رحلة ولهان عبر الزمان و المكان بين تازة و سان جرمان (الجزء الأول).


taza_marseil

فكرة و إعداد:

رئيس جمعية نداء تازة

من أجل إخراج تفعيل برنامج التأهيل الحضري

المندمج للمدينة: عبد الله الأزرق.

 

إهداء:

بداية أود عبر هذا العمل إلقاء تحية خالصة صادقة على كل غيور وغيورة على مدينة تازة العزيزة وأهدي هذا البحث المتواضع إلى كل فلذات تازة الذين سبقوني بالقلم فأبدعوا في رسم صورة جميلة عن مدينة تازة عبر شتى الميادين والتخصصات ومنهم ذ. عبد الإلاه بسكمار الذي اقتبست عنوان هذا البحث من إحدى مقالاته المخصصة لحدائق تازة المعلقة.

مقدمة:

في بعض الأحيان في تاريخ عمارة المدن كما في جغرافيتها تحدث صدف نادرة تجعل من تاريخين متباينين كما من جغرافيتين قاريتين متباعدتين، تتقاربان في أكبر وأدق التفاصيل التاريخية، الجغرافية  وحتى الطبوغرافية إلى درجة مذهلة من التناغم والتماثل. وموضوع اليوم الذي أريد اطلاع القراء عليه هو كيف توافقت الطبيعة مع اليد البشرية في تكرار طبوغرافية مدينة وبعض معالمها المعمارية والتاريخية ما بين بلدتين مختلفتين في دولتين متباعدتين إلى حد اللامعقول واللامألوف.

يتعلق الأمر بتجربتين تاريخيتين جغرافيتين طوبوغرافييتن معماريتين بين مدينتي تازة العتيقة المغربية وسان جرمان الباريسية الفرنسية.

أكتب هذا المقال وأنا على يقين أن أوجه التشابه بين المدينتين بلغت حدا من الندرة والصدفة أو القدر أو منها مجتمعة لا يمكن معه كتمان ما يختلج النفس من أحاسيس وانفعالات عميقة أعرضها عبر هذا العمل على قلوب التازيين والجرمانيين على السواء كما على فراسة الجغرافيين والمؤرخين والطوبوغرافيين كما على فضول الباحثين والمعماريين والمهندسين وليكن هذا التحليل المقارن لمجالين ترابيين مختلفين ليس من أجل التسلية ومتعة القراءة فحسب بل من أجل هدف نبيل يروم حول:

أولا: إعادة الاعتبار لمدينة تازة كمدينة أصيلة وعريقة وذلك عبر إبراز مؤهلات المدينة العتيقة خاصة والمدينة ككل عامة سواء كانت جغرافية من طوبوغرافية وتضاريس أم تاريخية  من علوم وعمران وآثار أم سياحية من تراث وثقافة ومآثر.

ثانيا: تشجيع التعاون الثنائي بين المدينتين ثقافيا واجتماعيا وتنمويا ولعل هذا العمل يكون بادرة تقارب حضاري بين مدينتين كل المعطيات المتوفرة لدينا تصب في إمكانية فتح صفحة جديدة نريدها نموذجية حول  كيف يجب أن تكون عليه علاقات التعاون بين مدن شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط.

نقط تشابه المدينتين قوية جدا منها التاريخي، الجغرافي، الطوبوغرافي ومنها المعماري- المعلماتي – السياحي وعليه سوف ينقسم هذا التحليل إلى ثلاثة أجزاء.

يختص الجزء الأول بتعريف التماثل الجغرافي- الطوبوغرافي بين المدينتين.

بينما يعرض الجزء الثاني للتماثل المعلماتي – الحضري – السياحي بينهما.

في حين يتكلف الجزء الثالث بسرد  التماثلات التاريخية والثقافية بين المدينتين.

