الانتخابات التشريعية لسابع أكتوبر محطة لتأكيد مشروع الحداثة والديمقراطية


يكتسي اقتراع سابع أكتوبر أهمية خاصة ليس فقط لكونه عملية انتخاب 395 عضوا في مجلس النواب الجديد، بل لكونه ينطوي على رهان يتعلق بالحداثة والديمقراطية.

ذلك أن 15,7 مليون ناخب مدعوون عبر الإدلاء بأصواتهم و اختيار مرشحيهم، للتعبير عن انخراطهم في مشروع كبير يتجسد على أرض الواقع خطوة تلو خطوة منذ بداية العهد الجديد.

و لذلك فإن التصويت يوم سابع أكتوبر ليس فقط واجبا وطنيا تمليه ضرورة قانونية، بل هو التزام. إن الانتخابات تخضع لمعايير الديمقراطية والتعددية، وهي في المغرب تتميز بكونها تجري منذ 2002 في ظروف تدعو فعلا للارتياح عموما، كما شهد بذلك الفاعلون الحزبيون الوطنيون وكذا كافة المنظمات الدولية.

إن هذا المسار الذي استمر منذ 15 سنة، هو ما يمنح المغرب طابع التميز، و هو تميز مستحق يعكس الدستور الجديد لسنة 2011، أبرز تجلياته.

توضيح المبادئ وتكريس الحقوق والحريات

و بالفعل فإن الدستور الجديد، يعيد التوازن للسلط عبر الارتقاء و توسيع اختصاصات البرلمان والسلطة الحكومية، فضلا عن توضيح المبادئ وتكريس الحقوق والحريات، مما يؤشر لمرحلة جديدة في مسار استكمال بناء وتجذر دولة القانون.

وفي مجال حقوق الإنسان، فإن الإرادة واضحة وتعكس جيدا الانخراط في مسلسل ملاءمة الإطار القانوني والمؤسساتي مع المواثيق الدولية. وهكذا انضمت المملكة لأغلب المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق الطفل والنساء والقانون الدولي الإنساني.

وفي المجال ذاته، حرص المغرب على الانخراط بعدة اتفاقيات تتعلق بحقوق الطفل وحقوق المرأة وحظر التعذيب والمعاملة المهينة أو اللاإنسانية. وتدعم مطابقة التشريع الداخلي من المعايير الدولية الأكثر تقدما، دينامية جديدة تمضي نحو تحقيق المزيد والأفضل.

ظروف عيش النساء في المغرب

إنه إذن إطار مؤسساتي جديد، يستند ويتمحور حول جهاز فعلي و عملي. فالرؤية الملكية التي تستشرف آفاقا بعيدة المدى تستند إلى مرجعية.

كما يتعلق الأمر بتفعيل مشارك في الإصلاحات والإجراءات. تهم الفئة الأولى ما يمكن تسميته بإشكالية مجتمعية يتعين توضيحها من خلال معايير مرجعية، وهي، في الحياة الاجتماعية، المدونة كقانون للأسرة بدأ تطبيقها في 2004.

وقد جرى نقاش وطني كبير، آنذاك، بين المحافظين والحداثيين، ليؤتي ثماره بالنظر للتوافق الذي تم بشأن هذا الإصلاح. ساهم ذلك في التحسيس، بشكل كبير، بظروف عيش النساء في المغرب، (المسؤولية المشتركة للزوجين، الرفع من السن الأدنى القانوني للزواج، تقنين التعدد…).

وفي المجال الديني، كان التقدم ذا مدلول. فقد تشبث أمير المؤمنين، صاحب الجلالة، بالدفاع عن إسلام “الوسطية والاعتدال”، في عالم تم فيه تحريف الدين وتسخيره من طرف البعض، واتهامه من طرف البعض الآخر. و هكذا تميز المغرب بإشاعة إسلام معتدل ومتسامح قائم على المذهب المالكي. وهي المقاربة التي عملت المملكة على نشرها في البلدان الإفريقية، من خلال تكوين الأئمة. وبذلك يعزز المغرب “قوته الناعمة” الدينية، مضفيا على دبلوماسيته بعدا جديدا.

