي رافقت توجهات رواد التاريخ الجديد، من خلال ما أورده Braudel  في كتابه ” Ecrits sur l’histoire ” بأن “الحاضر والماضي يضيء كل منهما الآخر” وهو ما ذهب إليه بلورخ block في نظريته التاريخية القائمة على أن الحاضر يفسر الماضي وأن الماضي يفسر الحاضر، في علاقة جدلية تضع الحاضر والماضي في نفس المستوى من الأهمية …. وهذا الربط في عمل الباحث بين الماضي والحاضر يمكن اعتباره الأساس الذي يقوم عليه “التاريخ الإشكالي”.

وبما أن التاريخ الاجتماعي قد لا يخضع للتقطيع الزمني فإنه يسمح باعتماد المقاربة “الاستيعادية” أو الاسترجاعية” تلك المقاربة التي غابت في موضوع الكتاب

وحتى نسعف القارئ وصاحب الكتاب على السواء لبلورة هذا “المنحى الاسترجاعي” حول الكفاف ، والبؤس والجوع، واقتصاد الشح والندرة.

 يمكن اعتماد بعض المراجع منها:

– حول تاريخ الكفاف انظر:

N.Michel, un economie de subsistances, le Maroc précolouial, le caire institut français d’archologie orientale , 1997

–  حول تاريخ الجوع:

B.Rosenberger, société pouvoir et aluimentation , nourriture et précarité au Maroc précolouial, rabat , alizés , 2001.

– تاريخ البؤس : – محمد استيتو، الفقر والفقراء في مغرب القرنين السادس عشر والسابع عشر، وجدة ، منشورات مؤسسة النخلة للكتاب 2004.

إلى جانب:

– البزاز، محمد الأمين، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ، 1992.

– رويان بوجمعة، “مجاعة 1945 بالمغرب”.

–  رويان يوجمعة، وبوهادي بوبكر (تنسيق) المجاعات والأوبئة في تاريخ المغرب، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة ، 2004.

 مستوى المفاهيم:

تتكون المادة التاريخية من وقائع evenements تتميز بكونها متفرقة وطارئة تقع في مدى زمني قصير، يقوم المؤرخ / الباحث بترتيبها في إطار تسلسل زمني وربطها بعلاقات منطقية سببية، فيتم بذلك تركيب وبناء الحدث fait historique وذلك في إطار زماني محدد، وعندما نزيل هذا الإطار الزمني والمكاني سنصل إلى مستوى أكثر تجريدا وتعميما هو مستوى المفهوم التاريخي الذي يمكن توظيفه بالنسبة لأزمنة وأمكنة وحالات مغايرة.

إن المعرفة التاريخية مجال لتداول وتوظيف عدة أنواع من المفاهيم، بعضها من إنتاج المؤرخين وبعضها مأخوذ من ميادين معرفية وعلمية أخرى كالاقتصاد والانتروبولوجيا والسياسة واللسانيات والسوسيولوجيا والطويونيميا، وعلم النفس…

وقد أشار الباحث الحسني الإدريسي إلى أنه من خصائص التاريخ النقدي المنطلق  من تحديد المشكلات التاريخية المراد معالجتها، امتلاكه لمجموعة من المفاهيم التي يعتمدها المؤرخ كأدوات للتفكير والتحليل وقراءة الواقع التاريخي، وميز بين ثلاثة أصناف من المفاهيم التاريخية المهيكلة للتاريخ النقدي وهي:

– مفاهيم مرتبطة بالزمن: الحقبة- العصر – الفترة…

–   مفاهيم مرتبطة بالمجال: الجهة- الإقليم…

– مفاهيم مرتبطة بالمجتمع: الجماعة- القبيلة…

للمفاهيم أهمية قصوى في التفكير التاريخي، فلا تاريخ بدون مفاهيم، إذ بواسطتها يتمكن المؤرخون من تحليل الوقائع وتفسيرها وكشف أنواع الارتباطات والتقاطعات والعلاقات التي تربط بين الأحداث والوقائع المدروسة في إطار إشكالية تاريخية محددة:

 إن دراسة التاريخ انطلاقا من تصور إشكالي / نقدي يفرض على المؤرخ / الباحث استعمال المفاهيم واستثمارها في دراسته، غير أن هذا الاستعمال لا يجب أن يقف عند حدود المفاهيم كمضامين جامدة وقارة بل وكما يرى كل من G.DELEUZE وF.GUATTARI كمفاهيم مفتوحة ومتغيرة بتغير الأنساق والظرفيات التاريخية المدروسة، فلكل مفهوم تارخيه، مما يفرض ضرورة التوظيف الإشكالي للمفاهيم في التاريخ، بمعنى آخر أنه من الواجب على المؤرخ / الباحث النبيه أن يحرر كل مفهوم تاريخي من المضامين الجامدة المتضمنة فيه، وأن يتعامل مع المفاهيم بشكل أكثر انفتاحية وأن يستعملها بكيفية إشكالية حسب ما يراه عبد الله العروي، أي أن يكون المفهوم  حسب LE PELLEC، أداة لطرح المشكلات ومعالجتها ولفتح طرق جديدة للبحث والتنقيب في الموروث التاريخي ومفتاحا لبحث لا نهاية له، ولذلك فإن بناء المعرفة التاريخية لا يتم بدون مفهمة Conceptualisation la ، ومن تم فإنه يتعين على المؤرخ أن يعي حدود هذه العملية الذهنية والفكرية.