وقبل الغوص في تفاصيل هذه التجربة الرائعة ولأنها كذلك أقص على القراء الكرام حكاية وظروف ميلاد فكرة هذا الموضوع الاستثنائي:

في أول أيام شهر يناير من سنة 2014، تصادف وجودي بمدينة باريس أن قمت صبيحة ذلك اليوم ولعله فاتح يناير من سنة 2014 وأذكر أنه كان يوم عطلة، قمت بزيارة مدينة سان جرمان غرب مدينة باريس المركز، كان صهري المهندس جلال يتولى قيادة سيارته بينما جلست يمينه في مقدمة السيارة، طيلة الرحلة كنا نتبادل أطراف الحديث بينما كان بصري منشغلا في اكتشاف جنبات الطرق وما وصلت إليه مدينة باريس الكبرى من تطور في مجال سياسات تعمير المدن وتأهيلها الحضري. في مرحلة ما من الرحلة وبعد اجتياز شارع طويل مرورا من على جسر “جورج بومبيدو”، في مدخل مدينة سان جرمان الشرقي، بدأت السيارة فجأة في الانعطاف نحو اليمين مع تغير في طوبوغرافية الطريق من منبسط إلى عال متدرج، وبعد قليل ودائما مع صعود طريق يرتفع شيئا فشيئا، انعطفت السيارة مرة أخرى نحو اليسار متيمنة سورا يمتد على مسافة 80 إلى 100 متر تقريبا، هنا بالضبط انتابني شعور غريب بدأت معه أشعر وكأني أتواجد أسفل سور بوقلال وسألت جلال في اندهاش مازح، هل نحن نتجه حقيقة نحو المدينة العتيقة لمدينة تازة؟!.

كان هذا أول شعور خالجني حول تشابه المدينتين وكان شعورا صغيرا كنت مستعدا مع صغره لنسيانه بمجرد وصول مدينة سان جرمان، لكن بقية الرحلة والمفاجآت الآتية أَسِرَت قلبي نهائيا وجعلته حبيس صَدْرِ مُقَارِنٍ مُعْجَبٍ يُدوِّن لائحةَ أوجه شبه لا يكاد يغلقها حتى تُفتح من جديد على وجه شبه جديد.

وعودة إلى نقطة توقف الحديث عن رحلة سان جرمان أسفل السور الشرقي للمدينة قبل ولوجها، تابعنا الطريق لبضع لحظات لتنعطف السيارة مرة أخرى نحو اليمين تماما كما تفعل سيارات طريق بوقلال في نهاية السور، متجهة نحو باب الريح، مع تسجيل فارق بسيط من اختراق مجموعة من الدور في سان جرمان قبل الوصول إلى قصر سان جرمان بينما يتطلب الأمر في تازة سلوك طريق باب الريح لوصول ساحة باب الريح وفضاء المسجد الأعظم، لاحظوا معي نفس تموقع المعلمتين التاريخيتين بالنسبة للمدينتين، معلمة قصر سان جرمان بالنسبة لمدينة سان جرمان العتيقة ومعلمة المسجد الأعظم بالنسبة لمدينة تازة العتيقة.

بعد ركن السيارة في مدخل حديقة القصر، ولجنا فضاء مفتوحا على الهواء الطلق على يساره يوجد قصر سان جرمان وعلى يمينه فضاء أخضر يطل على مدينة باريس. هنا وفي مدخل الفضاء حسمت بسرعة فائقة في اختيار الوجهة المقصودة: هل نحو شباك شرفة الفضاء المطلة على باريس المركز أم يسارا حيث ينتصب شامخا قصر سان جرمان؟.  قلت حسمت هذا الاختيار بدون تردد لأن قوة خفية بداخلي كانت تجذبني نحو شرفة الفضاء لتلبية فضول اكتشاف ما يمكن أن يكون عليه حال المنظر المتواجد أسفل الفضاء. وهناك وعلى حافة الشرفة كنت على موعد مع مفاجآت جديدة جعلت من بصري وإحساسي “سكيزوفرينيا” مزدوج الرؤية والإحساس، – بمعنى تداخل صور ذهنية من تازة مع صور حقيقية من سان جرمان وتمازج الإحساس الخاطئ  بالتواجد في تازة مع الإحساس الواقعي بالتواجد في سان جرمان – إشكالية حقيقية وقعت فيها عندما امتلئ بصري في آن واحد بمشهدين متطابقين متوازيين واحد حقيقي لحظي والآخر ذهني ماضوي:

