الأخصائي النفسي شكوح:” أصبح الإفتاء السيكولوجي عمل من لا عمل له، و”التوحد” موضة “…


chakouh

الأخصائي النفسي نبيل شكوح في حوار مع الوطنية:

“أصبح الإفتاء السيكولوجي عمل من لا عمل له، و”التوحد” موضة  “…

 

نبيل شكوح   أخصائي نفسي، تخصص علم النفس الإكلينيكي ، حاصل على الدكتوراه في علم النفس المعرفي، يسهر على المتابعة النفسية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بجمعية آباء و أولياء الأشخاص بوضعية الإعاقة بتازة، أجرت الجريدة معه هذا الحوار للمساهمة في نشر ثقافة الصحة النفسية و تسليط الضوء على مجالات اشتغال الطبيب النفسي و الأخصائي النفسي وكذا المرجعيات النظرية المحددة لكل توجه.

حاوره: يوسف العزوزي.

 

س1: ما هو الفرق بين “بسيكولوغ” أخصائي نفسي و “بسيكياطر” طبيب نفسي ؟

 

عندما يسمع المتلقي كلمة “علم النفس”  يسقط في خلط جوهري ينغي تصحيحه بين “البسيكولوغ ” (الأخصائي النفسي) و “البسيكياطر” (الطبيب النفسي) .

الأخصائي النفسي – في المغرب- هو خريج  كلية الآداب و العلوم الإنسانية  – في دول أخرى-  كلية علم النفس،  و الطبيب النفسي هو خريج كلية الطب.  من حيث التكوين المرجعية النظرية لهذا الأخير هي علوم الأعصاب، بمعنى أن مقاربته للاضطرابات النفسية مقاربة نورولوجية،  كل مشكل  سببه خلل في اشتغال الدماغ،  و بالتالي يقدم عقاقير تعوض هذا النقص و منه فالطبيب النفسي بلغة أبسط هو من يصف  الدواء، لأن مقاربته تقوم على أن كل خلل في السلوك أو الانفعال أو في الوظائف الذهنية سببها خلل في الدماغ،  فالشخص المكتئب لديه موصل عصبي (طايح أو زايد) و يعمل  العقار الطبي  على ضبط توازن المادة في الجسم .

أما الاخصائي النفسي  فحاصل على “الماسطر” في علم النفس الإكلينيكي، و له مجالات اشتغال منها التربية (صعوبات التعلم) و الاضطرابات النفسية،  و هنا التقاطع مع الطبيب النفسي ، حيث يصف هذا الأخير عقاقير طبية للمصاب بالاكتئاب نفس الشيء بالنسبة للقلق و غيرها .

 في حين تقوم  مقاربة الأخصائي النفسي الغير الدوائية على العلاج النفسي، و يتعلق الأمر بمدارس أهمها إثنتين في نظري؛  التحليلية التي ترجع كل اضطراب نفسي إلى أزمات في الطفولة و عُقد لم يجتزها الطفل بشكل سليم ، و خصوصا أن الكل يقوم على الدوافع الجنسية و على غريزتي  الحياة و الموت -عقدة أوديب عقدة إلكترا- . إذا لم يجزتها الطفل الذي يمر عبر المرحلة  الفموية، القضيبية، الشرجية،  مرحلة الكمون مرحلة النضج الجنسي، تكون مصدر مشاكل لاحقة .. هذه مقاربة .

أنا أشتغل من داخل مقاربة أخرى مختلفة تماما و بعيدة كل البعد عن التحليلية التي تستلزم استلقاء الشخص على الأريكية و البدء في التداعي الحر و خلاله يستطيع المحلل النفسي الولوج إلى عوالم اللاشعور عن طريق استكشافه للآليات الدفاعية و لمشكل من مشاكل النمو و عدم اجتيازه.