حق الولوج إلى المعلومة العمومية

وعلى المستوى الثقافي، نجد أيضا مجالات تشكل علامة على رؤية مجتمعية. فالإرث التاريخي الوطني أضحى بارزا ضمن كافة مكوناته: الوحدة والتنوع (العروبة والإسلام، الأمازيغية، الإرث الصحراوي الحساني، والروافد الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية). وتم ترسيم الأمازيغية لغة رسمية بصفتها تراثا مشتركا لكافة المغاربة.

وفي ما يخص الديمقراطية التشاركية، يتعين الإشارة إلى الأمر يتعلق بقطيعة حقيقية. فقانون جمعيات المجتمع المدني وكذا المنظمات غير الحكومية أصبح متضمنا في الدستور (الفصل 12). وتمارس أنشطتها بكل حرية. أما المواطنون، فقد أضحوا يتوفرون على حق المساءلة، سواء من خلال تقديم الملتمسات في مجال التشريع أو من خلال التقدم بعرائض إلى السلطات العمومية. ويتمتعون أيضا بحق الولوج إلى المعلومة العمومية التي تتوفر عليها المؤسسات المعنية.

تنتظم الحياة السياسية حول التعددية. ويتجسد ذلك من خلالها تنوع المجتمع وخصوصية مكوناته السوسيو ثقافية. ويعد وجود 34 حزبا اليوم، نتيجة مسلسل تاريخي دام أزيد من نصف قرن بعد الاستقلال، ويمتد إلى اليوم.

وتحظى الأحزاب بوضع دستوري، كما أن لها وظيفة ودور في التأطير والتكوين السياسي للمواطنين. وهي ملزمة باحترام ثوابت الأمة، فضلا عن المبادئ الديمقراطية في تنظيمها وعملها.

الحياد الصارم للسلطات العمومية

أما المعارضة البرلمانية، فحظيت في الدستور الجديد بمكانة مؤسساتية تضمن لها الممارسة الكلية لمهامها، ضمن وظيفة مساهمة ومؤسسة للسير الجيد للهيئات العمومية والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية.

ويطرح البناء الديمقراطي اليوم أيضا مكانة ودور الانتخابات التي تتمثل مبادئها الأساسية في الحرية والنزاهة والشفافية، مما يستدعي الحياد الصارم للسلطات العمومية في تنظيم المسلسل الانتخابي. وقد تعزز ذلك بمأسسة وظيفة الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات، تماشيا مع المعايير الدولية الراسخة في هذا المجال.

وبمناسبة انتخابات سابع أكتوبر 2016، ينبغي التأكيد بالخصوص على الحضور المرتقب لما لا يقل عن 4000 ملاحظ -منهم 90 ملاحظا أجنبيا يمثلون تسع هيئات دولية-. فالمغرب يمارس فعلا ديمقراطية مفتوحة يتمتع فيها الملاحظون بالحرية التامة، ضمن الحياد، للوقوف على ممارسة الحقوق والحريات لدى الناخبين والمرشحين على حد سواء.

تعبئة الكفاءات البشرية

و يتواصل الصرح المؤسساتي و المسار الديموقراطي باقتراع يوم سابع أكتوبر – تجديد أعضاء مجلس النواب-. و هو المسار الذي هم أيضا الجماعات المحلية في شتنبر 2015، حيث تم انتخاب الـ1503 جماعة وبلدية وكذا الجهات الـ12.

ومما يجدر ذكره أن الجهة أضحت تشكل كيانا جديدا وأصبحت كجماعة ترابية تضم الجماعات والأقاليم والعمالات. ومع اعتماد الجهوية المتقدمة، خطت المملكة خطوة جديدة في تدعيم ترسانتها المؤسساتية. وستشكل الأقاليم الصحراوية، في هذا السياق، نموذجا لتجسيد هذه الفلسفة الجديدة.

فالمواطنة الكاملة تشكل دعامة مشروع مجتمع يشهد أوراشا مفتوحة. إذ أن المشاركة الكاملة للمواطنين في التدبير الديمقراطي لشؤونهم على المستويين المحلي والجهوي، وتعبئة الكفاءات البشرية، وتدعيم الشرعية الديمقراطية للتمثيلية التي تستمر مع انتخاب مجلس النواب الجديد، تمثل أهم ملامح الدينامية التي يشهدها المغرب في 2016