الفارسي:قراءة في خطاب الملك محمد السادس لشعبه من السنغال


roi_afrique

عبد الرحيم الفارسي

بخطابه من العاصمة السنغالية دكار يكرس محمد السادس توجهه الإفريقي الذي دشنه منذ بضع سنوات بجولات في عدد من بلدان إفريقيا الغربية (مستثنيا موريتانيا). كانت الزيارات في البداية ذات طابع تعارفي، ثم روحي باعتبار ان الملايين من سكان المنطقة يتبعون الطريقة الصوفية التيجانية الموجود ضريح مؤسسها في مدينة فاس المغربية، ومن بينهم من مازالوا يعتبرون أن في أعناقهم رابطة “البيعة” لملوك المغرب. ثم سرعان ما تطور الامر الى تكوين أئمة المساجد والدعاة في المملكة المغربية في مسعى تقول الرباط انه يهدف إلى نشر الخطاب الديني “الوسطي” معتمدة في ذلك على المذهب المالكي السائد في شمال وغرب افريقيا وفي الصحراء الكبرى. تلا ذلك شروع المغرب في الاستثمار ببعض دول المنطقة بالرغم من أن إمكانيات المملكة محدودة. وشملت هذه الاستثمارات والشراكات أسواق المصارف والاتصالات والاعمار والاسمنت.
في خطاب دكار أكد محمد السادس أنه عائد سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا الى القارة التي قال قبل عامين انها لم تعد بحاجة للصدقات من الاستعمار السابق، بل تحتاج لمن يقيم معها شراكة على اساس رابح رابح.
لكن ما كان مفاجئا هو استخدامه لمصطلح “القوة الإقليمية الوازنة” في وصف بلده، هو مصطلح يبدو متناغما مع الوصف الذي دأب مسؤولو الجارة الجزائر على تكراره في نعت بلدهم.
ملك المغرب قال ايضا انه عائد الى الاتحاد الافريقي بعد غياب دام اثنين وثلاثين عاما (كان حينها يدعى منظمة الوحدة الافريقية)، بعد اعتراف تلك المنظمة بجبهة البوليساريو عضوا كامل العضوية فيها.
سيواجه المغرب معارضة شديدة من قبل أنصار البوليساريو، وفي مقدمتهم الجزائر وجنوب إفريقيا ونيجيريا، لتعطيل انضمامه للاتحاد الافريقي، لكن يبدو أن السلطات المغربية أمَّنت لنفسها أغلبية لمساندتها في عودتها. وبعد الاقرار بالانضمام سيصبح المغرب لأول مرة تحت سقف مؤسسة واحدة بجوار ممثلي جبهة البوليساريو وفي مواجهة مباشرة مع مندوبيها.
البوليساريو بقيادتها الجديدة بعد رحيل زعيمها محمد عبدالعزيز لن تكون لقمة سهلة، فخطابها تصعيدي والمراقبون يصفون الفريق الممسك بإدارتها بأنه جناح الصقور.
تحدث ملك المغرب عن تنمية أقاليم الصحراء ضمن مشروع رصدت له الحكومة المغربية حوالي سبعة مليارات دولار أمريكي، وذلك بهدف تأهيل المنطقة بالبنى التحتية التي يمكن أن تجعلها منطلقا أو على الأقل معبرا نحو الاسواق الافريقية، وقد يكون ذلك عبر خطوط بحرية تنطلق من الاقليم نظرا للبرودة في العلاقات بين الرباط والحكومة الموريتانية الحالية، وهو ما قد يؤثر سلبا على ميناء انواذيبو، الشريان الاقتصادي في شمال موريتانيا.
اختيار محمد السادس مخاطبة شعبه من السنغال لا ينظر اليه الكثير من الموريتانيين بعين الارتياح، سواء أكانوا من أنصار البوليساريو، أو حتى من لهم مصالح ووشائج خاصة مع المغرب…
فالسنغال تظل مصدر قلق لموريتانيا نظرا لمخاوف من محاولات تغيير البنية العرقية في البلاد لصالح السود على حساب “البيضان” المكونين من قبائل ذات أصول أمازيغية وعربية. فالحدود بين البلدين مفتوحة و مترامية الأطراف على مستوى نهر السنغال الفاصل بين المستعمرتين الفرنسيتين السابقتين. كما أن بعض تنظيمات السود المتطرفة تسعى إما للانفصال عن موريتانيا أو قلب التوازنات العرقية في الحكم والثروة.