 أما العلاج النفسي  المعرفي الذي أشتغل به،  و اندمجنا من خلاله مع السلوكية التي كانت مقاربة مستقلة فأصبحت بمعيتنا مدرسة سلوكية معرفية . حيث أن العلاج السلوكي المعرفي يقوم على مسلمة أساسية؛ هي أن كل اضطراب و كل سلوك  أو كل انفعال سوي أو غير سوي سببه طريقة في التفكير و إدراك الأشياء (بمعنى علاج الأفكار TCC) ، إذا أدركتُ الأشياء بطريقة خاطئة سأنفعل بطريقة خاطئة و بالتالي سأسلك سلوكا خاطئا ،و إذا عدلنا التفكير سيتعدل الانفعال و السلوك . فبالاعتماد على المقاربة المعرفية و استلهام نظرية التعلم عند السلوكية تم تحقيق إنجازات كبرى  انطلقت بدءا من  الاكتئاب و اضطرابات القلق ..

و بعكس المقاربة المقاربة التحليلية المتمركزة حول المحلل النفسي – هو لي عندو السوارت-  تعتمد مقاربة العلاج النفسي على المشكل في شكله الآني و جلساته محدودة و مضبوطة  بتعاقد يحدد نقطة الانطلاقة و المآل و التقييم في كل مرحلة من المراحل .

س2 : ما هي المهام  المحيطة بحقل الاختصاص النفسي ؟

 

لدينا في هذا المجال:  تقويم النطق و المجال الحسي الحركي و صعوبات التعلم و الذاكرة و الانتباه ،  إلى جانب ذلك هناك حقل التربية و الذكاء الذي يتدخل فيه الأخصائي النفسي و يشتغل على الجهاز المعرفي و الكفاءات الذهنية  كالانتباه و الذاكرة و حل المشكلات و تطور اللغة  و الكفاءات المعرفية.

و ترجع شساعة المساحة التي يشتغل عيلها الأخصائي النفسي لأن كل مدرسة عرفت النفس بطريقة خاصة (النفس عند  “التحليلية” و السلوك عند “السلوكية ” و الأفكاربالنسبة “للمعرفية”)

  س 3″ هل يصطدم دور الأخصائي النفسي بالتمثل الاجتماعي لهذه المهمة؟

 

مشكل التمثل الاجتماعي حول زيارة الأخصائي النفسي أو الطب النفسي غير مرتبط فقط بالمغرب بل هو حالة عالمية تضع الشخص الذي يزور الأخصائي النفسي في خانة إنسان دون مستوى الأهلية،  و تربط الاضطراب النفسي بالحمق،  فيحين أن دور الأخصائي النفسي خصوصا زمننا  أصبح ضروريا لمعالجة بعض مظاهر العصر كالاضطراب و القلق و صعوبات التعلم.

 من هنا ينتظرنا في المجتمعات العربية مجهود مزدوج لحل هذا المشكل؛  يتعلق الأول  بالتمثل العالمي الذي يرى بأن التخصص النفسي خاص “بالحُماق” .  و لتجاوز ذلك نتحدث كأخصاء نفسيين عن الاضطراب النفسي و ليس عن المرض النفسي لأن النفسية تضطرب و لا تمرض ، و لأن المريض يرتبط بحالة المرض مقابل حالة السلامة الصحية ، فالإنسان المريض بارتفاع درجة الحرارة يتم تحديده بقياس درجة الحرارة، لكن في الصحة النفسية لا تقدم درجات و لا معيار دقيق ، بل تشتغل في مساحة واسعة تسمى السواء،  عندما نجتازها نسجل الاضطراب ، و لا يعتمد تشخيص الحالة إطلاقا على التخمين .

بل لدينا مرجعين يتمثل الأول  في المراجعة العاشرة (CIM10) لمنظمة الصحة العالمية و المراجعة الخامسة للدليل التشخيصي للجمعية الامريكية (DSM 5) هذين مقاربتين ،و أنا أشتغل بالمقاربة الثانية و التي من خلالها يوجد  للاضطراب مؤشرات إكلينيكية محددة و شروط عالمية  يجب تسجيلها.