  • المشهد الأول الحقيقي: تحت قدميك ترى امتدادا لا بأس به من مساحة خضراء ثم منطقة بناء قليلة العلو، ثم مساحة خضراء ثم مركز بنايات شاهقة متقاربة فيما بينها مشكلة مركز باريس القلب النابض للمدينة. على يمين اللوحة كما على يسارها سلسلة من الهضاب المكسوة بخضرة الأشجار.
  • المشهد الثاني الذهني: على سور بوقلال وأنت تطل على المدينة الجديدة بتازة تملئ مجال بصرك منطقة أولى عبارة عن مساحة خضراء، ثم منطقة بناء قليلة العلو ثم منطقة خضراء مشكلة من حديقة 20 غشت ثم مركز المدينة وبناياتها العالية. وبطبيعة الحال وسط حاشيتين جبليتين يمنى ويسرى تماما كما هو عليه  الحال في المشهد الأول.

“سكيزوفرينيا” بصرية وجدانية وتداخل في الصور الحقيقية مع الذهنية وشعور جياش ترجمته لفظيا إلى مرافقي جلال المهندس المقيم بباريس بسؤال أخير يحتمل أربعة أجوبة، واحدة منها فقط تشكل مفاجأة جديدة تنضاف إلى المفاجآت السابقة  لو كانت هي  التي يخفق قلبي مسبقا لسماعها، ونزل عليا الرد بردا وسلاما. إذا كان حدسكم قوي فسوف تكونون قد تعرفتم على ماهية سؤالي الذي كان بطبيعة الحال يتعلق بتموضعي الجغرافي وأنا أتأمل في ذهول المشهد السابق. أجابني مرافقي بسرعة ويقينِ مقيمٍ قديم بالبلد أنني في وضعيتي تلك كنت متقبلا شرق مدينة باريس !.

نعم فعلها حسن الطالع مرة أخرى وهأنا ذا  أتفرج على باريس المركز المشهور بلقب ” La Défence ” وأنا واقف على شرفة الحافة الشرقية لمدينة سان جرمان الواقعة غرب مركز المدينة تماما كما لو كنت أقف على سور بوقلال متأملا وسط المدينة الجديدة لتازة في اتجاه الشرق !!.

أصدقكم القول إذا قلت لكم أن هذه الصدف التي جعلت من مدينة تازة العتيقة رديفة لمدينة سان جرمان، ما هي إلا فيض من غيض لأن قصتي مع سان جرمان لم تكن سوى في بدايتها. وبعد أيام قليلة بعد هذا اليوم المشهود رجعت إلى بلدتي تازة حيث كنت على مواعيد أخرى مع مدينة سان جرمان ولكن هذه المرة ليس على متن سيارة بل على متن طائرة مكوكية مجهزة بآلة تصوير جد متطورة موجهة بأقمار صناعية وهي من نوع “جوجل ماب”!.

وإذا سمحتم الآن فلنترك الأسلوب القصصي جانبا ولنتطرق للجزء الأول من هذا العمل والمتعلق بالتقارب الجغرافي الطوبوغرافي بين المدينتين.

الجزء الأول:

 التماثل الجغرافي الطوبوغرافي  بين مدينة تازة العتيقة ومدينة سان جرمان التاريخية:

-1    موقع فريد متناغم للمدينتين مقارنة مع خارطة بلديهما:

بداية وجب التذكير أن مدينة سان جرمان تعتبر من ناحية التقطيع الترابي الفرنسي مقاطعة من إحدى المقاطعات المشكلة لمدينة باريس الكبرى وقبل الدخول في تفاصيل التماثل الجغرافي الطوبوغرافي بين المدينتين، نستهل هذا الموضوع بمفاجأة أولى بمثابة مؤشر استباقي ينبأ بمفاجآت أخرى على طريق هذا البحث. يتعلق الأمر بمقارنة الموقع الجغرافي لكل من مدينة باريس الكبرى بالنسبة لدولة فرنسا من جهة مع الموقع الجغرافي لمدينة تازة بالنسبة لدولة المغرب من جهة ثانية. من أجل هذا نحتاج إلى مقاربة خريطة البلدين لنخلص إلى تماثل مذهل في موقعي المدينتين بالنسبة للبلدين،  فكل من مدينة تازة من جهة وباريس الكبرى من جهة ثانية تحتلان وبدرجة متقاربة إلى  حد كبير المنطقة الشمالية الشرقية لكلتا الدولتين!.

هذا أولا وحتى قبل الدخول في صلب الموضوع.

2- موقع غربي متجانس للمدينتين بالمقارنة مع مركزيهما:

من ناحية التقسيم الترابي للمدينتين، تشكل تازة العتيقة المقاطعة الحضرية الأولى بالنسبة لمدينة تازة ككل و المشتملة إجمالا على خمس مقاطعات حضرية.

في المقابل تشكل مدينة سان جرمان جماعة حضرية من أصل 130 جماعة حضرية بالإضافة إلى مدينة باريس الكبرى ( (Paris la Métropole(1).

تقع مدينة سان جرمان مقارنة مع مدينة باريس المركز في غرب هذه الأخيرة على مساحة 4.827 هكتار تقريبا.

وتقع مدينة تازة العتيقة غرب تازة المركز على بعد كيلومترين تقريبا على مساحة 300 هكتار تقريبا من أصل 3.700 هكتار (مساحة المدينة بجميع مقاطعاتها) بينما تبلغ مساحة إقليم تازة 710.100 هكتار تقريبا .

و هذه ثاني التماثلات الجغرافية بين المدينتين.

 -3طوبوغرافية متماثلة وإطلالة مشتركة على محيط المدينتين:

من الناحية الطوبوغرافية تقع مدينة تازة العتيقة على علو 560 متر عن مستوى سطح البحر مشرفة على تازة الجديدة التي لا تعلو على مستوى البحر إلا بـ 500 متر تقريبا، مع ملاحظة أنه كلما صوبنا اتجاهنا نحو الجنوب إلا وزاد علو الطوبوغرافية إلى ما يفوق 1000 متر على امتداد فقط 15 إلى 20 كيلومتر جنوبا.

أما سان جرمان فهي كذلك تطل على باريس المركز بعلو يصل إلى 92 متر بينما باريس المركز لا يتجاوز علوه بالنسبة لمستوى البحر إلا ب 27 متر فقط، مع ملاحظة أنه كلما صوبنا اتجاهنا نحو الجنوب إلا وزاد علو الطوبوغرافية إلى ما يفوق 160 متر على امتداد فقط 15 إلى 20 كيلومتر جنوبا.(2)

و هذه ثالث التماثلات الجغرافية الطوبوغرافية بين المدينتين.

 -4شرف بانورامية متناظرة لكل مدينة:

تتميز مدينة سان جرمان بشرفتهاTerrasse le Notre” المطلة على مدينة باريس المركز و باقي المقاطعات القريبة الممتدة على مسافة 2400م، وهي شرفة مشهورة تاريخيا وتحمل من الأسماء  اسم المهندس البستاني “Le Notre” الذي وضع تصميمها لحساب الملك لويس XIVو حرمِه و ضيوفِه في مرحلة ما قبل أن تتحول إلى معلمة سياحية يقصدها الزوار من فرنسا و خارج فرنسا إلى درجة أصبحت معها هذه المعلمة معلمة رمزية لمدينة سان جرمان بأسرها بالإضافة إلى قصر سان جرمان. كل هذه القيمة العالية  الممنوحة لشرفة “Le Notre” وهي بالمناسبة قيمة تستحقها، تحتل الواجهة الشرقية من مدينة سان جرمان فقط بالمقارنة مع شرفة تازة العتيقة المشتملة على ثلاث واجهات (شرقية، شمالية وغربية)!.