لقد كسر الملك المغربي العرف باختياره الحديث مع شعبه من عاصمة بلد آخر، وهو إجراء يتخذ في الغالب إبان الحروب أو في حال وجود حكومات منفى كما كان الشأن مع الجنرال شارل ديغول حين كان يخاطب الفرنسيين من العاصمة البريطانية لندن أثناء احتلال ألمانيا النازية لفرنسا في الحرب العالمية الثانية.
إن هذه الخطوة قد تؤشر إلى سعي المغرب للانتقال نحو تسريع انتشاره الإفريقي بعد انتهاء الشغب السياسي والأمني الذي كان الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي يمارسه في القارة السوداء، معتمدا على خزائن الدولار وشراء الولاءات الذي كان يمارسه، وإثر تراجع النفوذ المصري في أعقاب الترهل الذي لحق النظام خلال الفترة الأخيرة من حكم الرئيس محمد حسني مبارك، ثم الثورة التي تلته والأحداث التي أطاحت بالرئيس محمود مرسي وجاءت بالرئيس عبدالفتاح السيسي.
خلال فترة الثمانينيات كانت الجزائر اللاعب العربي الأمازيغي الأبرز في معظم إفريقيا الغربية والصحراء الكبرى بدون منازع. لكن العشرية الدامية جعلتها تنكفىء شيئا ما على نفسها.
وفي الولايتين الأوليين للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة (بدأت في عام 1999) وما تخللها من مصالحة وطنية تحت شعار (الوئام المدني) شهدت القارة السمراء عودة قوية للجزائر، لكن يبدو أن تقدم بوتفليقة في السن والمرض الذي ألم به، إضافة إلى انقسامات غير مسبوقة في أجنحة الحكم وتراجع عائدات النفط والغاز كلها أمور ذاتية لم تلعب لصالح استمرارها في القيام بنفس القوة بالدور الذي كانت تضطلع به. بل إن المغرب شرع في “مزاحمتها” في ملفات جيوسياسية حساسة لها، من بينها أزمة مالي. فقد شاركت الرباط في تسهيل العمليات العسكرية للأمم المتحدة التي قادتها القوات الفرنسية ضد تنظيم القاعدة هناك، فضلا عن لعبه دور الوساطة في مرحلة أولى بين حكومة باماكو وفصائل من المتمردين الطوارق.
الشيء ذاته لعبه المغرب في استضافة بلدة الصخيرات لمحادثات المصالحة بين الفرقاء الليبيين، والتي انتهت بما يعرف باتفاق الصخيرات. بالتأكيد هناك من اعتبر ذلك “تجاوزا” في حق الجزائر التي لها حدود برية مع البلدين المضطربين.
يقدم المغرب نفسه للمستثمرين الغربيين على أنه بلد مستقر وشريك “ذو مصداقية”. وبناء على ذلك استطاع أن يستقطب عددا من شركات صناعة السيارات (رونو بوجو ستروين ومرسديس)، وصناعة الطائرات وصناعات أخرى. لكنه بدأ يسعى لكي يتحول إلى منصة تسويق نحو إفريقيا الغربية، ولم لا افريقيا الشرقية أيضا.
وقد يستفيد في السنوات القليلة المقبلة من العثور المحتمل بقوة على آبار للغاز الطبيعي والنفط اللذين يضغطان بقوة على فاتورة الطاقة التي يدفعها بمليارات الدولارات سنويا.
هذه الأحلام التي تخامر الحكم في المغرب تواجهها تحديات اجتماعية داخلية قوية، أبرزها أزمة البطالة والتفاوت بين منطقة وأخرى، إضافة إلى عوائق الإدارة والحكامة.
فهل يجد المغرب في إفريقيا متنفسه الجيوسياسي وذراعه الاقتصادية بعد أن ضاق به محيط إقليمي مغلق في وجهه من الشرق والجنوب

المصدر : عدن لنج