و عندما يعبر شخص ب”أنا مقلق” فلا يعني ذلك نفس المعنى الذي يطلقه الأخصائي النفسي و إن كان هناك بعض ملامح التقارب بين المعنى الذي يخلعه المتكلم و مفهوم “القلق” المتعارف عليه علميا  و الشيء نفسه بالنسبة للاكتئاب و الضغط النفسي التي يمكن أن يتلفظ بها الإنسان  دون أن تعني حمولتها العلمية ، و مرد ذلك إلى أننا لا نتوفر على مجتمع  يمتلك لغة ووعيا سيكولوجيين .

 و نحن في الطريق إلى  بلورة هذا المجتمع الذي يعبر الآن  أعضاؤه عن الحالة النفسية بطريقة عشوائية ، و قد يعبر عنها أحيانا ب “أنا ماشي هو هذاك” بخلاف  الدول المتقدمة حيث يوجد وعي سيكولوجي على مستوى إدراك دلالات مفاهيم الاكتئاب و القلق و غيرها .

 يوجد هذا الخلط على مستوى التعريف. و الطاغي في مجتمعنا هو ربط “البسيكياطر” و “البسيكولوغ” بالحمق بالإضافة إلى الرجوع إلى الشعودة و غيرها .

س 4 :ما العمل إذن لتقويم هذا التمثل الخاطئ ؟

 

يمكننا التغلب على  تجاوز ضبابية المفاهيم من خلال دور الأخصائيين النفسيين في  الإعلام و هنا نسجل أن أغلب المتدخلين في الحقل الإعلامي ليسوا من ذوي الاختصاص بما في ذلك أسماءا بارزة  تُنظر للمجال النفسي،  و هذا مشكل في حد ذاته و لذا نسجل بقوة أن الإفتاء السيكولوجي أصبح عمل من لا عمل له (ليس الكل و لكن نسبة كبيرة)

فعندما أتحدث عن “الكوتش” أو التنمية الذاتية…  كتخصصات مؤثثة للفضاء النفسي ، نسجل أن بعضهم  يتدخل  في مجال الاضطرابات النفسية ، (مثلا يطلب كوتشين من مصاب بالاكتئاب بتغيير الجو و السفر) و هذا خطأ فادح.

س 5  ما هو دور الأخصائي النفسي في مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة ؟

 

يجب أن تتوفر مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة على أخصائي نفسي،  بل يجب أن تتوفر كل المراكز الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة على فريق متكامل :  أخصائي نفسي تربوي و مقوم النطق و مختص حسي حركي و مربي متخصص على رأسهم أخصائي نفسي ، لسببين اثنين:  أولهما يتعلق بالشق الانفعالي لتشخيص الاضطراب و هي مناسبة لتسجيل أن تشخيص “التوحد” أصبح موضة في بعض الأحيان أكثر منها فعل إكلينيكي. يعني بأن البعض أصبح معجب بإطلاق كلمة “متوحد” على الأطفال في الوقت الذي يمكن أن يكون المعني بالأمر يعاني من مشاكل أخرى ، و بالتالي يستلزم الأمر  وجود أخصائي  للقيام بعملية التشخيص .

و حول ذلك لدينا اضطرابات نفسية لكل إعاقة، فالصم مثلا لديهم اضطرابات نفسية  خاصة دون  أن يعني ذلك أن الصصم تستتبعه إعاقة بالضرورة .  لكن عدم قدرة المجتمع على التشخيص الجيد تسبب له اضطراب . و للتوحدي كذلك له اضطرابات خاصة به …

و يتعلق الدور الثاني للأخصائي النفسي  في مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة ببناء البرامج ، لأن المربي المتخصص لكي يشتغل يلزمه برنامج  ينجزه الأخصائي النفسي ليتيح تتبع كل حالة على المستوى النفسي .

و تتعلق النقطة الثالثة بتدخل الأخصائي الاجتماعي لأن الأسرة التي تحتضن طفلا من ذوي الاحتياجات الخاصة تعيش مشكلا، حيث يشكل الطفل  نقصا معينا بالإضافة  إلى الشعور بالمسؤولية، و منه فمهمة الأخصائي هو التعامل مع الأسرة و الفريق لتدبير هذه المعطيات .