وما لا يعلمه سكان مدينة سان جرمان و سوف أكون سعيدا بإبلاغهم له أن مدينة تازة العتيقة تتقاسم مع سان جرمان شرفتها الشرقية المطلة على باريس المركز تماما كما تطل تازة العتيقة على تازة المركز في نفس الوقت الذي تتميز عنها بشرفتين إضافيتين، واحدة شمالية وأخرى غربية، وبلغة الأمتار يبلغ طول شرفة تازة الشرقية من أقصى برج تازة (قوس باب جمعة) مرورا بسور مراب العياشي إلى أقصى سور بوقلال حوالي 450 م، أما الشرفة الشمالية و الممتدة من نهاية سور بوقلال حتى زاوية انعراج السور الأثري نحو الجنوب (مشروع الهواء الطلق من فضاء الصخور…) فيمتد على مسافة 350 م تقريبا، أما الشرفة الغربية المنطلقة من نقطة نهاية الشرفة الشمالية حتى البرج الملولب، فمسافتها تقارب  400 م تقريبا، وعليه يكون مجموع مسافة الشرفات الثلاث 1200م تقريبا، إذا أضفنا عليها إمكانية توسيع الشرفة الشرقية قبالة ساحة أحراش حتى حصن البستيون على مسافة 500م تقريبا، نحصل في النهاية على 1700م.(12)

و هذا تماثل جغرافي طوبوغرافي رائع ورابع.

 -5امتداد طبيعي غابوي أكثر من رائع ومجال إيكولوجي نادر لكل مدينة:

من أهم المميزات الجغرافية الطبيعية لمدينة سان جرمان احتواء مجالها الترابي على مساحة خضراء شاسعة تشكل النسبة الغالبة من مساحة مجالها الترابي، يتعلق الأمر بالغابة المُلكية (بضم الميم) “la Forêt Domaniale” لسان جرمان مساحتها حوالي 3200 هكتار والمحتوية أساسا على أشجار الفلين.

و بصفة موازية لهذا المعطى يشتمل المجال الترابي لمدينة تازة على المتنزه الوطني لتازكة والمتربع على مساحة 12.700 هكتار جنوب المدينة على بعد 10 كيلومترات، يحتوي أساسا على أشجار الفلين و الأرز و يعتبر هذا المنتزه من أجمل المنتزهات المتوسطية.

و هذا تماثل جغرافي طبيعي خامس.

 -6أودية محتضنة لكل مدينة في شكل حرف “C” مقلوب لكن في قمة التماثل:

على مستوى الأودية و جغرافيتها و طوبوغرافيتها يوجد تماثل رائع بين المدينتين يتمثل في كون مدينة سان جرمان مع مجالها الغابوي تتربع على منصة “plateau” مستطيلة الشكل مرتفعة الطوبوغرافية يضطر معها نهر لاسين “La Seine” الالتفاف عليها من ثلاث جهات : الغرب ثم الشمال ثم الشرق في شكل حرف “C” مقلوب بفراغه نحو الأسفل في اتجاه الجنوب بحيث  يبقى الجزء المقوس نحو الأعلى في اتجاه الشمال، وبتأمل طوبوغرافية الوديان المحيطة بمدينة تازة الحضرية نلاحظ أولا انقسام طوبوغرافية المدينة إلى ثلاث مستويات أو منصات “Trois Plateaux”، منصة أولى مشكلة من أحياء المحطة و جوارها و منصة ثانية مكونة من وسط المدينة الجديدة و الأحياء المحيطة بها ومنصة ثالثة أقيمت فوقها مدينة تازة العتيقة. أفضل مكان لالتقاط صورة للمدينة في مستوياتها الثلاث هو جزء الطريق السيّار الرابط بين مدخل المدينة الغربي و مخرجها الشرقي.

و رجوعا إلى خريطة الوديان المحيطة بالمدينة، نلاحظ محاصرة المدينة بمنصاتها الثلاث من طرف ثلاثة أودية (18).

