الدكتور سعيد عدي لأجيال بريس:منطقة الصحراء عرفت حركية اجتماعية وسياسية تستحق أن تحظى بنصيبها من البحث والدراسة صيانة لتاريخنا المغربي المشترك وحفظا لذاكرتنا الجماعية.


حاوره محمد العشوري.

انسجاما مع التوجهات والمبادئ التي سطرها مختبر البحث في العلاقات الثقافية المغربية المتوسطية جاء تنظيم الملتقى العلمي السنوي لمدينة تازة في نسخته الحالية والذي تميز بتنظيم ندوة علمية دولية في موضوع:”الأعرافوالأوفاق القبلية في تاريخ المغرب”.

عرفت الندوة مشاركة فعاليات دولية ووطنية قدمت من مختلف ربوع المملكة، ولعل جهة الصحراء كانت من أبرزها ممثلة في مركز الصحراء للدراسات والأبحاث الميدانية؛ جريدة أجيال بريس إلتقت ممثل هذا المركز الباحث سعيد عدي وأجرت معه الحوار التالي:

س: إذا طلب منكم التعريف بمركزكم ماذا تقولون؟

ج: مركز الصحراء للدراسات والأبحاث الميدانية مركز ناشئ رأى النور بفضل تظافر جهود نخبة شابة من أبناء إقليم آسا-الزاك بهدف تعميق البحث في التاريخ الجهوي للمناطق الصحراوية وثقافتها من خلال البحث الميداني الذي نعتبره أساسيا ومهما للدراسات العلمية الجادة والرصينة في ظل النقص الحاد الذي تعانيه هذه المناطق على مستوى المؤسسات الجامعية، وقد ضم المركز باحثين من مختلف المشارب العلمية، فاتحا أبوابه في وجه الجميع كل من موقعه.

س: ماهي ارتساماتكم وأنتم تشاركون في أشغال النسخة الحالية لملتقى تازة؟

ج: في البداية لابد من التأشير على مسألة أساسية؛ هي أن مركزنا يقاسم مختبر البحث في العلاقات الثقافية المغربية المتوسطية أهدافه العلمية الجادة في تنوير ما طالته العتمة من صفحات مشرقة في تاريخنا المجيد، وصون ذاكرتنا المشتركة، عبر الولوج إلى المعرفة التاريخية من زوايا متعددة ورؤى متجددة، حيث شكلت تيمة”العرف” مدخلا من مداخل هذه المعرفة ووجها من أوجه تجلياتها.

وإذ نعبر عن اغتباطنا بالمشاركة في أشغال هذه الندوة الدولية الهامة؛ لن يفوتنا أن نجزل شكرا لرئيس المختبر الدكتور لحسن أوري الذي يعود له الفضل في إشراك الطلبة والباحثين المنحدرين من المناطق الصحراوية وتحفيزهم على اقتحام موضوعات لا يزال البحث بشأنها بكرا،وإدماجهم في مختلف التكوينات والقضايا الوطنية من أجل صيانة ذاكرتنا الجماعيةوالارتقاء بالبحث العلمي الرصين إلى المراتب العليا والدرجات الفضلى.

س: نعلم أن التشريع العرفي لم يعد ساريا لذى الكثير من الشعوب، وقد حلت محله القوانين والدساتير والمؤسسات التشريعية والقضائية، ماهي الأهمية التي احتفظ بهاالتشريع العرفيلزمننا الراهن؟

ج: إن التوظيف العلمي للنص العرفي قد انفتح على مختلف التخصصات العلمية كالتاريخ والسوسيولوجياوالعلاقات الدولية والقانونوالفقه واللغة.. سواء كان على شكل دواوين أو على شكل ألواح،بهدفتقنين العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل المجتمع المغربي.ففي المحصلة تمكننا دراسة الأنظمة العرفية من معرفة القواعد والمتغيرات التي حكمت العلاقة بين الأفراد والجماعات،سواءفيما بينها أوفي علاقتها بالمجال والسلطة المركزية على مر العصور.إذ تجاوزت وظيفة النص العرفي ذلك إلى كشف العلاقة بين الأجيال من خلال رصد تطور المنظومة العرفية في تاريخ المغرب، ونجحت بعض الدراسات في إثبات ما للتشريع العرفي من أهمية لدراسة خصوصيات المجتمع المغربي؛ مثل الدراسة التي أنجزها محمد العثماني حول ألواح جزولة، ودراسة أحمد التوفيق حول “إنولتان” بمنطقةالأطلس الكبير،والدراسة التي أنجزها محمد إحدىلأعراف الجنوب -آيت شاكر بمنطقة الرتب- وغيرها من الأبحاث التي شكلت حافزا باعثا على إنجاز دراسات متكاملة حول العرف بوصفه كماأسلفت مدخلا من مداخل المعرفة.