س 6:  هل تحتاج  المدرسة عموما لأخصائي نفسي؟

 

مثلما يحتاج مركز ذوي الاحتياجات الخاصة إلى أخصائي نفسي ، تحتاج المدرسة إلى أخصائي نفسي،  لأن  التلاميذ قد يعانون من بعض الاضطرابات كالقلق و  كثرة الحركة و صعوبات التعلم (عسر القراءة و عسر الكتابة  و عسر الحساب و…) و المشاكل الأسرية  بالإضافة إلى مشاكل الإدمان و العنف ما يؤثر سلبا على حالتهم النفسية، و دور الأخصائي هو مواكبة هذا الأمر  من خلال تشخيص المشاكل و بناء برامج للتدخل .

س 7: ماذا حول أهلية المشتغلين في خلايا الاستماع في بعض المؤسسات التعليمية للقيام بتدخلات من هذا النوع؟

 

تم إحداث مراكز الإنصات داخل بعض المؤسسات الثانوية، و هنا نسجل المجهود الجبار الذي يبذله الأساتذة و هو مجهود مشكور لأن نسبة مهمة من التلاميذ استفادوا من هذا البرنامج، إلا أنه من الضروري  مأسسة الفعل من خلال تجنب إجراء الإنصات في قاعة الدرس بل في قاعة خاصة تتحول فيها مهمة الأستاذ إلى دور الإنصات باعتماد مرجعية نظرية. و بالتالي يجب تكوينه حتى لا تتحول قاعة الإنصات إلى قاعة الوعظ و هذا خطأ .

 جاء الإنصات  من مدرستي  “كارل روجرز” (الإنصات الفعال) و  “باولو ألطو” التي بنت  نمطا جديدا من المقاربة النسقية  . والإنصات ليس للإنصات لذاته و إنما لتفعيل أدوات يمكن الحديث عنها في تقنيتين هما التلخيص و إعادة الصياغة،  بالإضافة إلى لعب الأدوار ، و لا يجب على المنصت أن يتدخل في مشكل المستمع إليه بل يجب أن يتمتع بالحياد الإيجابي (محايد لكن يتفهم) فالطفل أو المراهق الذي يشكو من المثلية الجنسية لا ينبغي تشجيعه كما لا ينبغي صده بل يجب تفهم مشكلته .

و الحديث عن الأهلية مرتبط أساسا بالتكوين ، فهناك بعض الأساتذة الذي حصلوا على تكوين ذاتي من خلال البحث و القراءة و هناك مبادرات خاصة من طرف بعض المؤسسات التي تستدعي أخصائيين نفسيين للقيام بتكوين للأستاذة في هذا الصدد سعيا لمأسسته .

 وهنا أعود إلى المجتمع الذي لازال يعتبر هذه المهمة مجرد ترف صحي لكن  الأمر أكثر من ذلك و لا أدل على ذلك من دور “تقدير الذات” في المؤسسات التعليمية  الذي تربطه دراسات علمية عالمية بجودة التحصيل الدراسي ، لأن التلميذ الذي يثق في نفسه يعطي نتائج تفوق تلك التي يحصلها عليها تلميذ ذكي لكنه غير مهتم بالمادة حسب ما تعبر عنه عبارات من قبيل (أنا معنديش مع الرياضيات، أنا معنديش مع الفلسفة.. الفرنسية  ) و هذه العبارت كفيلة بتوقيف عمل الدماغ ، و هنا يمكن الحديث عن دور “الكوتش  و التنمية الذاتية و التفكير الإيجابي.

لكن الأشخاص الذي يعانون من اضطرابات نفسية ليسوا من اختصاص الكوتش و هنا أناشد هؤلاء أن يلجؤوا إلى الاخصائي النفسي عندما يدركون أن حالة ما خرجت من مجال تخصصهم، وسيكون هذا دليلا على المهنية و يمكن أن يكسبهم  الثقة .