  • وادي الدفالي من الجهة الشرقية.
  • وادي تازة من الجهة الغربية.
  • وادي الأربعاء من الجهة الشمالية حيث يصب فيه كل من الواديين الشرقي و الغربي.

وتماما كما رسم نهر لاسين حرف “C” مقلوبا إلى الجنوب بفراغه وإلى الشمال بجزئه المقوس، كذلك الشأن بالنسبة للأودية الثلاث المحيطة بمدينة تازة.

و لعل مقارنة الخريطتين المبرزتين لطوبوغرافية وديان المجالين الترابيين للمدينتين خير وسيلة لاستيعاب هذا التماثل العجيب (انظر الخريطتين الطوبوغرافيتين مع المرفقات).

وهذا تماثل جغرافي طوبوغرافي سادس.

 

 -7حدائق معلقة وأدراج ومغارات، في نفس المكان من شرق المدينتين.

سان جرمان: في المدخل الشرقي للمدينة ومباشرة بعد اجتياز جسر جورج بوميدو عليك سلك طريق D190 المؤدية إلى سان جرمان هذا الطريق الملتوي في شكل حرف “S ، كان يطلق عليه قديما اسم “طريق المغارات” “Route des grottes” نظرا لوجود سبع مغارات على مستوى ممر المغارات “Rampe des grottes” مُحاطة بحدائق معلقة كانت مشهورة بتسمية ” حدائق الشرف النازلة “jardins des terrasses descendantes”.

ولتسلق هذه الحدائق المعلقة قدوما من أسفلها يجب عليك سلك طريقين: الأول خاص بالسيارات وهي طريق المغارات (D190) والثاني عبارة عن أدراج مُخْتَرِقَةً مجال الحدائق المعلقة قبل الوصول في نهاية المطاف إلى مدينة سان جرمان (22).

تازة: في المدخل الشرقي لمدينة تازة العتيقة ومباشرة بعد اجتياز المدار الطرقي للدرك الملكي، عليك اقتراض طريق بوقلال المؤدي إلى تازة العتيقة، هذا الطريق الملتوي  أيضا في شكل “S” (كما سوف نتطرق له بالتفصيل في الجزء الموالي)، كان منذ القديم يُعرف بطريق بوقلال وهذه التسمية لها علاقة بالمغارات المتواجدة بجوارها حسب رأينا كما سوف نبينه أسفله تماما كما هو عليه الحال بالنسبة لطريق المغارات في سان جرمان، والطريق المذكور محاط أيضا، كما في طريق المغارات في سان جرمان، بمساحات خضراء معلقة رائعة لكن مهملة مع الأسف الشديد باستثناء الجزء المحاذي للسور الأثري لباب الجمعة والمهيأ حديثا في شكل حدائق معلقة أو نازلة  كما يحلو لأصدقائنا الجرمانيين تسميتها.

ولتسلق حدائق تازة المعلقة في جزءَيْها المهيأ وغير المهيأ قدوما من أسفلها يجب عليك سلك طريقين، الأول خاص بالسيارات وهو طريق بوقلال والثاني عبارة عن أدراج من سلسلتين يمنى ويسرى مُخْتَرِقَةً مجال مخصصا للحدائق (على الورق فقط!) قبل الوصول في نهاية المطاف إلى المدينة العتيقة في تازة.

وهذا تماثل جغرافي طوبوغرافي سابع أكثر من مذهل لكن ذهول هذه الفقرة لم يكتمل بعد، من أجل ذلك دققوا معي التتمة  التالية:

إضافة للتماثلات المذكورة أعلاه في هذه الفقرة فإن تماثل طريق بوقلال في تازة مع طريق المغارات في سان جرمان تماثل متناغم، متشابك في أدق التفاصيل الجغرافية، الطوبوغرافية، البيئية والثقافية حتى.

جغرافيا: تشابه شبه مطلق في التواء الطريقين في شكل هندسي ينطبق على حرف “S” اللاتيني.