تأسيسا على ما سبق ، كيف تعامل / وظف الباحث المفاهيم الأساسية الواردة في الكتاب موضوع القراءة، خاصة مفهومي القبيلة والمقاومة إلى جانب مفاهيم أخرى حضرت بشكل متناثر في ثنايا المؤلف…؟

لمناقشة ذلك، سنقف عند مفهومي القبيلة والمقاومة، بحكم أنهما مفهومين مهيكلين لموضوع البحث/ الكتاب (موضوع القراءة) :

* مفهوم القبيلة:

– أورد الباحث تعريفا للقبيلة بالصفحة 33 لكن وظفه بشكل جامد وساكن  ولم يتعامل معه بطريقة إشكالية وأكثر انفتاحية، فلم يكترث لتوجهات الطرح الإشكالي للمفاهيم الذي يدعو إليه LEPELLEC وعبد الله العروي .

وقد رَكَنَ الباحث إلى هذا التعريف وكأنه تعريف نهائي جامع ومانع، علما بأن مفهوم القبيلة من المفاهيم التي عرفت تعريفات متعددة في حقل الأبحاث الأنتروبولوجية، وإن الإفراط في استعمال هذا المفهوم جعله عاما وغامضا وغير دقيق بل فاقدا حتى لإجرائيته التحليلية، مما دفع Godelier للحديث عن أزمة مفهوم القبيلة.

– فحسب عبد الرحمن الموذن، عندما نريد الحديث عن القبيلة، يجب أن نحدد أية قبيلة نعني؟ يجب التمييز بين المنظور السوسيولوجي والمنظور الايديولوجي لأبناء القبيلة والعوام (حسب بوبريك رحال).

– فالموذن يرى بأن مفهوم القبيلة في مغرب القرن 19، مفهوم تاريخي، قد أصابه ما يصيب المحتوى الفعلي الذي يعبر عنه من تراكمات وتغيرات قد تؤدي بالمفهوم ذاته إلى مستوى من التعقيد يحادي اللبس والغموض، ولتفادي هذا الغموض، لا بد من تدقيق مستويات المعنى الذي يعبر عنه مفهوم القبيلة، الذي يعتبر من المفاهيم المحورية الذي تتقاطب حولها الحياة القروية:

المستوى الأول من اللبس: ينتج عما حملته المصادر التقليدية من معنى قدحي لهذا المصطلح، باعتبار أن المؤلفين التقليديين، من إخباريين ونوازليين وكتاب مناقب وأنساب، كانوا في معظمهم من الحضريين، ومن السائرين في ركاب المخزن فتبنوا نظرة خارجية، سلبية عن القبيلة. تبدو القبيلة هنا كخطر يتهدد الحضارة والدين والدولة لا نعرف إلا القليل وغالبا عن طريق الصدفة عن القبيلة الفعلية، في حياتها اليومية، في تعاملها العادي مع الآخرين والذي لا بد أن يشتمل على التأثير والتأثر، على الصراع والتبادل، على العكس، نصادف القبيلة حينما تتعدى حدود حياتها المحلية، أي عندما تعترض قافلة تجارية، أو تهاجم دولة من قطعان المدينة أو فرقة عسكرية مخزنية. صحيح أننا نصادفها أيضا حينما  تتصدر للدفاع عن جهات مهددة من البلاد كما حدث إبان حرب تطوان. لكن على العموم، يبقى وجه القبيلة في الكتابة التقليدية وجها قاتما يكفينا للاقتناع بذلك أن ننصت إلى أحد فقهاء ق 19  الذين عرفوا بوفرة إنتاجهم النسبية، وشدة انخراطهم في التشهير بسكان البادية: وهو علي السملالي المتوفي سنة 1328 هـ/ 1910، مؤلف مخطوط، “عناية الاستعانة في حكم التوظيف والمعونة” حيث يجمع النصوص الشرعية والاستدلالات العقلية التي تسوغ للسلطان إحداث المكوس، وهو مؤلف صدامي، يبدو ذلك من العنوان الفرعي لمؤلفه والذي حدده هكذا: أو تقول قمع أها الرعونة في غطلاق المكس على التوظيف والمعونة في هذا المخطوط يقرر السملالي ما يلي:

“ولا يخفى أن غالب قبائل الزمان كما هو مشاهد بالعيان متواطئون على الانهماك في العصيان، لا تجد قبيلة في الغالب إلا وهي تحمي أفرادها وتتعصب عليهم، ولا يسمحون  بجريرهم ومذنبهم” (ص : 401) وإذا ما سألنا المؤلف مزيدا من الدقة والتوضيح فإنه يجيبنا هذه المرة بأمثلة خاصة بقبائل بعينها فيقول : “غياتة وايت يوسي أوباش وغوغاء… قاتلهم الله بأنياب الكلاب وحاسبهم أشد الحساب” (ص : 362).

طبعا، الحكم الذي تخلص إليه النصوص التقليدية هو أن القبائل تعيش عيشة جاهلية، وهذا ما يفسر شدة اللهجة التي نلمسها عند السملالي، القبيلة إذا مفهوم مهمش عن واقع محتقر أو متهيب منه. وليس المطلوب تعويض هذه الرؤى الاحتقارية، برؤى تمجيدية إذ هما معا وجهان لنفس العملة الإيديولوجية، وإنما المطلوب الاحتراس من رؤية المصادر التقليدية وإخضاعها لنقد دقيق للدلوف إلى الواقع المحجوب.