س: هل تميز العرف عند القبائل الصحراوية بخصوصية معينة؟

ج: لقد شكل البحث في تاريخ الأعراف القبلية بالمجتمع البدوي الصحراوي أمرا بالغ الحساسية لما لها من خصوصيات اقتصادية واجتماعية وسياسيةأرخت بظلالها على تاريخ الزمن الراهن، فاستقرار هذه القبائل في المناطق الهامشية وبعدها عن المركز كان محفزا لها على تفعيل العرف استنادا إلى النص الشرعي (حسب اجتهاد الفقهاء)، ولم تكن تعيش حالة سيبة أو فوضى سياسية؛ بل عرفت كيف تقنن العنف وتنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع والعلاقة بين القبيلة والسلطة من جهة، والآصرة بين القبيلة والمجال من جهة أخرى.فمنطقة الصحراءلم تكن ذلك الفضاء المقفر المتسم بالجمود، بل عرفت حركية اجتماعية وسياسية تستحق أن تحظى بنصيبها من البحث والدراسة.

س: ذكرتم أن أقاليمنا الصحراوية تعاني نقصا على مستوى المؤسسات الجامعية، ما سياق ذلك؟

ج: بالفعل؛إن المناطق الصحراوية في حاجة اليوم إلى بلورة مشاريع علمية متكاملة المرافق والتخصصاتإنصافا لتاريخها العريق ولساكنتها الآخذة في الازدياد المضطرد، فجامعة ابن زهر التي تم إنشاؤها في الثمانينيات تعد القطب الجامعي الوحيد في مجال يمتد من سوس إلى آخر نقطة في مجال الصحراء المغربية،وهذا المجال شاسع جدا يشكل ثلثي مجموع مساحة التراب الوطني، ومعلوم أن الطلبة المنحدرين من الأقاليم الجنوبية يقصدون بالدرجة الأولى هذه الجامعة لمتابعة دراستهم، مما جعل عدد المسجلين يفوق عشرات المرات الطاقة الاستيعابية للكليات التابعة لها (114 ألف طالب حسب إحصائيات موسم 2015-2016)الأمر الذي تمخض عنه اكتظاظ فظيع للطلبة داخل المدرجات لاسيما في كلية الآداب والعلوم الإنسانية وكلية الحقوق.

وحتى لا نبخس الناس أشياءهم؛ فقد أنشئت في الآونة الأخيرة بعض الكليات والملحقات الجامعية في كل من كلميم والسمارة والعيون .والداخلة، لكنها ذات استقطاب محدود جدا سواء من حيث الإمكانيات أو من حيث طبيعة التخصصات التي تتيحها، وهذا جعل الأمر يتفاقم سنة بعد أخرى.فالوضع الحالي ليس سليما ولا معقولا خصوصا مع اكتمال النصاب القانوني الذي نصت عليه قوانين إنشاء الجامعات بالمغرب من حيث المساحة والكثافة السكانية، ولم يعد مقبولا فرض الحظر على التعليم الجامعي بالصحراء لدواع أمنية. نطالب بإنشاء جامعة قائمة الذات، وتأسيس دور الأرشيف وفروع للخزانة الوطنية،وتشجيع مراكز البحث، ودعم حركة التأليف حول الصحراء؛ صيانة لتاريخنا المغربي المشترك وحفظا لذاكرتنا الجماعية. ثم إنه قد صار لدينا جيل من المثقفين والدارسين والأكاديميين القادرين على قيادة البحث العلمي بالصحراء إسوة بباقي المناطق والجهات.

علاقة بقضية الصحراء المغربية وبناء على الخطب الملكية الحاثة على تظافر جهود كل المغاربة لصد كل محاولات خصوم الوحدة الترابية، بما أنك إبن الأقاليم الصحراوية كيف يمكن توظيف البحث العلمي للدفاع عن القضية الوطنية الأولى؟

أبدي تحفظي أولا عن استعمال عبارة “الوحدة الترابية” حتى لا نسوق للخارج والداخل هوسنا بامتلاك الحجر بدل البشر فالصحراء جزء من الوطن وسكانها مواطنون، وليست مجرد تراب، ويجب أن نتفق على مسألة أساسية؛ هي أن البحث العلمي يجب أن يكون على درجة من الموضوعية، وأن يأخذ دائما مسافة الأمان بينه وبين التوظيفات السياسية، فالذي أعتبره ردا قويا على خصوم الوحدة الوطنية هو تحقيق المساواة بين الأقاليم الصحراوية وغيرها من المناطق في إنشاء الجامعات وإشراك الطاقات الصحراوية في تدبير الشأن المحلي والوطني.

فإذا أردنا أن نشكل معا جبهة للدفاع عن الصحراء يجب أن نصطف في صف واحد وأن نكون على قدم المساواة لا أن نجعل الصحراء متخلفة عن مسايرة الركب.

س: نحن على بعد أيام من إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة بقيادة حزب العدالة والتنمية، هل تعقدون آمالا معينة على هذه الحكومة.

ج: آمالنا معقودة على الله في كل شيء، وثقتنا في جلالة الملك أكبر من أي شيء، وحتى لا نتيه في دواليب السياسة المتشعبة، حسبي أن أقول لك بأننا نريد أن نعيش العدالة وأن نحقق التنمية، لا أن تربطنا بهما علاقة الشيخ والمريد، والصحراء بلا جامعات ليس من مباديء العدالة ولا من أسس التنمية.