طوبوغرافيا: ارتفاع الطريق طوبوغرافيا من أسفل حرف “S” إلى أعلاه.

بيئيا: اختراق الطريقين لمجالات خضراء معلقة أو نازلة مع تأثيث  الفضائين بمجموعة من المغارات.

ثقافيا: وهنا بيت قصيد مرصع بذهول جديد:

لطالما تداول معظم سكان مدينة تازة اسم طريق بوقلال منذ أمد بعيد دون أن يخطر على بالهم ماهية هذه التسمية ودلالتها. -على الأقل حسب ما وصل إلى علمي- وهذه الملاحظة تنطبق علي بذاتي قبل غيري إلى أن فتحت حديث هذا الموضوع مؤخرا مع أخي خالد وسرعان ما انفكت الشفرة وتوصلنا سويا إلى فك طلسم هذه التسمية العجيبة كالتالي:

عبد الله: “بوقَلال في أصلها اسم مركب من كلمتين: أبو قَلال”.

خالد: “أبو قِلال قد تكون أقرب إلى الصواب”.

عبد الله: “معك حق، أبو قِلال أَسْلَمُ نطقا ولغة وعندما هممت إلى تحويل كلمة قِلال إلى مفردها، سبقني خالد قائلا”.

خالد: “قِلال جمع قُلة !!”، وكأن غشاوة قد أزيحت عن بصيرتي أخيرا فأجبته مبتهجا:

عبد الله: “شكرا لك خالد، لقد أسدلت لي خدمة لن أنساها لك !”.

لكن ما علاقة القُلة بالثقافة، ومدينتي تازة وسان جرمان؟

رويدكم مرة أخرى من فضلكم:

  • علاقة “القلة” بمجال طريق بوقلال بتازة:

ضمن تعريف هذا المجال سابقا ذكرنا تواجد مجموعة من المغارات مؤثثة لهذا الفضاء، مغارات قديمة جدا قدم الصخور التاريخية المشكلة لجيولوجية المجال المذكور، وثبت اركولوجيا أن المغارات المتواجدة بالمكان وباقي المناطق المحيطة بالمدينة العتيقة قد آوت الإنسان القديم الذي استعملها كسكن أو ملجأ أو لما لا، كمستودع لإيواء وصناعة الأواني الفخارية وعلى رأسها “القلة” أم الأواني الفخارية. إنني أعترف أن هذا الاجتهاد يبقى مجرد تخمين لكن المعطيات المتوفرة لدينا تشير إلى رجاحته. على كل حال، أنا لست برجل تاريخ ولا اركولوجيا وأغتنم هذه الفرصة لطرح هذا الموضوع على ذوي الاختصاص من مؤرخين وباحثين.

هذا أولا.

  • علاقة “القلة” بمجال طريق المغارات بسان جرمان

في قمة مجال طريق المغارات بسان جرمان على اعتبار أن المجال المذكور مرتفع الطوبوغرافية من أسفل إلى فوق، توجد مجموعة من الشرف المطلة على باريس المركز من بينها شرفة ممر المغارات يسارا، وشرفة سور الأسود “Le mûr des lions” وسطا ثم شرفة “Le Notre” في أقصى اليمين. أسفل شرفة “Le Notre” ومنذ سنة 2009 أعيدت زراعة الكروم إلى مكانها الأصلي بعد عقود عديدة من القطيعة. وبطبيعة الحال فإن إعادة إحياء هذه الزراعة كان بهدف إحياء إنتاج خمر المنطقة المطلوب محليا وخارجيا. وعليه تثبت أخيرا العلاقة الجدلية القائمة بين منتوج الخمور الجرمانية من جهة وقلل التخثير الفخارية قديما والزجاجية حديثا من جهة ثانية.

وهذا ثانيا.

  • علاقة “القلة” بثقافة المدينتين:

ثقافة التازيين عربية، أندلسية، أمازيغية وإسلامية لذلك استعملت القلة أساسا في تخزين زيت الزيتون والعسل والسمن.

وثقافة الجرمانيين لاتينية فرانكوفونية ومسيحية لذلك استعملت القلة أساسا في تخمير الخمور، لهذا نجد الجرمانيين في كل سنة يحتفلون بهذا المنتوج الذي يشكل ركنا أساسيا في ثقافتهم عبر تنظيم مهرجان شهير يطلقون عليه: “موسم خمر المغارات” ” Festival du Vin des grottes “. ولما كانت المنطقة المخصصة لزراعة الكروم توجد أسفل شرف ومنصة سان جرمان المحتضنة أسفل شرفها مغارات معظمها لم يعد موجودا حاليا بفعل بناء أسوار الشرف المعلقة، يمكننا فهم العلاقة القائمة ما بين القلة من جهة  والخمور من جهة أخرى إضافة  إلى العلاقة القائمة ما بين القلة من جهة والثقافة الجرمانية من جهة ثانية.

من أجل هذا:

لن تجد مدينة تازة والتازيين أي حرج في استبدال تسمية طريق أبوقِلال بتسمية طريق المغارات، في المقابل لن تجد مدينة سان جرمان والجرمانيين أي حرج في استبدال تسمية “طريق المغارات” بتسمية طريق أبوقِلال وبطيعة الحال مع احتفاظ كل مدينة من المدينتين بمحتويات قللها!.

  • وكروم تازة ؟!:

مدينة تازة أيضا كما مدينة سان جرمان كانت في الماضي القريب أواسط القرن العشرين وحتى الستينيات، مدينة الكروم والعنب الممتاز وداع صيت المدينة بفضل هذه الكروم الجيدة وخاصة إبان فترة الحماية الفرنسية. بغض النظر عن مساوئ الحماية الأجنبية التي سببتها للمدينة وأهلها، على الأقل تعايش التازيون مع الفرنسيين وأبدعوا في إنتاج أنواع جيدة من العنب الممتاز استعمله التازيون كفاكهة مغذية كانت تزين موائدهم ويجنون من وراء تجارتها مدا خيل محترمة، بينما استعمله الفرنسيون في إنتاج نوع “جيد” من الخمور (حسبهم طبعا) وشيدوا له معملا ضخما غرب المدينة لعصره و- تقنينه – (من القنينة) مازال ليومنا هذا قائما بذاته مراوحا لمكانه. في دراسة سالفة حول إشكالية ظاهرة الاحتباس الحراري بمدينة تازة، تطرقت إلى هذا الموضوع بالتفصيل ذكرت فيه كيف شكلت هذه الزراعة المنتشرة على مساحات شاسعة شرق المدينة حزاما أخضرا وحاجزا طبيعيا أمام رياح الشرقي الآتية من الشرق مما ساهم بشكل فعال في حماية اعتدال مناخ المدينة طيلة عقود عديدة ورأينا كيف أن توسع المدينة العمراني على حساب هذه المساحات الخضراء تسبب بشكل مباشر في ضياع هذا الحزام الأخضر وبالتالي انتقال طقس المدينة من طقس متوسطي معتدل إلى طقس غير متوازن حبيس ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع مهول في معدل درجات الحرارة العليا وخلصنا في نهاية الدراسة إلى ضرورة إعادة الكروم إلى مكانها شرق المدينة العتيقة وإحياء الحزام الأخضر المفقود مع الكروم لإعادة الاعتدال إلى مناخ تازة (23).

  • لهذا وجب على مدينة تازة استعادة كرومها:

 

فإذا كانت مدينة سان جرمان قد اصطلحت مع ماضيها وتراثها وذلك بإعادة زراعة الكروم شرق المدينة فإن مدينة تازة مدعوة اليوم  أكثر من مدينة سان جرمان لاستعادة كرومها شرق المدينة ليس بسبب الصلح مع الماضي والتراث فحسب ، بل من أجل ترميم مناخها العليل وإعادته إلى وضعه الطبيعي كمناخ متوسطي معتدل سليم ومعافى بإذن الله وللحديث بقية.

 

عبد الله الأزرق.

رئيس جمعية نداء تازة